02/01/2008

فقراء مصر..إنهم يحتجون احتفالا
تقرير: أميرة الطحاوي (إذاعة هولندا العالمية)

على شاطئ النيل وبينما استعدت الفنادق الكبرى لاستقبال العام الجديد بالمأكولات والموسيقى والمدافع تطلق الألعاب النارية المبهجة، كان هناك قارب متهالك، يوجهه شاب تكتظ يده بالأوراق المالية الصغيرة والتي تحصل عليها اليوم من جمهور لم يعتده، وربما لن يراه لاحقاً، إنهم مئات من الناشطين في طريقهم لجزيرة القرصاية التي تحاول السلطات المصرية منذ الصيف الماضي إخلاءها من سكانها لمصلحة مشاريع استثمارية، جاءوا تلبية لدعوة بعض سكان الجزيرة للاحتفال برأس السنة واستضافة "سانتا كلوز"على طريقتهم.
 
جزيرة القرصاية
 
وهذا الحفل طريقة من طرق الاحتجاج في بلد شهد لأعوام أربع على التوالي نشاطا واضحا لحركة المعارضة المصرية، وضمن كثيرين ساهمت الحركة المصرية من أجل التغيير المعروفة باسم "كفاية" بدور مقدر في انتزاع حق التظاهر بالشارع، حتى منتصف العام2006 عندما بدأت الانشقاقات والنمطية يعرفان طريقهما لقادة الحركة وشبابها، في الوقت الذي شددت فيه أجهزة الأمن قبضتها ضد أي تظاهرة بالطريق العام بما دفع المعارضين لسلك دروب جديدة.
 
وفي السبعينات كانت الحفلات الغنائية والمهرجانات الشعرية نشاطا متعارفا عليه بين الطلاب الجامعيين ممن لا يروق لهم توجهات النظام الحاكم للسادات(970-1981)، وخلال المواجهة بين السلطة القضائية و الحكومة قبل عامين وعلى خلفية اعتقال العشرات على هامش اعتصامهم تضامنا مع مطالب القضاة الإصلاحية نظم حفل بعنوان "غني يا بهية"بمسرح نقابة الصحافيين، تبناه مجموعة من المدونين، عقب اعتقال زملاء لهم أيضا، وجاء في إعلان عن الحفل"اخترنا الغناء وسيلتنا " ووصفت صحف مستقلة الحفل الذي حظا باهتمام إعلامي بأنه "ثورة جيل الغضب على مبارك يقودها المدونون"، ولاحقاً بدأ المواطنون المتضررون من تدني الخدمات الحياتية أو تعسف الجهات الإدارية ضدهم والمتبرمين من تصاعد الغلاء في القيام بوقفات احتجاجية أمام مقار الوزارات ذات الصلة مرددين هتافات صاغوها بأنفسهم وأغانً وليدة الموقف. وعادة ماتستضيف نقابتا الصحافيين والمحامين الكثير من فعاليات المعارضة وتمارس الدولة سطوتها في منع فعاليات مشابهة إذا كانت مخالفة للإجراءات المعنية أو في قارعة الطريق.
 
احتفال احتجاجي
 

وبدأت وقائع الحفل التضامني بجزيرة القرصاية منذ الثالثة عصر الاثنين الماضي، وحضره العديد من النشطاء الحقوقيين والسياسيين وشارك في إحيائه فرقة "اسكندريلا الغنائية" التي تهتم بإحياء التراث الغنائي القديم، المطرب المصري "وجيه عزيز" والمنشد الشيخ رمضان بمصاحبة فرقة شعبية، كما أدلى برسالة عبر الهاتف أذيعت عبر مكبرات الصوت من الشاعر أحمد فؤاد نجم الملقب بسفير الفقراء عن المجموعة العربية في النداء العالمي من أجل مكافحة الفقر، ساند فيها الأهالي داعيا إياهم للدفاع بالروح عن أرض أجدادهم وعدم تركها لصالح رجال أعمال لم تعلن عن هوياتهم.
 
وأرض القرصاية كانت جزيرة يغمرها الفيضان بشكل جزئي قبل بناء السد العالي في الستينات. واستقر أهلها البالغ عددهم حاليا 5 آلاف نسمة يمارسون الزراعة والصيد علي مساحة 87 فدانا ويدفع الأهالي بانتظام المستحقات المالية للحكومة دون وجود خدمات صحية أو تعليمية تذكر، وحسب شهادة أحد سكان الجزيرة(الحاج ماهر) فإن تاريخ هذه الجزيرة بدأ في عام 1898 عندما جاء أجداده إليها، وكانت عبارة عن تلال ومستنقعات وأخذوا في تسويتها وزراعتها، وحسب مصدر فإنه في نهاية التسعينات عرض مستثمرون عرب شراء الجزيرة لإقامة منتجع سياحي.
 
وتدخل الرئيس المصري حسني مبارك ليصدر القرار 484 لعام 2001 بتمليك أراضي الجزيرة لواضعي اليد.. "ولكن عندما ذهب الأهالي للشهر العقاري رفض موظفوه تسجيل أراضيهم. كما رفض المسئولون قبول الإيجار منهم ويتوقع السكان أن تستند السلطات لمتأخرات الإيجارات كأساس لطردهم. أرض القرصاية تابعة اسميا للدولة لكن العديد من السكان لهم حقوق وضع اليد وفي حوزتهم الكثير من المستندات التي تثبت سداد ما عليهم من أموال والوفاء بالتزاماتهم.
 
ويقول الفنان التشكيلي محمد عبلة أحد سكان الجزيرة أنه أقام معرضا لرسوم الأطفال الجزيرة وأنه يحاول البحث عن وسيلة فعالة تنقل معاناة السكان وغالبهم من البسطاء، مضيفا في حديث لإذاعة هولندا العالمية أنه لا يرغب في تسييس قضية الأهالي من أي طرف لكنه يرحب بتبني القضية بصورة جادة ومستمرة من قبل المنظمات والأحزاب، وليس اهتماماً وقتيا أو لأغراض دعائية، معتبرا أن الأهالي رغم محدودية اهتمامهم بالسياسة فإنه عندما يتعلق الأمر بانتزاعهم من أرضهم للعراء سيجدون الوسائل الأنسب لإيصال رفضهم للجميع.
 
ولا يخرج موقف أهالي الجزيرة الرافض لإخلاء مساكنهم عن كونه تشبثا بحق البقاء ويمكن بوضوح هنا ملاحظة لافتات استغاثة الأهالي بالرئيس مبارك وحرمه، على عكس شعارات كانت تنتقدهم دأب الناشطون على رفعها في السنوات الأخيرة.
 
وفي سبتمبر 2007 أجبرت أجهزة الأمن ثمانية مواطنين على التوقيع على وثائق تنازل عن أراضيهم وبيوتهم بالجزيرة بعد أن هددوا المواطنين بتوجيه تهم مختلفة منها التآمر لقلب نظام الحكم.
 
وترتكز قوات الشرطة بكثافة في الجزيرة و مازالت الكراكات تردم مساحات منها في مجرى النيل بلغت حتى الآن حتى الآن 25 فدانا، وبحجة استخدامها في المنفعة العامة، وهو الأمر الذي لم يقتنع به الأهالي فتظاهروا مرارا وحفروا قبورا رقدوا فيها لمواجهة معدات الردم، وأرسلوا برقيات استغاثة إلى رئيس الجمهورية ونجله جمال مبارك أمين السياسات بالحزب الوطني، ولرئيس مجلس الوزراء. ولم تعرض الحكومة أي تعويض أو مساكن بديلة على الأهالي.
 
علم مصر فوق الجزيرة
 
وفي نوفمبر الماضي حاول الجيش التدخل بقواته في الجزيرة لكن الأهلي وقفوا بأجسادهم مجردين من أي سلاح أمامه، وفي ديسمبر الماضي تدخل الجيش ثانيةً وسيطر على نحو فدانين من الأرض الزراعية مدمرين محصول الأرز واستخدم الجيش هذه المنطقة لارتكاز قوات عسكرية في الجزيرة حتى الآن.
 
وامتنعت غالب الصحف عن الإشارة لهذا التدخل في بلد يحكمه عسكريون منذ انقلاب العام 1952 لكن الجيش لا يتدخل في حسم صراعات الساسة وأحيانا ما يشارك في مشاريع ذات طابع تنموي وعام، وأشارت جريدة البديل اليسارية أن تدخلا من جهة سيادية قد حدث، لكنها أيام وطير جوناثان رايت مراسل وكالة رويترز الأمريكية خبر تدخل الجيش وتناقلته بعض المواقع الإليكترونية، وتساءل أهالي الجزيرة بمرارة عن التعامل معهم كغرباء واستخدام العسكر ضدهم، وقال طفل لم يتجاوز السادسة يدعى "محمد..." أنه لايعرف لماذا تكرههم الحكومة.
 
ليس بالتظاهر وحده
 
ونهضت الحركة العمالية والنقابية العام الفائت بشكل ملحوظ، وتكللت اعتصامات لعمال بمصانعهم في الدلتا بداية العام وآخر لموظفي الضرائب العقارية لإحدى عشر يوماً في عرض الطريق بوسط العاصمة بمكاسب تقترب من مطالبهم، وهي المطالب المتصل غالبها بتحسين أجورهم وأرباحهم أو وضعهم الوظيفي. ورغم صدور بيانات التأييد من أحزاب وحركات المعارضة لهذه الفعاليات فإن شبه إجماع ضمني كان باديا لرفض تسييس هذه المطالب أو نسبها لغير المعنيين الأساسيين بها.
 
ووصفت صحيفة المصري اليوم وهي أكثر الصحف اليومية المستقلة انتشارا – عام 2007 المنصرم بأنه عام الغضب الاعتصامات وصحوة الشارع وتراجع النظام، وشهد أكتوبر وحده ١٩اعتصاما و10 إضرابات وتظاهرتين و5 وقفات احتجاجية. ويرى مراقبون أن تجديد الحركات المعارضة في مصر لوسائل التعبير عن رأيها وعدم الاقتصار على وسائل غدت تقليدية كفيل بإعطاء قوة أكبر لمطالبهم.
 
وتختلف الوسائل التي تتبناها التجمعات المهنية والسياسية في مصر، حيث يخوض أساتذة الجامعة الممثلين بنوادي أعضاء هيئة التدريس معركة لتحسين أوضاعهم الوظيفية ويخوض تجمع لبعضهم باسم جماعة 9 مارس معركة موازية لاستقلال العمل الأكاديمي عن تدخل السلطات التنفيذية والأمن. وتتدرج وسائل التعبير عن الرأي والمطالبة بحقوقهم بين الوقفات الاحتجاجية وإرسال البرقيات السريعة لرئاسة الجمهورية وحتى التلويح بالامتناع عن القيام بالتدريس أو الإشراف على الامتحانات الدورية أو تصحيحها أو حجب النتائج.
 
فيما فشلت نقابة الأطباء في الاتفاق على التلويح بالامتناع عن العمل لفرض مطالبهم المتعلقة فقد قام بعض الأطباء بمستشفيات عامة بتنفيذ هذا الأسلوب اعتراضا على مخالفات أو مشاكل تخص الوحدات الطبية التي يعملون بها. وحاولت نقابة المهندسين إكمال نصابها القانوني بدعوة كل منتسبيها في يوم الجمعة وهو العطلة الرسمية بالبلاد وحاولوا استئجار الإستاد الرياضي الكبير لهذا الغرض لكنهم فشلوا.
 
حراك في الشارع
 
وفي تصريح خاص يعقب وجدي عبدالعزيز مدير مركز الجنوب لحقوق الإنسان بأن التعويل على حركة الشارع خلق نوعاً من التفاؤل والتبسيط، وأن التظاهرات لا يجب أن تستهلك دون ترتيب ولا يجب استنزاف الجهود دون حشد كاف وإبلاغ الرسالة المطلوبة، وأن تسييس مطالب الحركات النقابية يبعدها عن تحقيق أهدافها المعلنة. وأنه من الوارد أن تشترك عدة حركات تختلف في انتماءاتها الأيدلوجية لهدف عام يمس البلد بأكمله.
 
أما أستاذ العلوم السياسية وأمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم بالبلاد د.علي الدين هلال، فقد أشاد بما كفله القانون من حق الإضراب للعمال وأثنى على عدم تدخل الشرطة لفض اعتصامات شهدتها البلاد مؤخرا، لكنه تجاهل في تصريحاته الصحافية هذا الأسبوع العنف الذي قابلت به قوى الأمن تظاهرات أخرى ذات شعارات سياسية، مضيفا أن "من يرددون أو يتوقعون أن هناك مقدمات لثورة شعبية هم أنبياء الفجر الكاذب يعني يأملون في ذلك".
 
وشهدت القاهرة جدلا عنيفا بعد تصريحات للمفكر الشيوعي المعروف محمود أمين العالم نسب فيها تحركات الشارع في الأعوام الماضية لتنظيم يساري سري "يمتد بطول البلاد وعرضها... من الإسكندرية لأسوان" لكنه أوضح لاحقا أن تصريحاتها أسيء تأويلها، واستبعد مراقبون أن يكون هناك مؤسسة أو رابط مركزي بين هذه الفعاليات المختلفة وإن حدث تنسيق أحيانا بينها مع تقارب الأهداف العامة.
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 02/01/2008
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com