انتهت اليوم زيارة
الرئيس نيكولا ساركوزي للجزائر، بالاتفاق على عقود اقتصادية
مهمة بلغت أكثر من 5 مليارات يورو، أهمها بناء مفاعل نووي
لأغراض سلمية، وعرض فرنسا على الجزائر تأسيس الاتحاد
المتوسطي على أساس الصداقة الفرنسية الجزائرية. لكن زيارة
ساركوزي لهذا البلد الشمال إفريقي لم تمر دون جدل حاد أثارته
تصريحات وزير المجاهدين الجزائري محمد شريف عباس الذي لمح
للأصول الأجنبية للرئيس الفرنسي.
الطاقة النووية
أهم ما أسفرت
عليها هذه الزيارة التي دامت ثلاثة أيام هي توصل الطرفين في
قصر الثقافة بالجزائر العاصمة، إلى التوقيع على اتفاق لبناء
فرنسا لمفاعل نووي لأغراض سلمية، سيفتح الباب أمام الجزائر
للقيام بالبحوث في المجال النووي وتكوين الباحثين في هذا
الميدان، وإنتاج الطاقة الكهربائية، واستغلال اليورانيوم
الجزائري. وتبلغ القيمة الإجمالية لهذه الاتفاقات الاقتصادية
أزيد من 5 مليارات يورو. وفازت بحصة الأسد حوالي 3,5 مليار
يورو، الشركة البترولية توتال، وغاز فرنسا وشركة ألستوم
العاملة في مجال الطاقة، والتي فازت بعقد لتوفير شبكة
الترامواي لمدينتي وهران بالغرب الجزائري وقسنطينة بالشرق
حيث صرح الرئيس الفرنسي اليوم أمام طلاب الجامعة بالمدينة أن
الاتفاق حول المشروع النووي "دليل عن الثقة" التي تربط بين
فرنسا والجزائر.
هذا الاتفاق الأول
من نوعه يذهب بعيدا في مضمونه بالمقارنة مع مشروع الاتفاق
بين فرنسا وليبيا في يوليو الماضي، وبرتوكول الاتفاق للتعاون
في المجال النووي لأغراض سلمية الذي وقع عليه الرئيس الفرنسي
نيكولا ساركوزي بالمغرب مع المكتب الشريف للفوسفاط خلال
زيارته للمغرب في شهر أكتوبر. وقد نددت منظمة السلام الأخضر
بهذه الاتفاقيات بين فرنسا والبلدان المغاربية في مجال
التعاون النووي لأغراض سلمية على لسان يانيك روسلي المكلف
بقضايا الطاقة داخل منظمة غرين بيس، الذي تساءل عن جدوى هذه
الاتفاقيات ومدى النفع الذي ستديره على السكان. وصرح بأن مثل
هذه المشاريع باهضة التكاليف ستزيد من التبعية التكنولوجية
والطاقوية لهذه البلدان لفرنسا.
ندم دون اعتذار
وندد الرئيس
الفرنسي في كلمته أمام رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين
الجزائريين والفرنسيين، بما قامت به فرنسا في الجزائر خلال
الفترة الاستعمارية من فظائع، ولكنه اكتفى بالندم دون الذهاب
إلى تقديم الاعتذار لـ "بلد المليون شهيد". يقول الرئيس
الفرنسي: "لم يكن النظام الاستعماري في العمق عادلا، كان
نظاما يتناقض مع مبادئ جمهوريتنا الفرنسية: الحرية،
المساواة، الأخوة." وأشار الرئيس الفرنسي إلى أنه "يريد
إعادة الاعتبار للضحايا من الجانبين." مضيفاً أن الأهم هو
"التوجه نحو بناء المستقبل".
يبدو أن الإرث
الاستعماري يطارد العلاقات الثنائية الجزائرية التي تتسم
بالمد والجزر، والحب والكراهية، فالجرح الاستعماري لم يضمد
بعد. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا استعمرت الجزائر لمدة أطول
من البلدان المغاربية الأخرى كالمغرب وتونس، اللذين شهدا
حماية فرنسية، بدل الاستعمار الفرنسي الذي شهدته الجزائر من
1830 إلى حدود 1962. وخلفت حرب التحرير التي بدأت عام 1954
بقيادة جبهة التحرير الوطني أزيد من مليون قتيل حسب
الإحصائيات الجزائرية. لكن عهد الاستقلال شهد هو الآخر أزمات
كثيرة أسوأها الحرب الأهلية في التسعينات التي خلفت هي
الأخرى آلاف الضحايا.
لم يقتنع
الجزائريون، وخصوصا "الأسرة الثورية"، بالتنديد والندم فقط،
فهم يطالبون فرنسا بالاعتذار عن ما يعتبرونه جرائم
الاستعمار. وهذا ما صرح به الأمين العام لجبهة التحرير
الوطني في ندوة صحافية عقدها أمس بالجزائر العاصمة والذي يرى
أن الاعتراف بفظاعة جرائم الاستعمار وحده لا يكفي: "نحن
مصرون على أن الاعتراف لا يكفي، وبأننا بحاجة لأن تكون
علاقاتنا مع فرنسا في غاية الليونة." وصرح وزير الداخلية
الجزائري نور الدين يزيد زرهوني أمام الصحافة أن مبادرة
الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للاعتراف بفظاعة الجرائم
الاستعمارية "خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها غير كافية."
وتجدر الإشارة إلى أن عدم تقديم الاعتذار هو الذي حال دون
توقيع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك على اتفاقية الصداقة
بين البلدين عام 2005.
الاتحاد المتوسطي
نبه الرئيس
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وزير المجاهدين محمد شريف
عباس، حول تصريحاته ذات النكهة المعادية للسامية حين تحدث عن
أصول الرئيس الفرنسي الأجنبية ومساندته من طرف "اللوبي
اليهودي"، والتي عكرت جو الزيارة لتضاف إلى سجل التوترات
الفرنسية الجزائرية. ووجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي
نداء لمحاربة العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الإسلام.
وناقش الرئيسين
الفرنسي والجزائري إلى جانب قضايا التعاون الاقتصادي بين
البلدين، فكرة الاتحاد المتوسطي التي يريد الرئيس الفرنسي
الترويج لها في بلدان البحر الأبيض المتوسط لتعميق التفاهم
بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية. وصرح نيكولا ساركوزي
اليوم بمدينة قسنطينة شرق الجزائر أنه يريد بناء الاتحاد
المتوسطي على أساس "الصداقة الفرنسية الجزائرية... كما فعلت
فرنسا مع ألمانيا في السابق حين اقترحت بناء الاتحاد الأوربي
على أساس الصداقة الفرنسية الألمانية." ووجه ساركوزي من
قسنطينة نداء إلى "الإسلام المتنور للاعتراف بالشعب
الإسرائيلي الذي عانى كثيرا من أجل العيش في حرية."
وقد انتقدت الصحف
الجزائرية عدم تقديم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للاعتذار
على الإرث الاستعماري وعنونت صحيفة الخبر الواسعة الانتشار
في صفحتها الأولى الصادرة اليوم في عنوان عريض، تصريح وزير
الخارجية الفرنسي بيرنارد كوشنير: "لساني يرفض نطق اسم وزير
المجاهدين الجزائري." تقول الصحيفة "كوشنير يسخر من مطلب
الاعتذار ويهين الجزائريين فوق أرضهم."
يبدو أن العلاقات
الفرنسية الجزائرية قد دخلت منعطفا جديدا، فقد عوض هذا
النجاح الاقتصادي لزيارة ساركوزي، فشل اتفاقية الصداقة
الفرنسية الجزائرية في عهد جاك شيراك.
عن موقع (إذاعة
هولندا العالمية) - 05/12/2007
|