التطبير أو شج الرؤوس طقس مثير
للجدل حتى داخل الأوساط الشيعية
موكب
الزنجيل (الضرب بالسلاسل) في العراق
تبلغ احتفالات
المسلمين الشيعة بأيام عاشوراء غداً ذروتها بإخراج مواكب
العزاء وإعادة تمثيل حادثة مقتل الحسين بن علي ثالث الأئمة
الإثني عشرية. وسوف تشهد مدينة كربلاء العراقية التي تضم
مرقد الحسين ومن قـُتل معه أكبر تجمع لإحياء المناسبة. محافظ
كربلاء، عقيل الخزعلي، أبلغ الصحافيين أمس أنه يتوقع وصول
مليوني زائر من مختلف أنحاء البلاد، وكذلك من دول أخرى. وفي
كل عام يعود الجدل في الأوساط الشيعية حول ضرورة تشذيب مراسم
ذكرى عاشوراء من بعض الطقوس المثيرة للجدل، مثل التطبير، وهو
شجّ الرؤوس وإدمائها بالسيوف والآلات الحادة، والزنجيل، وهو
الضرب بالسلاسل الحديدية المدببة على الظهور.
شاع مؤخراً أن
السلطات العراقية قررت حظر الجانب العنيف من الطقوس. إلا أن
رئيس مجلس محافظة كربلاء، عبد العال الياسري، سارع إلى نفي
هذه الأنباء. ونقلت عنه الوكالة الشيعية للأنباء قوله "لا
صحة للشائعات التي ترددت في مدينة كربلاء عن حظر ممارسة
الشعائر الحسينية بما فيها (التطبير) ولا أحد يستطيع منعها."
وأضاف الياسري "إن جميع الشعائر الحسينية مسموح بها ومكفولة
في الدستور العراقي، وان بإمكان أي مواطن ممارسة جميع هذه
الشعائر بما فيها التطبير دون أي قيد".
البدايات
يختلف الباحثون
كثيراً في تحديد بداية ظهور الطقوس الشيعية لإحياء ذكرى
عاشوراء، وكيف تطورت لتأخذ شكلها الحالي. ولا تنقل كتب
التاريخ شيئاً عن طقوس مشابهة في الزمن الذي عاش فيه أئمة
الشيعة الذين غاب آخرهم عن الأنظار- وفقاً للمعتقدات
الشيعية- في عام 878 ميلادي، أي بعد مرور قرنين على حادثة
كربلاء. وتعود أقدم القصص التي تصف مراسم جماعية لإحياء مقتل
الحسين وعدد من أهل بيته وأصحابه، إلى فترة الحكم البويهي في
العراق. ويؤكد معظم المؤرخين أن البويهيين هم أول من أقام
مناسبة رسمية لإحياء حادثة كربلاء، وذلك عام 964 م. والأسرة
البويهية هي سلاسة تركمانية شيعية المذهب أقامت دولة في
شمالي إيران ثم امتدت غرباً وسيطرت على عاصمة الخلافة
العباسية، بغداد، وأصبح قادتها الحكام الفعليين لما يقارب
قرنين من الزمان. لكن بعض الشيعة يقولون أن الطقوس كانت تقام
حتى قبل ذلك التاريخ، ولكن بشكل سري بسبب اضطهاد الحكام
السنيين لهم، وأن ما حدث في زمن البويهيين هو إظهارها إلى
العلن فقط. مع ذلك فإن الروايات التي وردت حول تلك الطقوس في
العهد البويهي لم تتضمن وصفاً لطقوس الإدماء بالسيوف والضرب
بالسلاسل.
يرجح باحثون آخرون
أن الطقوس الشيعية في إحياء ذكرى عاشوراء قد أخذت شكلها
الحالي بعد ظهور الأسرة الصفوية التي حكمت بلاد فارس في
أواخر القرن الخامس عشر الميلادي واستطاعت أن تحول معظم
الإيرانيين إلى المذهب الشيعي.
مواقف فقهية متضاربة
لم يعرف عن
الفقهاء الشيعة أنهم يمارسون بأنفسهم طقوساً عنيفة كالتطبير
والزنجيل، ويكتفي معظمهم بلطم الصدور لطماً خفيفاً، أو بمجرد
الحضور في مجلس العزاء. لكن موقفهم الفقهي من هذه الطقوس
يشوبه غموض وتضارب في الآراء. ويعتقد البعض أن هذه الطقوس قد
تجذرت في الوجدان الشعبي إلى حد يتحرج حتى الفقهاء من
تحريمها، حتى وإن كانوا يرون ذلك. لكن في المقابل هناك فقهاء
لهم رأي واضح في جوازها، وبعضهم يراها "مستحبة" إلى درجة
تقترب من الوجوب. ويكتفي قسم كبير من الفقهاء الشيعة بإجابات
غامضة تترك الباب مفتوحاً لأكثر من تأويل. لكن فقهاء آخرين
كانوا واضحين في تحريم كل الطقوس العنيفة. وكان آخرهم
وأكثرهم حزماً الفقيه اللبناني آية الله محمد حسين فضل الله
الذي لديه أتباع في مختلف البلدان خاصة في أوساط المتعلمين
والمثقفين الشيعة.
تحت الاضواء
لم تكن الطقوس
الشيعية معروفة في معظم أجزاء العالم الإسلامي التي لا وجود
واضحا للشيعة فيها. ولكن منذ وصول الإسلاميين الشيعة إلى
السلطة في إيران قبل تسعة وعشرين عاماً، وما أحدثه هذا
التحول من اهتمام إعلامي بإيران، وبالمذهب الشيعي عموماً،
أصبحت طقوس عاشوراء الشيعية معروفة على نطاق واسع لدى
المسلمين وغير المسلمين. وساعد هذا في إثارة الجدال حول هذه
الطقوس ومدى تلاؤمها مع الشريعة الإسلامية. دفع الاهتمام
الإعلامي بمراسم عاشوراء قادة الشيعة باتجاهين، اتجاه يريد
تشذيب الطقوس لجعلها مقبولة أكثر في الأوساط غير الشيعية،
واتجاه آخر يحاول الدفاع عنها بشدة، لحماية خصوصية المذهب
الشيعي وتكريس اختلافه، عن الأكثرية المسلمة السنية.
يدافع الشيعة
المتمسكون بجميع طقوس عاشوراء بما فيها التطبير والزنجيل
بأنّ القصد منها هو إظهار الاستعداد للتضحية من خلال تعريض
الذات لألم لا يشكل سوى جزء يسير من الآلام التي تعرض لها
الحسين في موقعة الطفّ. لكن المراقبين من غير الشيعة يرصدون
تشابهاً بين ما يمارسه الشيعة من إيلام للذات في عاشوراء،
وبين ممارسات "التسوّط" والصلب التي كانت تمارسها طوائف
مسيحية، ولا تزال تـُمارس من قبل بعض الكاثوليك في أمريكا
اللاتينية وفي جزر الفلبين. ويعتبر المسيحيون "المتسوّطون"
–الذين يجلدون أنفسهم بالأسواط- هذا الفعل نوعاً من التطهير
والتكفير عن الخطيئة. وفي حين يرفض الشيعة هذا التفسير لطقوس
إيذاء الذات، ولا يربطون بينه وبين الإحساس بالذنب بسبب
تقاعس أسلافهم عن نصرة الحسين، إلا أنه من الصعب تجاهل هذه
العلاقة.
اليونسكو
في إيران التي هي
البلد المسلم الوحيد الذي يشكل الشيعة الغالبية الساحقة فيه،
والذي يحكمه نظام ذو أيديولوجية دينية شيعية، منعت الدولة
رسمياً طقوس التطبير لأنها تسيء إلى صورة المذهب الشيعي، كما
إنها تتعارض مع المبدأ الإسلامي القاضي باحترام الجسد
البشري. وبالرغم من هذا المنع الرسمي إلا أن طقوس التطبير لا
تزال تـُمارس في إيران، وتتغاضى أجهزة الدولة عن ذلك. وحاولت
الدولة الإيرانية إظهار الجوانب المتميزة والمقبولة في الوقت
نفسه من طقوس عاشوراء، مثل إعادة تمثيل واقعة الطف من قبل
ممثلين شعبيين متطوعين. ويـُعرف هذا الطقس في العراق باسم
"التشابيه". وطالبت إيران هذا العام بإدراج هذا النوع من
الاحتفالات لدى المنظمة الدولية للثقافة والتربية والعلوم
(اليونسكو) بوصفه تراثاً ثقافياً إيرانياً.
يرى مراقبون أن
مثل هذه الخطوة ستساعد في تطوير شكل عصري للطقوس الشيعية
يقلل من درجة الرفض التي تواجه بها من قبل المحيط السني
الواسع. وتمكن ملاحظة تطورات محدودة في العراق بخصوص أشكال
مراسم العزاء، حيث صار هناك استخدام أوسع للآلات الموسيقية
وتنظيم أكثر عصرية للمواكب.
لكن الشيعة
العراقيين الذين عانوا لعقود من حظر الدولة لطقوسهم في عهد
حكم حزب البعث، أو التضييق عليها وتعريضها للرقابة المشددة،
مهتمون أكثر بترسيخ مظاهر الطقوس لتي اختفت لعقود من الشارع،
أكثر من اهتمامهم بتطويرها وعصرنتها. كما إن التوترات
العنيفة بين الشيعو والسنة بعد الإطاحة بنظام صدام حسين،
وتكرر استهداف الاحتفالات الشيعية بأعمال إرهابية، بعضها أدى
إلى نتائج دامية، يدفع الشيعة أكثر باتجاه تكريس وترسيخ
الطقوس القديمة، وليس تحديثها.