|
|
||||
|
|
||||
|
||||
|
المثقفون هم النخبة أو الصفوة في المجتمع، وهم ـ في أغلب المجتمعات ـ الشريحة التي تتصدي للشأن العام، وتقود التغيير نحو الأفضل. ويري بعض المفكرين وعلماء الاجتماع أنه يمكن تقسيم المجتمع الى ثلاثة شرائح رئيسية: العامة.. ثم المثقفون أو النخبة.. ثم رجال السياسة والحكم.
المثقفون فقط هم
الذين يفترض أن تتجاوز اهتماماتهم احتياجات الفرد المادية
الخاصة الى حقوق المجتمع وقضاياه العامة كتحقيق العدل بكل أشكاله،
والحريات
والمشاركة في بناء المجتمع وادارته.
ليس كل المثقفين بالطبع منحازين دائما الى قيم الحق، وقضايا مجتمعهم العادلة، بل هناك من ينحاز الى قوى الباطل، ويبيع القيم والمباديء مقابل مكاسب شخصية آنية، أو بدوافع الخوف والطمع. وهؤلاء هم من يعرفون عادة بمثقفي السلطة! أو السلطان.
ولا يخلو المجتمع الليبي ـ كغيره من المجتمعات ـ من مثقفي السلطة، وتنابلة السلطان الذين باعوا ضمائرهم ومبادءهم مقابل شهرة زائفة، أو مال ونفوذ زائل. أو من الذين ـ باسم الثقافة الجماهيرية! ـ لا يتعاطون ويمارسون الا ثقافة الإرهاب الفكري، والإقصاء المعنوي والمادي.
يذكرنا بعض مسئولي الثقافة في ليبيا اليوم بالرجل الألماني الشهير "جوبلز" أحد مساعدي هتلر المقربين لشئون الدعاية والإعلام ومقولته الشهيرة... كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي!.. لما كان يدركه من خطورة الثقافة ودور المثقفين. وللأسف فإن ليبيا اليوم تعاني من أكثر من جوبلز صغير! في شكل ضباط أمن، وخريجي مدرسة لجان القمع الثورية من أمثال عبدالله منصور وعلي الكيلاني الذين يسيطرون على قطاع الاعلام والثقافة. ونجد جوبلز أخر كذلك ـ أو جوبلزة! ـ في شكل مفتشة! للثقافة في ليبيا تم اختيارها لهذا الدور القمعي التعسفي في يونيو الماضي وهي فوزية شلابي.
وقد نشر أحد الكتاب الليبيين في الداخل وهو الأستاذ يوسف الشريف مقالا ـ في جريدة "المشهد" الثقافية الصادرة عن رابطة الأدباء والكتاب في ليبيا في عددها الواحد والعشرين بتاريخ 9 يوليو الماضي ـ بعنوان "المفتشون"!! محتجا فيه على تعيين مفتش للثقافة في ليبيا ومتسائلا... لماذا مفتش للثقافة؟! وأي ثقافة ستخضع للتفتيش؟! واستطرد في مقاله قائلا... لماذا هذا الموقف من الثقافة؟! لماذا لا تكون لجنة شعبية عامة؟ هل هو إنكار مطلق لوجودها، أم هو انكار لقيمتها؟! أم هو في المطلق انكار للتاريخ؟
وتابع متسائلا... كيف يمكن التوفيق بين الحديث عن بناء البلاد ومنجزاتها وبين اقصاء العقل الذي يمكن أن يحافظ على هذه المنجزات؟ وكيف يمكن الحديث عن المستقبل المشرق وبين الغاء الشرط الأساسي لتحقيق هذا المستقبل؟!
ويبدو أن إحتجاج الأستاذ الشريف لم يرق للسيدة مفتشة الثقافة فمارست دورها التفتيشي!! وقامت في شهر أغسطس بوقف إصدار جريدة "المشهد" بحجة عدم توفر ميزانية لها(!!) بالرغم من أن تكاليف إصدار هذه الجريدة المتواضعة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدنانير أسبوعيا، ولكن هذه هي قيمة الثقافة في ليبيا اليوم! فكيف يمكن أن تشهد ليبيا أي إصلاح أو تغيير نحو الأفضل طالما يوجد من بين مسئوليها ورموزها السياسية والإعلامية أشخاص مثل عبدالله منصور والكيلاني وشلابي وغيرهم من المنتمين الى اللجان القمعية اياها، وأصحاب العقليات الإقصائية المستبدة!؟
ولا ندري اذا ما سيقوم بعض المثقفين والأدباء في ليبيا بالإحتجاج والمطالبة بعودة صدور جريدة "المشهد" المتواضعة من جديد، والتي كانت تمثل مساحة ضئيلة، وهامشا صغيرا جدا من التعبير والإبداع الثقافي والأدبي الصادق.
لا شك أن مطالبة شريحة المثقفين بممارسة حقوقهم الطبيعية في التفكير والكتابة والتعبير بحرية أمر هام جدا، خاصة وأن المثقفين هم نبض المجتمع وضميره الحي، وعليهم تقع المسئولية وينعقد الأمل في بلورة الرؤى والتصورات الإصلاحية المطلوبة، والنضال من أجلها لكي نخرج من حالة الإنحطاط والتخلف التي تعانيها مجتمعاتنا. وأن الصراع مع قوى الاستبداد والإقصاء هو في الأساس صراع عقول وثقافات. والمتتبع اليوم لما يجري في كثير من المجتمعات العربية يجد أن هناك حراكا وتدافعا سلميا علنيا يقوده مثقفون ونخب وطنية منحازة لمجتمعاتها مطالبة ببسط الحريات، واقامة العدل ومحاربة الفساد بكل أشكاله وأنواعه، ومطالبة بإصلاح حقيقي شامل على كل المستويات الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية...
نجد على سبيل المثال في تونس نشطاء حقوقيين، وسجناء رأي يُضربون عن الطعام احتجاجا على ما يتعرضون له من ظلم واعتداء على حرياتهم، ومن أجل شد انتباه الرأي العام الدولي لمعاناتهم، والتعاطف معهم ودعمهم.
وفي مصر يقود المثقفون اليوم اللجان الحقوقية المستقلة، ولجان الدفاع عن الديمقراطية، ويجهرون بآرائهم ومطالبهم، ويتخدون مواقف وأشكالا مختلفة من التدافع السلمي الشجاع. ومن أمثلة ذلك ما حدث في منتصف أكتوبر الماضي عندما انعقد الملتقى الثاني للرواية العربية في القاهرة، وأراد أن يمنح الروائي المصري الشهير صنع الله ابراهيم جائزة الرواية العربية لهذا العام، ولكن فجر ابراهيم صنع الله قنبلة سلمية! حين وقف يلقي كلمتة في الملتقى فتعرض فيها للأوضاع السياسية السيئة، العربية والمصرية، معلنا في نهاية كلمته أنه يرفض استلام هذه الجائزة لأنها صادرة عن حكومة لا تملك مصداقية منحها!! فكان هذا الموقف السلمي القوي من هذا المثقف المصري مدويا، وأحدث ضجة كبيرة، ونال اعجاب الكثيرين في كل أنحاء العالم العربي.
في سوريا يقوم المثقفون بتحدي السلطة الشمولية القائمة من خلال انشاء المنتديات الثقافية ومنها مؤخرا منتدى الكواكبي من أجل الديمقراطية في مدينة حلب، وتأسيس جمعيات الدفاع عن حقوق الانسان المستقلة عن الدولة. وقام المئات من المثقفين السوريين بالتوقيع على وثائق موجهة الى الحكومة السورية تطالبها فيها باصلاحات حقيقية، وبتمكين كل القوي السياسية والفكرية في المجتمع من المشاركة في بنائه وتقدمه.
وشهدت السعودية مؤخرا تحرك العديد من المثقفين اعلاميا، ومن خلال الندوات والرسائل المفتوحة، والوثائق الموقعة من قبل مئات الشخصيات الفكرية والأدبية الموجهة الى الأسرة المالكة الحاكمة مطالبة اياها بإصلاحات حقيقية واسعة في كل نواحي الدولة والمجتمع.
وعندما ننظر الى واقع ليبيا اليوم نجد أنها أكثر البلدان العربية تخلفا وسوءا في مجالات إحترام حقوق الانسان، وفي انعدام هامش حرية التفكير والتعبير، وفي غياب الأداء الاقتصادي الحر القوي.
وتعاني ليبيا اليوم من بطش القبضة الأمنية على أبنائها، ومن تفشي الفساد الإجتماعي والاداري، وتدني الخدمات، وتبذير الثروات الوطنية الهائلة، والتهجير القسري لخيرة عقولها الى المنافي، وحرمان المجتمع الليبي وأجياله الصاعدة من فرصة حقيقة، وحق طبيعي في النهوض والتنمية الشاملة على كل المستويات.
وعند التساؤل: هل الى مخرج من سبيل؟ لا بد أن ننظر الى مثقفينا ونخبنا الواعية في الداخل ودورهم المنشود في أن يكونوا تعبيرا حقيقيا عن ضمير المجتمع الليبي.. يشخصون آلامه، ويحملوا همومه، ويكونوا صوته العلني السلمي العاقل الذي يضع مصلحة ليبيا ومستقبلها فوق كل الإعتبارات، وكل الأشخاص. الصوت الذي يحتج بكل صراحة وشفافية على الأوضاع المأزومة الخاطئة، ويطالب بتقويم كل اعوجاج، وإصلاح كل فساد.
إننا لا نملك أن نملي أو نزايد على أحد من أساتذتنا ومثقفينا المخلصين،
وكل
القوى الوطنية الحية في الداخل
خاصة وأن العشرات منهم قد ضحوا بكل غالٍ ونفيس من
أجل وطنهم. ولا نملك أن
نقدم لهم الدروس والنصائح حول كيفية المطالبة بالحقوق،
والتدافع السلمي نحو
التغيير ونحن نقف عن بعد من وراء البحار والمحيطات. "فالذي
رجله في الماء ليس
كالذي رجله في النار!!". ولكن من واجبنا جميعا التذكير بأن نسمات
الحرية، ووجبات التغيير
والإصلاح لن تأتي على أطباق جاهزة من الخارج!! وأن الذي لا
يأكل بيده لا يشبع!!
والحقوق تؤخذ ولا توهب، وما ضاع حق وراءه مطالب.
لا شك في أن معظم الليبيين في الداخل والخارج لا زالوا يعتقدون أن النظام الليبي لا يملك إلا القبضة الأمنية، والبطش الدموي المفرط مع كل من تسول له نفسه انتقاده ومعارضته. وهي صورة لها مبرراتها الواقعية من خلال سيرة وممارسات هذا النظام مند منتصف السبعينيات الى أواخر التسعينيات، وما أكدته تقارير العديد من المنظمات الدولية المحايدة... ولكن بالنظر الى تطور واقع ليبيا مؤخرا فإن هناك أسئلة تحتاج الى اجابة موضوعية دقيقة ـ وليس مواقف عاطفية مشحونة! ـ ومنها..
إن لجوء النظام الليبي اليوم ـ وفي وقت أصبح فيه العالم بحكوماته ومنظماته الحقوقية ومؤسساته الاعلامية مهتما ومتابعا بدقة لما يجري داخل ليبيا ـ الى نفس أساليب التعذيب والبطش والقتل ونصب المشانق العلنية أو السرية منها ضد أي صوت سلمي علني يطالب برفع الظلم، واصلاح الفساد، وبسط الحريات سيكلفه ثمنا باهظا جدا جدا... حقوقيا وإعلاميا وسياسيا.. وفي وقت يحرص فيه هذا النظام على التخلص من إرث الماضي الثقيل! والظهور بصورة جديدة من أجل فك عزلته والعودة الى حظيرة الشرعية والقبول الدولي.
إذًا، عود على بدء، فإن المثقف هو ضمير المجتمع الحي الذي ينشر الوعي السليم بين عامة الناس، وينافح عن قضاياهم الجوهرية العادلة متسلحا بقوة المنطق في وجه منطق القوة.. وبشجاعة الرأي الحر في وجه الاستبداد وجبن المستبدين...
وأن ليبيا اليوم تقف على مفترق طرق، ولن يقود خروجها من ظلمات التخلف والظلم والفساد التي تعيشه الى نور وشفافية دولة المؤسسات، وسيادة القانون، وتمتع كل الليبيين بحقهم في العيش بحرية وكرامة فوق أرضهم، والمشاركة في بنائها وتنميتها... لن يقود الوصول الى كل ذلك إلا نخبها ومثقفوها، وخاصة من يعيشون منهم في داخل ليبيا.
فهل نشهد لهم دورا فاعلا في الشهور والسنوات القليلة القادمة؟!
|
||||