28/12/2007

هل يفتح العفو العام طريق المصالحة في العراق؟
تقرير: شعلان شريف (إذاعة هولندا العالمية)

سجين عراقي في زنزانته

أقرت الحكومة العراقية الأربعاء مشروع قانون للعفو العام قدمه لها مجلس القضاء الأعلى. ولن يعتبر القانون ساري المفعول إلا بعد التصويت لصالحه في مجلس النواب، ثم المصادقة عليه من قبل مجلس الرئاسة. وتطالب أطراف سياسية عراقية منذ فترة طويلة بالإفراج عن المعتقلين الذين تقدر أعدادهم بعشرات الآلاف يقبعون في سجون عراقية وأخرى تشرف عليها القوات الأمريكية. وقالت مصادر في مجلس الوزراء العراقي إن العفو لن يشمل المدانين بجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
 
بدأ الحديث حول إطلاق سراح المعتقلين منذ أشهر، حيث جعلته "جبهة التوافق" المنسحبة من الحكومة أحد شروطها للعودة، بينما اعتبره رئيس الوزراء نوري المالكي جزءاً من مشروع حكومته للمصالحة الوطنية. اصطدم هذا المطلب بعقبات كثيرة، بعضها سياسي، وبعضها قانوني، وبعضها مرتبط بعدم وضوح حدود الصلاحيات الممنوحة للقوات الأمريكية، وتلك التي للحكومة العراقية، بشأن المعتقلين في سجون يشرف عليها الأمريكيون، والذين يشكلون القسم الأكبر من المعتقلين المعنيين بمشروع العفو العام.
 
المشمولون بالعفو
 
حتى الآن لم تتضح بعد تفاصيل مشروع القانون، واعتمدت وسائل الإعلام التي نقلت الخبر على تصريحات اثنين من الناطقين الحكوميين، وهما صادق الركابي المستشار السياسي لرئيس الوزراء، وعلي الدباغ الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية. وأكدت تصريحات الناطقين على أن الأمر يتعلق بمشروع قانون، قابل للتعديل والإضافة من قبل النواب، كما إنه بحاجة إلى التصويت عليه في مجلس النواب، ثم إقراره من قبل مجلس الرئاسة قبل أن يكون قابلاً للتطبيق.
 
وحاول الناطق الرسمي باسم الحكومة علي الدباغ إعطاء توضيحات حول المشمولين بالعفو حيث قال "إن الفئات المشمولة بالعفو قسمت إلى ثلاث فئات الأولى هم الذين اعتقلوا ولم يتم التحقيق معهم والثانية الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائيا والثالثة المحكومون بأحكام قطعية." إلا أنه لم يوضح الأسس التي سوف تـعتمد لتحديد المشمولين بالعفو ضمن هذه الفئات الثلاث. ومن المستبعد جداً أن يشمل العفو جميع أفراد الفئات الثلاثة المذكورة، إذ أنّ إجراءً واسعاً كهذا سيصطدم برفض قاطع من قبل أطراف سياسية مهمة، لاسيما في الأوساط الشيعية، التي ستعتبره ضربة لجهود مكافحة الإرهاب. وتشير الأحزاب الرافضة لفكرة العفو العام، إلى حوادث كثيرة أطلقت فيها القوات الأمريكية سراح موقوفين متهمين بالإرهاب، وأدت إلى عودة المطلق سراحهم إلى ممارسة أنشطتهم المسلحة.
 
السجون الأمريكية خارج القانون
 
من جهة أخرى اتسمت تصريحات الناطق الحكومي علي الدباغ بالتناقض في ما يتعلق بشمول المعتقلين في السجون الأمريكية. ففي تصريحات أدلى بها الأربعاء قال الدباغ إن مجلس الوزراء قد "أقر، في جلسته التي عقدها ظهر اليوم قانون (العفو العام) الذي يحدد من الذين يمكن الإفراج عنهم من كل السجون، سواء العراقية أو الأمريكية." لكنه أعلن بوضوح في تصريحات لاحقة أن الموقوفين في السجون الأمريكية لا يخضعون للسلطة العراقية، ولا يمكن بالتالي أن يشملهم قانون العفو العام. ونقلت قناة السومرية اليوم الخميس عن الدباغ قوله "إن إجراءً جديدا قد يشمل المعتقلين لدى القوات الأمريكية في المرحلة المقبلة خاصة أن عهدتهم ستنقل إلى السلطات العراقية في العام 2008 في ظل انتهاء ولاية القوات متعددة الجنسيات."
 
ويقدّر عدد المعتقلين العراقيين بأكثر من خمسين ألفاً، يقبع أكثر من نصفهم في سجنين تابعين للقوات الأمريكية، هما سجن بوكا في بلدة أم قصر بمحافظة البصرة الجنوبية، وسجن كروبر قرب مطار بغداد الدولي، بينما يوجد المتبقون في معتقلات تابعة للحكومة العراقية. ووفقاً لتصريحات الدباغ فإن القانون سيسري على الموقوفين في السجون العراقية فقط،الذين يشكلون أقل من نصف العدد الكلي، ونظراً للمحددات الأخرى التي يتضمنها القانون، فمن المتوقع ألا يزيد عدد المستفيدين منه على بضعة آلاف. يتوقع أيضاً أن تكون هناك دراسة فردية لملفات المعتقلين قبل إطلاق سراحهم، وهو ما سيأخذ وقتاً طويلاً، مما يزيد من احتمال بقاء القسم الأكبر من المعتقلين في السجون في الفترة القادمة.
 
خطوة سياسية
 
تأمل الحكومة العراقية أن تكون النتائج السياسية لمبادرتها هذه أسرع وأوضح من الآثار الفعلية بالنسبة للمعتقلين أنفسهم. تتعرض الحكومة لضغوط أمريكية متواصلة من أجل إبداء استعداد أكبر للتعاون مع الأطراف السنية المشتركة في العملية السياسية، أو ممن تنشط خارجها، حيث يعتبر الأمريكيون هذه النقطة حاسمة في نجاح جهود فرض الاستقرار في البلاد. كما إن الحكومة مضطرة لأخذ مطالب الأحزاب السنية على محمل الجد، إدراكاً منها لاستحالة حكم البلاد، وتحقيق الأمن، دون توافقات واسعة بين ما بات يـُعرف بـ "المكونات الأساسية للشعب العراقي"، في إشارة إلى الشيعة والسنة والأكراد. لكن الحكومة التي تهيمن عليها الأحزاب الشيعية مضطرة أيضاً إلى عدم إغضاب قواعدها الشعبية الشيعية التي ترى في العفو عن المتهمين بالإرهاب رضوخاً غير مقبول لمطالب الأحزاب السنية. وللخروج من هذه الدوامة ارتأت الحكومة، على ما يبدو، أن ترمي الكرة في ملعب البرلمان الذي يضم خليطاً من الشيعة والسنة والأكراد والأقليات القومية والدينية. ولا يتوقع أن يلاقي إقرار مشروع القانون مصاعب جدية في مجلس النواب، حيث لا يعارضه سوى بعض الأعضاء الراديكاليين في الكتلة الشيعية الذين لا يتوفرون على ما يكفي من الأصوات لإفشال المشروع.
 
بالرغم من التصريحات المعلنة لبعض السياسيين الشيعة برفض الإفراج عن المعتقلين المرتبطين بحزب البعث المنحل وبالتنظيمات الأصولية المسلحة، ممن شارك في أعمال عسكرية ضد الحكومة، أو ضد المدنيين، فإن هناك إدراكاً متنامياً في الأوساط الشيعية لضرورة القبول بتنازلات قد تكون مؤلمة. خاصة وأن التحسن الملحوظ في الأوضاع الأمنية خلال الأشهر الأخيرة قد تحقق بفعل "صحوة" الفصائل السنية المسلحة، وانقلابها ضدّ تنظيم القاعدة، مما سيجبر الحكومة العراقية وقواعدها الشيعية بالقبول على ما يترتب على ذلك من مكافأة لهذه الجهود، والتغاضي عن الماضي القريب لبعض عناصر "الصحوة"، الذين كانوا يقاتلون ضدّ الأجهزة الأمنية الحكومية. ولن يكون من المنطقي أن تستمر الحكومة بإبقاء المعتقلين رهن الاعتقال في الوقت الذي تكافئ فيه الميليشيات التي اعتقل معظمهم بتهمة الارتباط بها، قبل أن تتحول إلى "مجالس صحوة".
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 27/12/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com