

يوضح
محمود ممداني أن حقيقة الصراع في دارفور أكثر
تعقيدا من صراع بين عرب خبثاء وأفارقة بؤساء.
يعود السبب الحقيقي إلى الجفاف الذي نتج عن
التغييرات المناخية. ففي وسط دارفور، يقبع جبل
أخضر هائل، إنه جبل مرة، تعيش فيه قبائل أفريقية
على الفلاحة. يسكن في جزء من الصحراء المحيطة
به، بدو عرب يقتاتون من ماشيتهم. جمال في الشمال
وبقر في الجنوب. عندما بدأ الجفاف في
الثمانينيات، فر الجميع إلى ذاك الجبل الأخضر
الهائل، وشب الصراع بين السكان الأصليين الذين
دافعوا عن أملاكهم، وبين البدو الذين رأوا أن
لهم الحق في النجاة من كارثة الجفاف. ولا يساعد
في حل الصراع كون المنطقة مليئة بأسلحة كان
مصدرها الحرب الأهلية في تشاد.
في
التمرد الذي أعلنته في العام 2003 مجموعة صغيرة
من الشباب الثائر، تعلق الأمر بشيء مختلف تماما.
لم يكن تمردا ضد العرب ولكن ضد الحكومة التي لم
تفعل شيئا لتطوير دارفور وإيجاد فرص عمل للشباب.
إلا أن نظام الخرطوم أصيب بالذعر وكلف قبائل
عربية استغلت الوضع لإفشال التمرد. ومبدئيا، ليس
الصراع في دارفور بالراديكالي وإنما هو صراع بين
البدو والفلاحين. ومع مرور السنين، أصبح الصراع
كثير التعقيد، بسبب تدخل أطراف خارجية مختلفة،
كل طرف بأجندته الخاصة: في البداية الحكومة
السودانية وحركة المتمردين الجنوبية، وبعد ذلك
المتمردون والحكومة في تشاد، ثم المجتمع الدولي.
|
|
يرتكز النداء
الأمريكي لتدخل عسكري في دارفور على تبسيط إيديولوجي للواقع.
هذا ما يقوله الأنثروبولوجي الأفريقي محمود ممداني، "رأينا
في العراق، إلى أين تؤدي مثل هذا الأمور". يستقر ممداني
ثلاثة أشهر في العام، بمسقط رأسه أوغندا، وكلما عاد من
نيويورك إلى هناك، يصاب بالذهول، " يغرق الامريكيون في
المشاكل بالعراق، لذلك فقد يتوقع المرء أنهم ناقمون بسبب
ذلك، ولكنهم لا، فهم ينفعلون لما يحدث في دارفور".
يدرّس البروفيسور
محمود ممداني الأنثروبولوجيا بجامعة كولومبيا الأمريكية في
نيويورك، وقد قدم العام الماضي وجهة نظره المتعلقة بدارفور،
في مقال مثير في London Review of Books. ووجهت له بعد ذلك
دعوة من طرف كل من مؤسسة الأمير كلاوس الهولندية ومعهد
الدراسات الإسلامية في العالم المعاصر (في مدينة لايدن
الهولندية) ليوضح وجهة نظره، المتعلقة بشكوكه حول مساهمة
محتملة لبعثة سلام في دارفور.
دعوة للحرب
يوضح ممداني أن
حركة "أنقذ دارفور" الأمريكية، حققت نجاحا سياسيا كبيرا.
إنها أكبر حركة جماعية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد
حركة السلام والحركة المعادية لنظام التمييز العنصري في
سنوات السبعينيات والثمانينيات. ويضيف ممداني "لكن لا تتوهم،
فهي ليست حركة سلمية ولكنها حركة تدعو إلى الحرب. "out of
Irak, into Darfur" ( اخرج من العراق، ادخل في دارفور) واحد
من شعارات الحركة. إنهم يرغبون في تدخل عسكري. جنود لديهم
تفويض ليطلقوا النار ويقتلوا".
يعتقد ممداني أن
حركة "أنقذ دارفور" ترتكز على صورة مشوهة تماما لما يحدث
حقيقة في دارفور. ويقول عن موقع الحركة انه عرض خليع لأعمال
العنف، دون أية إشارة إلى التاريخ، ووجهات النظر السياسية أو
أي سياق آخر. صورت الأزمة في دارفور كما لو كانت صراعا
عرقيا، يخوضه من جهة عرب قتلة ومغتصبون بدعم من نظام شيطاني،
ومن جهة أخرى أفارقة ضحايا لا حول لهم ولا قوة. صراع بين
الطيب والخبيث، فارغ من أي بعد سياسي. وعلى هذا النحو، يبدو
التدخل العسكري هو المخرج الوحيد.
في الواقع، يبدو
الوضع في دارفور شبيها إلى حد بعيد بالوضع في العراق الحالي،
كما يقول ممداني. ممارسو العنف ميليشيات لها علاقة وطيدة
بالجيش الرسمي. ويستعمل هذا العنف ضد أعضاء من المجموعات
العرقية. ولكن في العراق، حيث الولايات المتحدة الأمريكية
أيضا معنية، يعتبر الصراع سياسيا. "تحولت البلاد إلى فوضى
سياسية، والحكومة تفعل ما بوسعها لترسي قواعد النظام. إلا أن
الوضع في دارفور يُبسَّط بشكل يحوله إلى تراجيديا إنسانية،
تهمل فيها تماما الجوانب السياسية".
أسطورة
لماذا يتحمس
الامريكيون لدارفور، ولماذا يتمسكون بهذه الشكل الميثولوجي
في حين أن الحقائق تروي حكاية مختلفة تماما؟ يعتقد ممداني أن
السبب في ذلك نفساني. يحتاج الامريكيون إلى سبب قوي. إنهم
يشعرون بالذنب بخصوص العراق، ولكنهم حين يتحدثون عن دارفور
ينتابهم الشعور بأنهم ليسوا مذنبين. "دارفور مكان للشعور
الطيب، مكان للهروب من العراق". إلا أن هناك أسبابا أخرى.
بالنسبة لأمريكا المحافظين الجدد، تلعب دارفور دورا مهما في
تشكيل تصورهم لمكافحة الإرهاب، يبدو فيه العرب وكأنهم
النازيون الجدد، ودارفور وكأنها إبادة جماعية عربية.
لا يؤمن ممداني
بأن حركة "إنقذوا دارفور"ستساهم ايجابيا في حل الصراع الدائر
في دارفور. في العراق أصبح من الواضح إلى أين يؤدي غزو ارتكز
على تصور خاطئ للأمور. وفي كل الأحوال، لا يعتقد ممداني أن
حل الصراع في دارفور سيكون عبر تدخلات عسكرية أو إنسانية
للمجتمع الدولي. يفضل ممداني حلا محليا أو وطنيا، بما يعنيه
ذلك من متابعة قانونية لمرتكبي جرائم الحرب. "لا يهتم المجمع
الدولي إلا بالعدالة مقابل أي ثمن"، يقول ممداني مضيفا أن
"العدالة ليست هدفا في حد ذاتها، فالهدف هو السلام، بعد
السلام تأتي العدالة. والسلام يستوجب المصالحة ولا يمكن
تحقيق المصالحة إلا في سياق وطني يجمع الأطراف المعنية،
تماما كما حدث في جنوب أفريقيا".
عن موقع (إذاعة
هولندا العالمية) - 22/04/2008
|