|
01/01/2006
اللجنة الإعلامية بالمؤتمر الوطني للمعارضة الليبية ندوة ذكرى الإستقلال - قاعة الكوفة - لندن - الخميس 29 ديسمبر 2005
(ورقة الأستاذ محمد حداش فى ندوة الذكرى الـ 54 لإستقلال ليبيا)
بين الشريعة والدستور
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
أشكر الأستاذ حسن الأمين على دعوته الكريمة لهذه الندوة في ذكرى الإستقلال.
عندما يتصدى باحث لموضوع شائك وحساس مثل هذا الموضوع الشريعة والدستور فإنه ينبغي أن يراعي الموضوعية والدقة والصراحة أما رضا الناس فإ نه غاية لا تدرك.
أصبحت الشرعية الدستورية فجأة هي السؤال المطروح في المعارضة الليبية في الخارج في حين أن الصراع بين معظم أطراف المعارضة والنظام والذي امتد حينا من الدهرلم يقع تحت راية الشرعية الدستورية ، فباستثناء الاتحاد الدستوري الذي اهتم بها مبكرا ، لم يجد هذا الدستور المسكين من يهتم به حتى يظن المراقب أن الأرض قد أكلته بعد أن حاصر النظام المعارضة في شعاب الهجرة ، حيث لا أنصار ، فهل تبحث المعارضة عن سبب لشرعية كفاحها أم عودة الوعي بالدستور.
بعض المطالبين بالشرعية الدستورية ينسى في غمرة حماسه المشروع للتغيير دراسة المسألة نظرياً وعملياً. فمن الناحية العملية فإن ما وضحه الأخوة الكرام في الاتحاد الدستوري في بيانهم الأخيرحول المطالبة بالشرعية الدستورية جواب صحيح كاف لهذه المسألة لا أملل القاريء ولا السامع بتكراره ، وفيه توجيه لما هو أهم ،حيث لا ينفع البكاء على الأطلال.
وإني أسأل الله أن يعينني لأؤدى واجبي على الوجه الأكمل في بيان الحكم الشرعي في المسألة وتقديم النصح لأبناء بلدي.
حتى يكون الحوار بناء منتجا لا بد من طرح السؤال التالي: ما المقصود بالشرعية ، خصوصاً ونحن نسمع عن الشرعية الدولية وحتى عن الشرعية الثورية ؟ ومن يصبغها على الأعمال والقوانين والقرارات والأشخاص والأحوال؟ و تقييدها بالدستورية لا يجلى حقيقتها وإن حصر موضوعها ، ورغبة أكثر الناس في التبسيط والاستعجال والجري وراء كل شعار من جهة ورغبة بعضهم في التعمية والغموض من جهة أخرى يمنع دقة الفهم والتبصر إضافة إلى أن طول الانتظار للتغيير يصيب بالإعياء والملل الفكري.
فالشرعية في دين أو فلسفة أو زمان أو مكان تختلف عن آخر ، زواج الشواذ وقتل المرضى والتجسس والاجهاض والانتحار تصرفات شرعية تحت قانون وفلسفة ما ، باطلة في غيرها ، وقل مثل ذلك في كثير من القضايا التي يختلف الناس عليها ، بل حتى في إطار قانون واحد ودين واحد.
هذه الموضوعات دقيقة وحساسة تنتابها العواطف والأوهام والأحكام المسبقة, ومما يزيد من الحساسية إصرار الناس جميعا على الحديث فيها بعلم وبغيره، فتلقفتها الألسن ولم تتدبرها العقول فكثر الكلام وقلت الفائدة.
إذن لا بد من تعريف الشرعية ، الشرعية تعنى أن يوافق القول أو الفعل أو التصرف لأمر الشارع بحيث يستوفي الأركان والشروط المطلوبة فتترتب عليه آثاره المقررة.
ولأجل ذلك فإن مخالفة الشرعية تستوجب البطلان وتفرض رد المخالفة وتمنع حصول آثاره المترتبة عليه هذا التعريف هو حسب أصول الفقه الإسلامي ، وهو لا يختلف في غالب ظني إجمالاً عن تعريف الشرعية عند شراح القانون الوضعي، ولكن الاختلاف الأساس هو في مسألة من الشارع الذي يشرع الأحكام وما الشريعة التي شرعها.
لم يختلف المسلمون في أن الشارع هو الله عز وجل وفي وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في كل شئون الحياة ذلك من بدهيات الدين وفرائضه وليست من نوافله. فالقرآن يُلزم المسلمين تحكيم الشريعة في الكثير من الآيات مثل: (وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، (ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ) (ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ). (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، إلى غير ذلك.
قال تعالى: لا إكراه في الدين ، وقال كذلك : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولكن لا يتحقق الإيمان إلا بتحكيم شرع الله والاحتكام إليه، ولا يجوز إلغاء حكم الشريعة ولا تبديله بغيره ، ولا يصح تجزئة الدين بمعنى قول الله تعالى : (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، فأحكام الإسلام تشتمل على العقيدة والعبادة والسياسة والمعاملات إما تفصيلا وإما إجمالا ، (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ،وسؤ الفهم و التطبيق لا تلغيان صحة المعنى .
الشريعة الإسلامية عند المسلم بمقتضى إسلامه أعلى مرتبة من الدستورولو كان الدستور ينص على أن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة مصدر أحكامه ، فالشريعة من عند الله أما الدستور فهو من عند البشر. قد تلتقي الشريعة الإسلامية والدستور وقد يختلفان بحسب اتجاه واضعي الدستور للاقتراب أو الابتعاد من الشريعة ، ولا خلاف بين الفقهاء على أن ما وافق الشريعة الإسلامية فهو شرعي وإن خالفه الناس وما خالف الشريعة فهو باطل ولو أجمع الناس عليه ، حتى ولو كان واضعه هو الحاكم المسلم. ولذلك يوصف الدستور بأنه شرعي أو غير شرعي حسب موافقته للشريعة من عدمه، ولا توصف الشريعة بأنها دستورية أم لا ، فالا لتزام بالشريعة لا يمكن أن يكون موضوعاً يخضع للتصويت ولا لأراء الناس وأهوائهم.
وإذا كان من غير الممكن تغير الشريعة إلا أنه من الممكن جداً تعديل الدستور ليتوافق مع الشريعة التي بدورها تلبي حاجات المجتمع الليبي المسلم وتتعامل بحكمة وتوازن مع متطلبات العصر، ولقد تم تعديل مواد الدستور عدة مرات ، فقد عدلت المادة (40) بحيث تكون ) السيادة لله وهي بإرادته تعالى وديعة الأمة ، والأمة مصدر السلطات.( ، بعد أن كانت السيادة للأمة في المادة الملغاة.
في الشريعة نوعان من الأحكام: القطعية التي لا مجال للاجتهاد فيها, والظنية القابلة للاختلاف في التفسير مع عدم تجاوز نطاق الأصول والقواعد المتبعة, و لا يملك الحاكم ولا المحكوم ولا المجتهد أن يبتدع من الأحكام ما يريد ، ولكن القواعد الحكيمة للشريعة الإسلامية تنتظم مسائل الحياة وتضبطها. فالعرف يتغير، والمصلحة تتبدل، والناس يختلفون، والضرورة تقتضي ولكل ذلك اعتبار قويم يؤسس عليه الحكم الشرعي المناسب، ويلبي حاجات المجتمع والفرد.
ومن الثابت المتفق عليه أن المجتمع الليبي مجتمع مسلم متدين بصرف النظر عن درجات التدين عند الأفراد , وهذا يجذر الاعتراف بالشرعية الدستورية, إذا صح التعبير، إذا كانت مدعومة بالدين فقط ،ولذا كان من الضمان للمجتمع وللدولة أن يربط الدستور بالدين رباطا قويا في التوجه والصياغة والوعي مع إعداد المجتمع وتربيته على ذلك ، وفي حال غياب هذه الشروط لا يمكن للدستور أن ينال احترام واهتمام من صيغ لهم حكاما ومحكومين. أما إذا كان الدستور مستورداً من الغرب، والحاكم يتودد للغرب والمعارضة تتلهف لذلك والمثقف يجعل قبلته الغرب في تفكيره ، فكيف بربك يكون الاستقلال وكيف تكون الشرعية،والمطلوب أن يكون لتفكيرنا دستور واستقلال من ديننا وثقافتنا يحفظ كياننا قبل ان نتطلع الى دستور يبظم حياتنا السياسية. أما النص الدستوري بأن (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) فلن يجعل الدستور شرعيا ، بل يحب أن تكون الشريعة الإسلامية (المصدر الوحيد للتشريع), مع التنبيه بأن ذلك لا يعني الجمود والتخلف ولا الارهاب إلا من عند يتعمد سؤ الفهم أو سؤ الظن بالشريعة .
إن تحكيم الشريعة لا يعني تطبيق الحدود الشرعية على ضعفاء الناس وسلب حقوقهم وامتهانهم وتركهم في العراء والجاهلية الجهلاء فيما سوى ذلك إن تحكيم الشريعة تعني إقامة الحياة الإسلامية الرفيعة السمحاء بشتى جوانبها الحضارية في الفرد والمجتمع والدولة وإقامة الشورى قبل وبعد اختيار الحاكم وإزالة المظالم وتحقيق العدل في واقع يومي وعملي علني ، وليس الدعاية الرخيصة بأن هذا النظام إسلامي بل ربما كان تشويه الشريعة بهذه التطبيقات الملتوية أعظم جرمًا وأشد شناعة من عدم تطبيق الشريعة ، فالإسلام عدل ورحمة وهداية وكفاية قبل أن يكون تطبيق عقوبة ورفع شعار.
إن صياغة دستور يوافق الشريعة سهل ولكن المشكلة ليست في ذلك ولا في تقنين الشريعة ولا في لجان الصياغة ولا في خبراء القانون ولا علماء الشريعة ولكن المشكلة ببساطة وخطورة عظيمة هي في عدم التقيد بما ينص عليه الدستور ، بل يتعامل معه الحاكم كما يتعامل العربي الجاهلي مع التمر يصنع منه آلهة في أول النهار وإذا جاع أكله آخر النهار غير أنه لا جوع يبرر للمعاصرين أكل الدستور، وفي واقعنا المعاصر لم تعد هناك عجائب ، فقد حقق العالم العربي الرقم القياسي في سرعة تغيير الدستوروتحطيمه، ويغير الدستور كلما احتاج الحاكم الذي لا يميز بين صناديق الاقتراع وصناديق القمامة ،فهم عنده سواء في القيمة والمصير.
وليس الحاكم وحده مسئولا عن عدم احترام الدستور، فالمواطن كذلك لا يشعر بأهمية الدستور فهو يري انتهاك الدستور ولا يبالي ، وربما ينظر الى المطالبة بالدستور على أنها ترف ، والقاسم المشترك بين الحكام والمحكومين ولو على تفاوت في المسؤولية هو أن إدراكهم وواحترامهم للدستور لايزال دون المستوى المطلوب إضافة إلى تراكم الظلم وتصعيده والذي وصل إلى مرتبة جرائم ضد الإنسانية وضعف الوعى السياسي مع التجهيل المستمر وفشل محاولات اسقاط نظام الانقلاب وعجز المعارضة المتشرذمة جعل الشعب الليبي يفكر فقط في إزاحة قانون المرتبات ، وبدلا من ان تدعو المعارضة في الخارج للمطلب الأساس والذي لا يستطيع المواطن الليبي المقهور أن ينطق به أصبح بعض أطراف المعارضة يتحدثون وكأنهم يعترفون بشرعية القوانين وطريقة إصدراها.
يجب أن يكون واضحا أن الدستور الليبي مازال قائماً فالإعلان الدستوري في ديسمبر 1969الصادر بعيد الانقلاب لا يعتد به مطلقا من جهة الشريعة ولا في نظر القانون. ليس من مصلحة ولا حق المعارضة الانشغال بالتفكير في إعداد دستورجديد الآن، ولاأظنه وارداً فيما أعلم ، فرغم عيوب الدستور الموجود حالياً أقصد 1951 إلا أنه يمكن تعديله وتصحيحه بالشروط الصحيحة المعتبرة وفي الظروف الاعتيادية، وذلك أهون بكثير من بناء دستور آخر ، أقول هذا لأن فتح باب إعداد دستور جديد يفتح باب شر وفتنة على البلاد في حين أن الوضع والمستقبل في الداخل مفتوح على احتمالات شتى.
|
|
|