نبـّه البنك
الدولي في آخر تقاريره، دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى
ضرورة إصلاح الأنظمة التعليمية، بما يكفل لها مستوى قادراً
على المنافسة، في عالم تشتد فيه هذه المنافسة. كما أكد على
أنه قد آن الأوان للاستفادة من شريحة الشباب المتعاظمة، بما
يكفل نمو واستقرار هذه البلدان.
خريجون بدون عمل
جاء في التقرير
الذي صدر في عمان يوم أمس الاثنين، أن إصلاح التعليم وحده لا
يكفي لدفع عجلة النمو الاقتصادي إلى الأمام، وأكد التقرير
الذي حمل عنوان "الطريق غير المسلوك: إصلاح التعليم في منطقة
الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، على ضرورة تغيير النظام
التعليمي بما يكفل تمتع الطلاب بمهارات حل المشاكل، والاتصال
والتواصل، والإلمام باللغات الأجنبية المهمة في عالم اليوم،
الذي يتسم بالتنافس الشديد، والتغييرات التكنولوجية السريعة.
ويرى مايكل
روتكوسكي، مدير قطاع إدارة التنمية البشرية بمكتب منطقة
الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن العائد من الاستثمار في
التعليم هو الأقل في هذه المنطقة على مستوى العالم "ما نشهده
في المنطقة هو أن خريجي الجامعات لا يجدون فرص عمل، ومعدلات
البطالة بينهم مرتفعة للغاية. لذلك، فإن متوسط العائد الذي
نشهده حالياً متدنٍ، ويشكل ذلك مشكلة خطيرة".
من بين الأسباب
لهذه المشكلة وفقا لوجهة نظر روتكوسكي أن الخريجين يفضلون
العمل في القطاع العام على القطاع الخاص، حيث يتميز القطاع
العام بأنه أقل تنافسية، وهو يضمن التوظيف مدى الحياة،
ومنافع تزيد عن تلك التي يمكن الحصول عليها من القطاع الخاص،
حتى ولو انتظر الخريجون ثلاث سنوات أو أكثر ليتم تعيينهم قي
القطاع العام "إن ذلك الأمر لا يشكل تشوهاً كبيراً في أسواق
العمل فحسب، ولكنه يخلق أيضاً وضعاً لا يرسل إشارات صحيحة
إلى مؤسسات التعليم العالي من حيث احتياجات السوق من
المهارات المطلوبة".
وفقا للتقرير فإن
دول المنطقة اهتمت في السنوات الأربعين السابقة ببناء
المدارس، وزيادة أعداد التلاميذ في المدارس الابتدائية،
وتحقيق إلزامية التعليم، وتدريب المعلمين، وسد الفجوة بين
الجنسين على مستوى التعليم الابتدائي، ولكن المنطقة لا تزال
متخلفة مقارنة بآسيا وأمريكا اللاتينية في ما يخص معدل
الإلمام بالقراءة والكتابة، ومتوسط سنوات الدراسة بين
الأشخاص البالغين 15 عاما فما فوق، حيث تتسرب أعداد كبيرة من
التلاميذ وخاصة من البنات، في صفوف الخامس والسادس والسابع،
إما بسبب الحاجة إلى العمل، أو بسبب ضغوط اجتماعية أخرى.
وينصح روتكوسكي
بضرورة تدريب المعلمين على أساليب تعليمية جديدة، لا تعتمد
الأسلوب القديم الذي يركز على الحفظ عن ظهر قلب، وإنما على
الأسلوب الذي يعتمد طرح الأسئلة، ومحاولة إيجاد الحلول لها
"حتى تصبح هذه المنطقة قادرة على المنافسة، ينبغي أن يحدث
تحول من القدرة على أداء الوظائف الروتينية إلى التمتع بتلك
المهارات المرنة التي تلعب دوراً أساسياً بصورة مطلقة في
زيادة معدلات الإنتاجية. وهذا التحول هو جارٍ في الوقت
الحالي، لكن ينبغي على بلدان المنطقة حقاً أن تسرع عجلته حتى
تظل قادرة على المنافسة".
الحوافز والمكافآت
ويرى التقرير أن
الحوافز والمكافآت على الأداء المتميز للطلاب والمعلمين،
وأيضا المساءلة العامة، التي تسمح باشتراك المنظمات غير
الحكومية في الرقابة على التعليم، وأيضا النقابات وأولياء
أمور الطلبة، هي أفضل طريقة لتحقيق الأهداف التعليمية، كما
أنه لابد من ربط التمويل بالابتكار والاختراع في كل مراحل
التعليم، وخاصة في التعليم العالي. يقول روتكوسكي في هذا
الصدد:
"من المُهم للغاية
أن يصبح قطاع التعليم خاضعاً للمساءلة العامة. ويعني ذلك على
الصعيدين الوطني والمحلي أن يكون أداء نظام التعليم بالفعل
في بؤرة الاهتمام، وأن يكون المواطنون على دراية بمستوى ذلك
الأداء، وأن يطالبوا بتحسينه، وأن يكون لأولياء الأمور تأثير
على ما يحدث في المدارس، وأن يكون لأجهزة الإدارة الحكومية
المحلية نفوذ على المناهج الدراسية، وأن تكتب الصحف عن
الاختبارات الدولية في حينها حتى يكون الرأي العام على دراية
بمستوى أداء الطلاب".
يثير حال التعليم
في هذه المنطقة من العالم الاستغراب من هذا المستوى المنخفض،
في الوقت الذي يؤكد فيه التقرير، أن المنطقة خصصت 5% من
إجمالي ناتجها القومي، و 20 % من الإنفاق الحكومي على
التعليم، وهو أكبر مما خصصته بلدان نامية أخرى، التي تتمتع
بنفس متوسط دخل الفرد.
لعنة الإيديولوجيا
ما لم يتطرق إليه
التقرير هو الظروف التاريخية التي نشأ فيها نظام التعليم في
المنطقة، فالتعليم القديم في الكتاتيب والجوامع كان يعتمد
على أسلوب التلقين اعتمادا كاملا، بالإضافة إلى العقاب وليس
الثواب، وعندما جاء الاستعمار للمنطقة اعتمد نظاما يكفل من
خلاله تكوين موظفين محليين يديرون البلد لصالحه، ويضمنون
ارتباط الشريحة الكمبرادورية به، لذلك اعتمد أيضا نظاما أقرب
إلى التلقين، وليس إلى الإبداع. وعندما وصلت الأنظمة الوطنية
والثورية إلى السلطة بعد الاستقلال، اعتمدت نفس النظام، ثم
أخذت وهي تدافع عن رأس النظام ضخ مواد أيديولوجية في النظام
التعليمي، بما يكفل تحويل التلاميذ والطلبة إلى مجرد
ببغاوات، تردد ما يقوله الزعيم، بغض النظر عن جدوى هذه
السياسة التعليمية لمستقبل البلد، وهكذا تحول ما تفوه به
الزعماء إلى مواد تعليمية يرسب فيها الطالب إذا لم يثبت أنه
يحفظ ما قالوه.
أما على مستوى
التعليم العالي فقد فضلت الأنظمة الحاكمة الولاء على الكفأة،
وهكذا حظي بفرصة التعليم العالي أعضاء حزب البعث في العراق
وسورية، واللجان الثورية في ليبيا، وأعضاء حزب جبهة التحرير
في الجزائر، والاتحاد الاشتراكي في مصر زمن عبد الناصر، بدلا
من الطلبة الذين حازوا أعلى التقديرات، ولكنهم لم يثبتوا
ولاءهم للأنظمة الحاكمة، وهو ما تكرر في السودان بعد مجيء
نظام الإنقاذ، وقد تولت الإيديولوجيا إلغاء تدريس اللغة
الإنجليزية والفرنسية في المدارس الإعدادية والثانوية في
ليبيا، خلال عقد الثمانينات، عندما كانت اللجان الثورية
تسيطر على وزارة التعليم، بحجة أن اليابان تدرس فقط باللغة
اليابانية، ونتج عن ذلك جيل كامل لا يجيد التحدث بلغة
أجنبية، يؤكد تقرير البنك الدولي على أهميتها القصوى في عالم
شديد التنافس.
فرانكفونيون وعروبيون
لم تحاول مستعمرات
فرنسا السابقة في شمال إفريقيا، استبدال اللغة الفرنسية
باللغة الإنجليزية، حيث تمر اللغة الفرنسية بصعوبات كبيرة،
مما يجعلها غير ملائمة لشروط السوق التنافسية، والسبب في ذلك
هو الصراع الدائر بين النخب المتمسكة بالتعريب، والأخرى
المتمسكة باللغة الفرنسية، على أسس سياسية وإيديولوجية،
وأحيانا عرقية، كما أن النخب الحاكمة التي تعلمت في فرنسا
تخشى أن ينحسر ظلها بمجرد تحول النظام التعليمي للاعتماد
أكثر على اللغة الإنجليزية.
كل هذا يؤكد أن
إصلاح النظام التعليمي ليس من صلاحيات السلطات التعليمية،
لأنه لا يزال حكرا على السلطة العليا في البلد التي تخشى على
احتكارها لهذه السلطة، إذا أدى إصلاح النظام التعليمي إلى
تخريج أفراد قادرين على التفكير الإيجابي، وحل المعضلات
القائمة، لذلك تفضل هذه الأنظمة العقول القادرة على الحفظ،
وتنفيذ الأوامر بحذافيرها دون التفكير في جدواها، لذلك تشهد
الأكاديميات العسكرية رواجا ملفتا للنظر، ليس فقط بسبب
المكانة التي يتبوأها العسكريون في سلم السلطة والثروة،
وإنما أيضا لأن العسكرية تضمن تخريج أفراد لا يفكرون، وإنما
ينفذون الأوامر وفقا لقواعد الضبط والربط.
عن موقع (إذاعة
هولندا العالمية) - 05/02/2008
|