الأمين العام للجبهة
الوطنية لإنقاد ليبيا يوجه رسالة مفتوحة إلى الدكتور فيصل قاسم مقدم برنامج
الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
الدكتور فيصل القاسم .... برنامج الاتجاه المعاكس / قناة
الجزيرة
تابعت حلقة برنامج الاتجاه المعاكس المذاعة بتاريخ 23/5/2006
حول المعارضين العرب والتعويل على أمريكا.
مداخلاتك وتوجيهك للنقاش في هذه الحلقة كانت مثالا واضحا
للاستخفاف بالمهنية الإعلامية، وانعدام الشفافية، والإخلال بالموضوعية.
في حلقتك كان الغائب الحاضر هو المعارضة الليبية، التي كانت
حاضرة في مداخلاتك وفي توجيهك للنقاش. جعلتها محورا لحلقتك، ولكنك غيبتها عن
الحلقة فلم يكن من بين ضيوفك من يمثلها ويتحدث باسمها.
أما المهنية الإعلامية، فهي تملي عليك أن يكون أحد ضيفيك من
المعارضة الليبية طالما أنك جعلت منها محورا لبرنامجك. هذا هو أبسط قواعد
المهنية الإعلامية، لكنك خالفت هذه القاعدة بطريقة صارخة لا يمكن لأي إعلامي
يحترم المصداقية أن يقبلها، ناهيك عن "ميثاق الشرف المهني" و "دليل السلوك
المهني" المثبت في صفحة الجزيرة على الشبكة.
وبقدر ما جعلت من المعارضة الليبية مثالا للمعارضات العربية
التي عولت على أمريكا، وحرصت على تسميتها بالاسم مرة تلو الأخرى في مداخلاتك
المتكررة، إلا أنك تعمدت عدم ذكر نظام العقيد معمر القذافي بالاسم ولا حتى
بالإشارة عندما ذكرت الأنظمة العربية التي تقدم التنازلات وتنصاع لخدمة
الأهداف الأمريكية. وهذا هو ما عنيته بانعدام الشفافية. وفي الواقع فلم أتوقع
منك أنت بالذات أية شفافية أو صدقية فيما يتعلق بمجريات القضية الليبية، فأنت
.. أنت من سبق لك أن حورت برنامجك وطوعته ليستوعب العقيد القذافي وحده دون أن
يواجهه رأي معاكس، فكانت المرة الوحيدة التي يكون فيها ضيف واحد ورأي واحد،
وكانت المرة الوحيدة التي يغيب فيها عن حلقتك نمطها المعهود، بل كانت المرة
التي ذكرتنا بما يمارس في تلفزيون الجماهيرية حين يستضيف "الأخ القائد"، فما
الفارق؟
أما الموضوعية، فقد ضربت بها عرض الحائط، فكنت تلقي باتهامات
جزافية للمعارضة الليبية، اتهامات تطلقها مرسلة وكأنها حقائق، لكنها اتهامات
تعوزها الصدقية، وتفتقر إلى الدليل، وتتم في غياب الطرف الذي يوجه له
الاتهام، والأنكى من ذلك كله أنك تستغل هذا المنبر وهذه الشاشة التي يتابعها
ملايين المشاهدين لذر بذور التشكيك في المعارضة الليبية، والطعن في وطنيتها.
وبالرغم من أن موضوع الحلقة يوحي بالعمومية، إلا أنك كنت
حريصا حتى وأنت تقول بعمومية الحلقة عل تذييل ذلك بذكر المعارضة الليبية
وإفرادها. أنا لست من هواة الإحصائيات، لكن لك أن تسأل نفسك كم مرة ذكرت
المعارضة الليبية؟، بل كم مرة اختلقت طريقة لذكرها والزج بها في معرض
مداخلاتك وتوجيهاتك للنقاش؟.
أنا لا أصدق أنك لا تعرف المعارضة الليبية، لكنني –تجنبا
لنظرية المؤامرة أو لغيرها من الظنون التي يمكن أن ترد على الخاطر بهذا
الصدد- فإنني سأفترض أنك حقيقة لا تعرف المعارضة الليبية. فإذا كنت لا تعرف
المعارضة الليبية، فدعني أخبرك عنها، دعني أخبرك عن شيء من كفاحها وعرقها
ودموعها.
المعارضة الليبية هي حركة رفض لحكم شمولي ديكتاتوري، حكم قتل
الليبيين وشردهم، وصادر حرياتهم وممتلكاتهم، حكم شوه ليبيا على كل المستويات
وورطها في جرائم دولية، حرم الليبيين من خيرات بلادهم وأهدرها على المغامرات
الحمقاء الفاشلة، ثم أهدرها مرة أخرى على التعويضات عن هذه المغامرات.
أنت تعرف أن هذا الحكم جاء إلى السلطة بطريقة غير مشروعة،
واستمر في الحكم عبر القهر والقمع، ولم يحز في يوم من الأيام على تخويل حر من
الشعب الليبي، حكم ألغى الدستور وقوض مؤسساتنا الدستورية التي كانت قائمة، ثم
حكم بالحديد والنار. الم تسمع بالإعدامات العلنية في الشوارع والميادين
العامة وفي المدارس والجامعات، ألم تسمع بالعصابات المأجورة التي أوفدها القذافي
وقامت بقتل مواطنين ليبيين في مدن مختلفة من أوروبا.
خلال ست وثلاثين سنة وجد هذا الحكم من يعينه –رغبة وطمعا
ورهبة- على الاستمرار في قهر الشعب الليبي، وتكميم أفواه أحرار ليبيا
وحرمانهم حتى من المنابر التي تدعى أنها "منبر من لا منبر له". لم يواجه
الشعب الليبي حكم القذافي فحسب، ولكن واجه جيوشا من المرتزقة، في كل المجالات
الاستخباراتية والأمنية والعسكرية، وفي مجالات الإعلام والصحافة.
أحدثك عن المعارضة الليبية، هي معارضة بدأت عندما كانت أمريكا
تحتضن القذافي وتقدم له الخدمات الدعائية والاستخباراتية وتبقي على حكمه،
وتسقط كل المحاولات التي قام بها أحرار ليبيا للتخلص من نظامه، وهي معارضة
استمرت عندما فترت علاقة القذافي بالعم سام، واستمرت حين تردت العلاقات،
وتستمر اليوم بعد عودة هذه العلاقات. أتعرف لماذا؟ لأنها معارضة وطنية تضع
نصب أعينها مصلحة الوطن والمواطن، ولأن معارضتها لحكم القذافي تنطلق من
منطلقات ليبية، وتدام بوسائل ليبية، وتسعى لتحقيق أهداف ليبية، لأنها معارضة
لم تعول في يوم من الأيام على أي طرف أجنبي، وإنما عولت على قدراتها الذاتية
وراهنت على شعبها.
أحدثك عن المعارضة الليبية، التي أجبرها قمع حكم القذافي
وتنكيله على أن تهاجر وراء قضيتها، وتقاسي مرارة الغربة في مواجهة نظام
القذافي الذي يتصف بشراسة وإجرام ليس لهما نظير، وهو المدعوم بعائدات النفط
الليبية التي سخرها كلها في معركة بقائه، مرة يدفع لحكومات ومسؤولين، ومرة
لصحافيين وإعلاميين، ومرة لعصابات مأجورة لقتل المعارضين. ويوم يسقط القذافي
سوف ينكشف المستور.
أحدثك عن المعارضة الليبية التي قضى الله أن تعمل في المهجر،
فأتقنت فقه العلاقات الدولية، وسعت لتسخير ما يمكنها تسخيره من المتاح في هذه
العلاقات لخدمة قضيتها. وسيأتيك من يخبرك يوما، بعد أن يهدأ الضجيج وينجلي
الغبار، كيف كانت المعارضة تقود ولا تقاد، وكيف لم تفرط يوما في إرادتها،
وكيف تشامخت على أن تكون أداة طيعة. ولقد دفعنا ثمنا غاليا لقاء هذا الموقف،
لكننا نتحمله بكل إباء واحتساب. فلقد بحثنا عن النصير في محيطنا العربي، فلم
نجد من كثير من "إخوة العروبة" لا نصرة ولا شهامة، وغدر بنا بعضهم حين
تسابقوا إلى تسليم المعارضين الأحرار إلى جلاديهم.
دعني أحدثك عن المعارضة الليبية التي تضافرت جهودها والتقت في
مؤتمرها الوطني في لندن العام الماضي، وأصدرت "إعلان التوافق الوطني"، وكان
من ضمن قرارات المؤتمر رفض التدخل الأجنبي في الشأن الليبي، وأن التغيير هو
مسؤولية يضطلع بها أبناء ليبيا وحدهم.
دعني أحدثك عن المعارضة الليبية، بل دعني أخبرك على وجه
الخصوص عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، التي اختارت أن تؤسس نضالها على
برنامج شامل متعدد الجوانب، كان من بينها العمل السياسي وخوض تجربة العلاقات
الدولية. تجربة نيرة رائدة أسست على مبادئ استقلالية القرار، والاحترام
المتبادل وغيرها من المبادئ والأسس التي نفخر بأننا أرسيناها وطبقناها. يكفي
فقط أن أشير إلى الحقائق التالية:
أن الجبهة لم تمنعها علاقاتها مع أمريكا، أن تسعى لإقامة
علاقات مع الاتحاد السوفيتي، كان ذلك أيام الحرب الباردة، أيام كان الاتحاد
السوفيتي العدو الأكبر. علاقاتنا مع أمريكا لم تحل بيننا وبين إقامة علاقات
تعاون وتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية، أيام كانت المنظمة تصنف أمريكيا
بأنها إرهابية، يمنع رئيسها ياسر عرفات من الدخول إلى أمريكا لمخاطبة الجمعية
العامة للأمم المتحدة، فتنتقل الجمعية العامة إلى جنيف تمشيا مع اعتراض
واشنطن. لم تمنعنا علاقاتنا مع أمريكا على أن يحضر وفد من الجبهة يترأسه
"الدكتور محمد المقريف" الأمين العام للجبهة آنذاك جلسات المجلس الوطني
الفلسطيني في عمان، ويخاطب المجلس الفلسطيني أمام كل المراقبين. لم تمنعنا
علاقاتنا مع أمريكا بإعلان إدانتنا بأقوى العبارات لعدوانها على الأراضي
الليبية عام 1986. ولم تمنعنا علاقاتنا مع أمريكا من أن نطالب بمحاكمة
المتهمين في قضية لوكربي أمام محاكم ليبية، وأنهما "المتهمين" بريئان حتى
تثبت إدانتهما، كنا نقول هذا في كل المحافل وبأعلى أصواتنا، في وقت كان
القذافي يستجدي ويوسط الوسطاء كي توافق أمريكا على محاكمتهما بالطريقة التي
تمت في أوروبا وأمام محكمة اسكتلندية.
هذا شيء يسير عن المعارضة الليبية التي أسأت لها وتجنيت
عليها، وصورتها تابعا، وأوحيت بأنها قد انتهت بعد عودة العلاقات بين واشنطن
وطرابلس، هذا شيء يسير أحدثك به عن المعارضة الليبية بافتراض أنك تجهل
معطياتها وحقائقها، وبافتراض أنك إن عرفت فستتوخى الصدق مع مشاهديك.
لكن دعني أقول لك في الختام، أن الأيام القادمة تحمل مفاجآت
كفيلة بتوضيح حقائق أخرى تجهلها –حقيقة هذه المرة لا تصنعا- عن المعارضة
الليبية.
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا - ويأتيك بالأخبار
من لم تزود
إبـراهـيم عـبد العزيز صـهّـد
الأمين العام للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا
25 مايو / آيار 2006 م
|
libyaalmostakbal@yahoo.com