05/12/2007

الخرطوم تعاني شبح البريطانية التي عادت لبلادها
تقرير: محمد عبد الحميد عبد الرحمن (إذاعة هولندا العالمية)

المعلمة البريطانية جيليان جيبونز

بعودة المعلمة البريطاني جيليان جيبونز -52 سنة - إلى لندن بعد صدور عفو رئاسي سوداني لصالحها يسدل الستار على أزمة سياسية بدأت وأديرت وانتهت بطريقة مسرحية حقا، وأضافت بعدا أخرا لصورة السودان التي نادرا ما تغيب طويلا عن شاشات التلفزة وصفحات الصحف منذ بضع سنين.
 
في مطار لندن قالت جيليان جيبونز إنها "لا تزال تحت اثر الصدمة ولكن الطريقة التي عوملت بها كانت جيدة وان الجميع أحسن التصرف معها " وكانت جيبونز قد اتهمت في بادئ الأمر بالإساءة للإسلام والتحريض على الكراهية بسبب سماحها لطفل في السابعة من العمر بتسمية دمية دب باسم النبي محمد، لكن المحكمة أسقطت التهمتين وأدانتها بازدراء الإسلام وحكمت عليها بالسجن لخمسة عشر يوما.
 
سيوف أمام الكاميرات
 
معظم ما جرى في الخرطوم بعد اعتقال المدرسة البريطانية يشي بالارتباك الواضح الذي ساد تعامل مختلف مؤسسات الدولة السودانية مع شأن حساس يتعلق باحترام العدالة وقواعدها ومؤسساتها محليا، وصورة السودان خارجيا في وقت لا تشكو فيه الخرطوم إلا من الضغوط الدولية عليها.
 
العفو الرئاسي الذي أعاد المعلمة البريطانية إلى بلادها، اقل بكثير مما يكفي لمحو الصور التي تناقلتها أجهزة الأعلام العالمية عن مظاهرات الخرطوم المطالبة بتشديد العقوبة على المعلمة بل والمطالبة بإعدامها.
 
الدلالة الرمزية لتلويح بعض المتظاهرين بالسيوف أمام كاميرات المراسلين في الخرطوم تركت انطباعا قويا على ملايين المشاهدين لن ينمحي بسهولة وستعزز بلا شك صورة القسوة السودانية البالغة التي نشرتها مأساة دارفور والدماء التي تسيل فيه منذ سنين.
 
تلحق تلك الصورة أضراراً بالغة بجهود حكومة الخرطوم لسنوات للنأي بنفسها عن التطرف والأصولية المرتبطة بالإرهاب، وتربط حملة السيوف والسواطير في شوارع الخرطوم بالبشاعات التي شاهدها العالم على شاشات التلفزيون ومواقع الانترنت من حز للرقاب وغيرها وتلك خسارة جد فادحة.
 
تشويه سمعة الإسلام
 
المتحدث باسم السفارة السودانية في لندن د. خالد المبارك أعرب عن أمله اليوم في "ألا تتضرر العلاقات البريطانية السودانية من جراء هذه الحادثة"، مضيفا أن "قرار المسامحة وإطلاق السراح المبكر الذي اتخذ هو قرار صائب".
 
بالرغم من أن وزارة الخارجية البريطانية قد تعاملت مع القضية بحرص شديد، وتفادت التهديد بقطع المعونات وأكدت احترام المجتمع البريطاني العميق للإسلام، إلا ان الضرر ربما يكون قد وقع فعلا. فقد حملت الصحف البريطانية بقسوة على الخرطوم واعتبرت أن هذه الحادثة افتعلت "بسبب إصرار حكومة براون على جعل حل مسألة مأساة دارفور حجر أساس في سياستها الخارجية" حسب الديلي تليغراف. وقالت إن أفعال الحكومة السودانية والتي حكمت على المدرسة الممتازة بازدراء الإسلام هي التي لطخت اسم الإسلام
 
تناقضات سودانية
 
تباين لغة المسئولين الحكوميين في السودان عبر بجلاء تام عن تضارب وتناقض في رؤيتهم للقضية ومآلاتها، أكثر من تعبيرها عن تقاسم الأدوار المعتاد في السياسة السودانية، فبينما استخدمت وزارة الخارجية ومسئولوها مواقف ولغة معتدلة وحريصة على احتواء القضية والحد من أضرارها، تعمد وزير العدل ومسئولو النيابة العامة استخدام لغة حادة وملتهبة تهدف إلى تعبئة الجمهور ضد المعلمة وربط ما حدث بسياقات بعيدة عنها، مما يدل على أن كلاً منهم يغني في واد.
 
كما كشفت المحكمة عن تفاصيل هزت مصداقية القضية بمجملها بالدور الذي لعبته معلمة سودانية كانت تعمل فيها جيبونز. هذه المعلمة السودانية التي كانت تخوض معركة مع إدارة المدرسة هي التي تقدمت بالبلاغ عن قصة تسمية الدب في إطار كيدها لإدارة المدرسة بعد خمسة اشهر من حدوثها وتسويتها بخطاب اعتذار لأسر التلاميذ. وهذا يشير إلى أن التصعيد تم تدارسه بدقة وتمهل في بعض أروقة السلطة.
 
أزمات أخرى
 
يضاف لكل ذلك الضغوط المحلية التي تعرضت لها الحكومة بسبب مجريات القضية والحكم الذي صدر على المعلمة البريطانية حيث يعتقد البعض أن الحكم بالسجن 15 يوما لإهانة الدين مخفف للغاية وطالب البعض بإعادة محاكمتها، مما يعتبر تشكيكا في أهلية القضاء السوداني الذي لا يحظى بكثير استقلال أو احترام اصلا. ولا شك أن العفو الرئاسي لن يجلب السعادة لهؤلاء ولن يعوضهم إشارة الرئيس البشير لمعتقلي جوانتانمو شيئا.
 
ولكن، ربما لن يمضي وقت طويل قبل أن تطوي الحكومة السودانية صفحة هذه ألازمة، فالأزمات الأكثر جدية وحقول الألغام السياسية والأمنية التي تتناسل في الجنوب والغرب بل جميع أنحاء البلاد لن تلبث أن تنفجر لتنسي السودانيين المعلمة البريطانية الغريرة ليبكوا على ليلاهم هم.
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 05/12/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com