أعلنت السلطات
الليبية يوم أمس الثلاثاء الإفراج عن تسعين من سجناء الجماعة
الليبية الإسلامية المقاتلة، وقالت مؤسسة القذافي للتنمية،
التي يديرها سيف الإسلام نجل العقيد القذافي، في بيان صادر
عنها:" إن الحوار الذي أشرفت على رعايته مع الجماعة الليبية
المقاتلة الممثلة بقيادتها قد توصل إلى الإفراج عن 90 عنصرا
من الجماعة، وهو ما يمثل ثلث أعضائها". وقال صالح عبد
السلام، المسئول في مؤسسة القذافي للتنمية، خلال احتفال أقيم
يوم أمس بسجن أبو سليم بالعاصمة طرابلس، أن الإفراج جاء
نتيجة الحوار الذي استمر أكثر من عامين، شارك فيه مفكرون
ورجال دين في داخل ليبيا وخارجها، وأن المؤسسة ستستمر في
مساعدة المفرج عنهم الذين نبذوا العنف، في العثور على عمل،
وفي الاندماج في المجتمع من جديد.
حوار استمر عامين
من الواضح أن ثلثي
سجناء الجماعة المقاتلة، والذين يقدر عددهم بحوالي 180 شخصا
لم يستجيبوا للحوار الذي دام أكثر من عامين، أي أنهم لم
ينبذوا العنف، أو أنهم لم يتخلوا بعد عن قناعتهم بتكفير
النظام، مما أستوجب بقاءهم في السجن، ولكن قد تكون هذه
الخطوة مشجعة للمترددين من المجموعة، وخاصة أن قيادة
المجموعة موجودة في السجن، حيث أعتقل أمير الجماعة عبد الله
الصادق في تايلند عام 2004، بينما أعتقل نائبه أبو المنذر
الساعدي في هونغ كونغ من نفس العام، بينما أعتقل أغلب عناصر
المجموعة منذ تفجر القتال مع قوات الأمن الليبية عام 1995،
عندما اضطرت الجماعة للكشف عن نفسها بسبب حادث عرضي ترتب
عليه إصابة أحد عناصرها واعتقاله، الأمر الذي أضطر مسئول
الجماعة في مدينة بنغازي لإنقاذ الجريح من أحد مستشفيات
المدينة، بعد أن ارتدى أفراد المجموعة زي قوات الأمن
الليبية، وهو العمل الذي كشف عن الجماعة المقاتلة، وقادت
عمليات المطاردة قوات الأمن إلى مزرعة في ضواحي بنغازي، يشرف
عليها ضابط فار من القوات المسلحة، وتستخدم كمخزن للأسلحة
والدخائر، ومنذ ذلك الوقت شهدت المنطقة الشرقية والوسطى
بليبيا، عمليات قتال في الشوارع، تمكن فيها مقاتلو الجماعة
الذين تمرسوا على هذا النوع من القتال في أفغانستان من إصابة
العديد من رجال الأمن الليبيين والاستيلاء على أسلحتهم، ولم
تتمكن قوات الأمن من السيطرة على الوضع، إلا بعد عزل مدن
درنة وأجدابيا، واستخدام سلاح الطيران لتعقب من اختباء منهم
في غابات الجبل الأخضر، ومع ذلك فقد تمكن ثلاثة منهم من
الوصول إلى العقيد القذافي في مدينة براك جنوب ليبيا، وألقوا
قنبلة يدوية تحت قدميه، ولكنها لم تنفجر.
بدايات الجماعة
تعود بداية
الجماعة الليبية المقاتلة إلى عام 1982، عندما تأسست خلية في
بنغازي من تسعة أشخاص، ولكن سرعان ما تفككت الخلية وقتل كل
أعضاءها، أما المحاولة الثانية فكانت عام 1989، حيث أسس في
طرابلس عوض الزوي نجل الرسام الساخر المعروف محمد الزوي،
حركة الجهاد، وفي نفس العام أسس محمد المهشهش في بنغازي حركة
الشهداء الإسلامية، ولكن السطوة الأمنية التي عرفتها ليبيا
خلال الثمانينات أفشلت كل هذه المحاولات، وعندها بدأ الشباب
الناقم على نظام العقيد القذافي في التوجه سرا إلى دول
الخليج ومنها إلى أفغانستان، حيث قاتلوا تحت قيادة القائد
الأفغاني عبد الرسول سيف، وتأثروا بأفكار الفلسطيني عبد الله
عزام، وفي عام 1990 أسسوا سرا ما عرف فيما بعد باسم الجماعة
الليبية الإسلامية المقاتلة، ومع نهاية القتال ضد السوفيات
اختار الليبيون العودة إلى بلادهم، ومحاولة تغيير نظام
القذافي، وهو ما جعلهم يختلفون مع أسامة بن لادن وأيمن
الظواهري اللذين رأى أن قتال أمريكا والغرب أهم من محاربة
الأنظمة العربية الحاكمة.
العودة إلى ليبيا
حاولت الجماعة
الليبية المقاتلة العودة إلى ليبيا من طريقين مختلفين، حيث
أفضت الطريق الجزائرية إلى مقتل معظم الليبيين الذين تسللوا
إلى الجزائر على يد الجماعة السلفية للدعوة والقتال، لذلك
قرروا التسلل إلى ليبيا، ولكن فشلهم في مواجهة قوات الأمن
جعلهم يعودون إلى أفغانستان، وخاصة بعد أن تمكنت حركة طالبان
من الاستيلاء على كابول، وإسقاط حكومة رباني، ثم انتشروا في
المناطق الحدودية مع باكستان بعد احتلال أفغانستان، وسقوط
طالبان، ولكن القوات الأمريكية تمكنت من اعتقال عدد كبير
منهم وخاصة القادة، ولم ينج إلا أبو الليث الليبي، الذي
اغتيل فيما بعد بصاروخ أمريكي، ويرجح أن يكون قائد الجماعة
بعده في أفغانستان، أبو يحي الليبي، الذي تمكن من الفرار مع
أربعة آخرين من سجن بغرام الأفغاني، والذي يعتقد أنه أصبح من
كبار قادة تنظيم القاعدة.
بعد احتلال العراق
عام 2003، تمكنت الجماعة من استقطاب العديد من الشباب
الليبيين للقتال في العراق، وقد نفذ مجموعة منهم عمليات
انتحارية ضد القوات الأمريكية، وأيضا ضد قوات الأمن
العراقية، وتفيد عدة تقارير أن الليبيين يأتوا في الترتيب
الثاني بعد السعوديين في العراق، وهذا يعني أن الجماعة عادت
لتقف على قدميها من جديد، بعد الضربات القاصمة التي تلقتها
منذ منتصف التسعينات، ولكنها ليست نفس المجموعة، التي اختلفت
منذ البداية مع تنظيم القاعدة، والتي رأت أن خيار أبن لادن
والظواهري يقود إلى طريق مسدود.
معارضون في مستشفى الأمراض النفسية!
ومن ناحية أخرى
أصدرت مؤسسة القذافي للتنمية يوم 6 أبريل بيانا جاء فيه، أن
الدكتور إدريس أبوفايد المعتقل منذ عودته إلى ليبيا عام
2006، أنه أحيل إلى المستشفى بسبب إصابته بمرض السرطان،
وكانت المؤسسة نفسها قبل عدة أسابيع قد أشرفت بنفسها على نقل
سجين الرأي، فتحي الجهمي إلى مستشفى الأمراض النفسية بحجة
عدم توازنه النفسي، وكان فتحي الجهمي قد انتقد علنا في أحد
المؤتمرات الشعبية نظام العقيد القذافي، مطالبا بإلغاء ما
يعرف بالنظام الجماهيري، والسماح لليبيين بانتخاب ممثليهم في
البرلمان، بينما اعتقل الدكتور أبوفايد مع آخرين بينما كانوا
يستعدون لتنظيم مظاهرة، بمناسبة الذكرى الأولى لضحايا 19
فبراير 2005، الذين سقطوا برصاص قوات الأمن في مظاهرة انتهت
بإحراق القنصلية الإيطالية في بنغازي. ، وربما تنظر السلطات
بحذر إلى الجهمي وأبو فايد وتعتقد أنهم أخطر بكثير من
الجماعة الليبية المقاتلة، لأنهم اختاروا الاحتجاج السلمي،
ولأنهم يطالبون بالديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون، بينما
يطالب جماعة المقاتلة بالدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة.
عن موقع (إذاعة
هولندا العالمية) - 9/04/2008
|