إبراهيم عبد العزيز صهّد

 

في ذكرى إعلان الدستور الليبي: نظرات في المطلب الدستوري

 

 

الجمعية الوطنية التأسيسية

 

لم يكد القذافي ينهي قراءة أول بيان وجهه إلى الشعب الليبي حتى كان الدستور الليبي في عداد ضحايا انقلاب سبتمبر. لم يستغرق الأمر في الواقع سوى جملة واحدة من قائد الانقلاب أعلن بها إلغاء الدستور الذي بذلت الجمعية الوطنية التأسيسية جهودا مضنية حتى أقرته بعد مخاض عسير. وبإلغاء الدستور، تهاوت جملة الركائز والأسس التي انبنت عليها معالم شرعية الحكم، وتهاوت كل الأبنية المؤسسة على الدستور. فلم يعد ثمة أية ضوابط تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولم يعد للمؤسسات الدستورية وجود، بل لم تعد الحقوق الأساسية للمواطن لا معرفة ولا مكفولة، وأصبحت الأمور منذئذ تدار على هوى الانقلابيين وبما تتيحه لهم القوة المسلحة التي استولوا عليها عنوة ومكنتهم  - بدورها ـ من الاستيلاء على السلطة.

 

ولم يتوقف الأمر بالقذافي عند إلغاء الدستور الليبي، ولم يكتف بإبقاء البلاد دون دستور طيلة هذه المدة الطويلة من حكمه، وإنما حرص أيضا على مناهضة أي اتجاه يبرز مطالبا بالعودة إلى الحكم الدستوري، وواجه بالقمع كل أصحاب هذه الاتجاهات، وكرر في خطبه وأقواله آراءه المريضة التي تسفه الدستور ـ أي دستور كان ـ وتسخر من دوره الأساس في الحياة السياسية.


والدستور الليبي لم يكن الوحيد من الدساتير العربية التي واجهت مصير الإلغاء، فما من انقلاب عسكري حدث في المنطقة العربية إلا كان إلغاء الدستور أحد " إنجازاته "، غير أن انقلاب سبتمبر تفرد في إقدامه على إلغاء الدستور في اللحظات الأولى لاستيلائه على الإذاعة.

ويمكن القول ـ دون أي مبالغة ـ بأن الدستور الليبي يعد وثيقة حقوقية بالغة الإتقان، حوت كل ما توفر في دساتير الدول المتقدمة من ضمانات للمواطن وحقوقه، بل إن كثيرا من الدول الجارة تفتقر دساتيرها حتى الآن إلى الضمانات والحريات التي كان ينص عليها الدستور الليبي. كذلك فإن الدستور الليبي ينفرد عن كثير من دساتير دول العالم الأخرى في أنه دستور منشئ للدولة ومؤسس لها وليس العكس. إلا أن ذلك كله لم يحل دون أن يتعرض للإلغاء وبهذه الصورة الارتجالية المتعجلة.

ولن نتوقف طويلا أمام مشروعية هذا الإجراء من عدمها، ذلك لأن الانقلابات العسكرية والاستيلاء عل السلطة بالقوة في حد ذاته عمل يفتقر إلى المشروعية، وكل ما بني على باطل لا ينتج إلا باطلا. غير أننا ينبغي أن نتوقف ـ ولو قليلا- أمام الأسباب والعوامل التي مكنت الانقلابيين من إلغاء الدستور بهذه البساطة، فمما لاشك فيه أن القوة المسلحة لم تكن هي العامل الوحيد الذي أغرى الآنقلابيين ومكنهم من إلغاء الدستور، وإنما ساهمت عوامل أخرى في جعله ممكنا، منها:

  • تخلف الانقلابيين وجهلهم بأهمية الدستور، مع نهمهم للتسلط ومزاولة الحكم دون أية ضوابط، خاصة مع وجود السوابق التي أفرزتها الانقلابات العسكرية العربية. والدستور بما يقدمه من ضمانات للمواطن وحقوقه، لا شك يشكل عقبة أمام التسلط والطغيان.

  • قيام عدد من الحقوقيين وكتاب السلطة العرب بتسويغ الاستيلاء على السلطة بالقوة تحت ما يدعى "بالشرعية الثورية" دون تبيان الحدود والضوابط الزمنية والإجرائية والقانونية التي وضعها واشترطها القائلون بالشرعية الثورية، بل وحتى دون أن يكلف هؤلاء الحقوقيون والكتاب أنفسهم مشقة إيضاح اختلاف فقهاء القانون الدستوري حول هذه المسألة، ورفض غالبيتهم الساحقة الاعتداد بما يسمى بالشرعية الثورية، إضافة إلى تعمد هؤلاء الحقوقيون والكتاب الخلط بين الثورات الشعبية والانقلابات العسكرية. وتحت هذا التسويغ العام الباطل، أجاز الانقلابيون ـ في ليبيا وفي غيرها ـ لأنفسهم التصرف دون أدنى مراعاة لرأي الشعب، وطالت إجراءاتهم كل النواحي الأساس للحياة العامة والخاصة للمواطن، وكان الدستور في مقدمة الضحايا.

  • غياب الوعي لدى الشعب الليبي بأهمية وحيوية الدستور في الحياة العامة، فلم تعط حكومات العهد الملكي المتعاقبة أية أهمية لتوعية الجمهور وتثقيفه بدور الدستور ومكانته، ولم يكن للدستور أي حظ في المناهج التعليمية حتى على المستوى الجامعي (فيما عدا كلية الحقوق، ربما بواقع التخصص)، بل لم تقم الدولة بطبع الدستور وجعل نسخه في متناول الشعب. وهكذا نشأت أجيال تجهل كل شيء عن الدستور الليبي: منشؤه، وتاريخه، ودوره، وأهميته، ومحتواه، ولهذا فلم يدرك سوى قلة من المواطنين ما كان يعنيه إلغاء الدستور، ولم تنتبه الغالبية إلا بعد فوات الأوان، ولم نر أية مقاومة فعلية دفاعا عن هذا الصرح الأساس عندما أقدم الانقلابيون على هدمه.

ولقد فتح إلغاء الدستور الباب على مصراعيه أمام الانقلابيين ليمارسوا الحكم دون أية ضوابط أو روادع، وباتت الأهواء ونزعات الاستبداد تسندها القوة المسلحة تتحكم في كل القرارات والإجراءات التي تسير أمور الدولة، ثم غدا تقنين الاستبداد والطغيان سلاحا أشهره الانقلابيون في وجه الشعب، وأصدرت القوانين التي أجازت ممارسة القمع، وصادرت الحريات والحقوق التي كان الدستور يكفلها. وبسيادة الاستبداد استشرى الفساد وعمت المحن التي لم ينج منها مواطن ولا مرفق، وغدا الأمر كما يقول الماوردي في (أدب الدين والدنيا) : "الجور يفسد ضمائر الخلق، ولكل جزء من الجور قسط من الفساد حتى يستكمل".


وبدون شك فإن المعاناة التي واجهها ويواجهها الشعب الليبي، وما بلغته الأحوال من ترد وانحطاط إنما يعود في الأصل إلى انعدام الحريات وسيادة الاستبداد الناجم عن غياب الدستور بما يحويه من ضوابط وضمانات، وبما يضفيه من مشروعية، وكما قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد): "إن أصل هذا الداء (يعني الانحطاط والتخلف) هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية".


المطلب الدستوري في وثائق الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا

 

 

ومن هنا كان المطلب الدستوري على رأس مطالب المعارضة الليبية، وكان هذا المطلب أساس من أسس انطلاقة الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، بل كان هو المحور الذي تدور حوله برامجها النضالية، كما أنه يشكل جوهر الهدف الثاني من أهداف الجبهة:


فقد حددت الجبهة أهدافها على النحو التالي:

  • العمل على حشد وتوحيد ودفع كافة العناصر الوطنية - داخل ليبيا وخارجها- في برامج عمل ونضال متكامل يستهدف الاطاحة بحكم القذافي مستخدمة كل الوسائل المشروعة الممكنة.

  • الدعوة والسعي، من خلال الشعب الليبي بكل فئاته، إلى إقامة حكم وطني دستوري ديمقراطي يستلهم عقيدة الشعب الليبي وقيمه وتاريخه وتراثه الحضاري.

  • ويوم السابع من أكتوبر 1981، أعلنت الجبهة في بيانها التأسيسي أن من أولى مهام السلطة الانتقالية – التي تدعو إلى إقامتها بعد سقوط حكم القذافي- إجراء انتخابات عامة لاختيار جمعية وطنية تأسيسية يعهد إليها مهمة وضع دستور يطرح على الشعب الليبي في استفتاء عام.

  • وفي دورتي المجلس الوطني (الأولى والثانية) أقرت الجبهة ورقتي "ما بعد سقوط القذافي"، وفيهما فصلت الجبهة الأسلوب والآليات التي ترى اتباعها لوضع دستور للبلاد.

  • وخلال الدورة الثالثة للمجلس الوطني، أقرت الجبهة وثيقة "المشروع الحضاري"، وهي الوثيقة التي تضمنت المبادئ والأهداف التي ترتكز عليها رؤى الجبهة وبرامجها المستقبلية، وقد كان للمطلب الدستوري موقع متميز في هذه الوثيقة الهامة.

وفي الواقع فإننا نستطيع - من خلال وثائق الجبهة وإصداراتها- أن نلم بالكيفية التي نظرت بها الجبهة إلى المسألة الدستورية في مستقبل ليبيا من مختلف جوانبها، سواء من ناحية الشروط التي ينبغي الحرص على توافرها في آلية وضع الدستور وإقراره، أو من ناحية العناصر الأساس التي ينبغي أن تشتمل عليها الوثيقة الدستورية، أو من ناحية موقع الدستور من مشكلة الحكم.


تحقيق مشروعية الدستور


إن أول القضايا المتعلقة بالدستور هي مشروعية الوثيقة الدستورية نفسها التي لا غنى عنها كي تصبح ذات قيمة مرجعية في معترك الحياة السياسية. ولكي يحظى الدستور بالمشروعية فإنه لابد أن يكون نابعا من الأمة، معبرا عن إرادتها الحرة، حائزا على قبولها، محققا لمصالحها، وهذا يستلزم جملة من المعطيات والمقومات التي من أهمها:

  • أن تتم صياغة الدستور من قبل ممثلين تنتخبهم الأمة في اقتراع سري تتوافر له كل شروط النزاهة والحيدة، وتتاح فيه الفرص لكل من يأنس في نفسه أو في نفسها الأهلية بالترشح، ويتاح فيه الحق لكل مواطن ومواطنة ممن بلغوا السن القانونية للإدلاء بأصواتهم لانتخاب من يرغبون من المرشحين، ولكون هذا الاقتراع يحمل صفة التأسيس فينبغي المبالغة في اتخاذ الاحتياطات التي تضمن النزاهة، والتي تكفل للمواطنين الاطمئنان لنتائج الاقتراع وقبولها، وهذا يتأتى بجملة من الإجراءات قد يكون من بينها إشتراك مراقبين دوليين محايدين للإشراف على سير الاقتراع. وغني عن القول فإن أية محاولة لوضع الدستور من قبل شخص أو جماعة بدون أن يتوفر لها شرط التكليف الشعبي سيكون منقصة تعصف بمرجعية الدستور من أساسها، مما سيعرقل حتما مسألة التطور الدستوري، الأمر الذي يجب رفضه من الأساس.

  • ينبغي أن يلتئم ممثلو الأمة في إطار "جمعية تأسيسية"، يتم وضع لوائح إجراءاتها الداخلية من قبل هؤلاء الممثلون، ويجب ألا تفرض أية لوائح أو أساليب عمل على "الجمعية التأسيسية".

ومن المناسب هنا أن نوضح أن اختيار صيغة "الجمعية التأسيسية" لها ما يبررها وظيفيا وتاريخيا:

 

1- فمهمة الجمعية مهمة تأسيسية: كونها ترسي الأسس والقواعد التي تقوم عليها "الدولة الجديدة"، بما في ذلك شكلها ونظام الحكم فيها وجملة الأسس التي تحكم العلاقات في داخل هذه الدولة وبين مكوناتها.
 

2- وتاريخيا: فقد كلن لليبيا تجربة سابقة، وهي تجربة "الجمعية الوطنية التأسيسية" التي صاغت الدستور الليبي وأعلنته بتاريخ 7 أكتوبر 1951. ومهما يقال عما شاب هذه التجربة من عيوب إلا أنها في مجملها كانت تجربة رائدة سبقت بها ليبيا غيرها من دول المنطقة. إن الحفاظ على هذه التسمية من شأنه أن يرمز إلى معنيين مهمين تحافظ الشعوب عليهما وهما: تواصل الأجيال، والوفاء للرعيل الأول المؤسس.

  • ينبغي أن ينصرف كل جهد أعضاء "الجمعية التأسيسية" إلى المهمة الموكلة إليهم، وهي مهمة صياغة دستور البلاد، وأن يتفادوا إقحام أنفسهم في المسائل التنفيذية لتسيير الأمور في البلاد والتي تضطلع بها آنذاك السلطة الانتقالية. إن التقيد بحدود التكليف الذي منحته الأمة لهؤلاء الأعضاء أساسي ليس فقط في تمكين الجمعية من أداء مهمتها، بل وفي إعطاء هذا التكليف قدره الرفيع وحجمه المهم.
     

  • كفالة الحرية المطلقة لأعضاء "الجمعية التأسيسية" أمر في غاية الأهمية، فهم ممثلوا الأمة الذين عهدت إليهم بمهمة صياغة الدستور، وفي هذا الإطار يكون من المهم للعضو أن يكون قادرا على قيادة وإدارة الحوار وإبداء آرائه بكل حرية ودون أي ضغط أو إكراه. وهذا يقتضي منحهم حصانة كاملة كتلك التي تمنح لأعضاء المجالس البرلمانية. كما يجب أن تكون الجمعية حرة في اختيار السبل التي تراها مناسبة لتصريف أعمالها، واختيار السبل التي تراها محققة للمهمة المنوطة بها، فقد تلجأ الجمعية إلى الاستعانة بذوي الخبرة القانونية في مسائل ضبط الصياغة، وقد تلجأ إلى تكوين لجان عمل من بين أعضائها لمثل هذه المهام أو غيرها.

  • وبدون شك فإن عملية التوصل إلى وثيقة دستورية تلبي متطلبات الأمة ليس بالأمر الهين أو البسيط، ولن يكون في الإمكان تحقيقه بمجرد اختيار جمعية تأسيسية – مهما حسن هذا الاختيار-، ولكن الأمر يتطلب المشاركة الشعبية الكاملة. هذه المشاركة يمكن تحقيقها عن طريق انتهاج أسلوب الحوار في كافة المراحل (مرحلة الإعداد لانتخابات الجمعية، وأثناء الانتخابات نفسها، وفي مرحلة انعقاد الجمعية ومداولاتها، وبعد إقرار الجمعية النص النهائي لمشروع الدستور). وينبغي إتاحة المشاركة في الحوار أمام كل الشرائح والفئات والمنظمات السياسية والمهنية، وألا يكون مقصورا على النخب فقط. وينبغي أن تضطلع الجمعية التأسيسية بدور قيادة وإدارة وتنظيم الحوار الشعبي خاصة في أثناء مداولاتها وبعد إقرار النص النهائي لمشروع الدستور، ويمكن لأجهزة الإعلام أن تلعب دورا في خدمة الحوار وتوسيعه.
     
  • ضرورة أن يتم طرح مشروع الدستور على الأمة لإقراره في استفتاء عام. هذا الاستفتاء ينبغي التعامل معه على كونه استفتاء تأسيسيا تتخذ بصدده كافة التدابير التي تكفل شموليته ووضوح مادته ونزاهته، وتطمئن الأمة على سلامة نتائجه حتى لا يبقى شك في سلامة هذه النتائج، وفي كونها تمثل الإرادة الحرة للأمة، كما تتخذ فيه التدابير التي تيسر المشاركة في الاستفتاء للمواطنين والمواطنات في كل المناطق . ومن المهم أن يكون واضحا للمستفتين المآل الذي سوف تصير إليه الأمور في حالتي إقرار الدستور أو عدم إقراره، والنسبة المطلوبة لذلك، وأن تكون البدائل واضحة.

إن الحرص على توفير المقومات الواردة أعلاه من شأنه أن يكسب عملية وضع الدستور وإقراره المرجعية والمشروعية، لأنه يحقق مايلي :

  • وضع الدستور من قبل ممثلين انتخبتهم الأمة في اقتراع حر.
     

  • مشاركة مختلف الشرائح والفئات والتنظيمات السياسية والنقابية في إنضاجه من خلال الحوار.
     

  • ضمان الحرية الكاملة أمام ممثلي الأمة لاعتماد أساليب عملهم ولوائحهم الداخلية، ثم في مداولاتهم لوضع النصوص الدستورية.

  • إقراره عبر استفتاء عام، تكفل فيه سرية ونزاهة الاقتراع، وحرية المقترع، ووضوح المقترع عليه.
 

وكل هذه الإجراءات والتدابير من شأنها ضمان أن تكون الوثيقة الدستورية المقرة نابعة من الأمة، معبرة عن إرادتها الحرة، حائزة على قبولها، مجسدة لمصالحها. وفي هذا إعمال لمصدرية الأمة، وتحقيق لمرجعية الدستور، وهما أمران في غاية الأهمية على مكانة الدستور بصفته الأداة المنظمة والمقررة للشبكة المعقدة للعلاقات بين العناصر والأدوات التي تدير وتسير شؤون الحكم، والعلاقة بين الحكومة بسلطاتها المختلفة وبين عموم الأمة، وكذلك على مكانة الدستور الحاكمة على مختلف القوانين والتشريعات.


أسس التعامل مع الدستور


لكن خطوة إقرار الدستور وحدها لن تكون كافية، ولن تؤدي إلى أن تحي الأمة في ظل الحياة السياسية الدستورية المأمولة، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات أخرى. فبإقرار الدستور ودخوله حيز التنفيذ لابد أن يحترم ويطبق وتنفذ أحكامه بكل دقة، وأن تنشأ الآليات والأدوات التي تكفل ذلك وتحول دون مخالفته أو نقضه أو خرقه أو إلغائه، وتحديد الآليات والإجراءات التي يجب أن تتبع في حالات الاحتياج إلى إدخال تعديلات على نصوص الدستور، كما ينبغي تحديد الجهة القضائية التي ينبغي الرجوع إليها في حالات وجود شبهات حول عدم دستورية أية قوانين أو إجراءات أو سياسات، ويكون لهذه الجهة أيضا الفصل في تفسيرات النصوص في حالات الاختلاف في فهمها.


كذلك من الضروري والمهم أن يصبح الدستور جزءا ليس فقط من الحياة السياسية فحسب، وإنما جزءا من البرامج الثقافية والتعليمية للتوعية به والإلمام بمحتوياته. إن تعميم الثقافة الدستورية ونشرها أمر في غاية الحيوية بحيث يغدو كل مواطن مدركا لحقوقه الدستورية وكيفية الدفاع عنها ضد أية محاولات لخرقها، كما يغدو ملما بواجباته وكيفية الاضطلاع بها، وكذلك ليكون على معرفة بآليات تسيير الحياة السياسية في البلاد حتى يمكنه المشاركة فيها بكل اقتدار. وبدون شك فإن مهمة نشر الثقافة الدستورية لا تتوقف على جهود الحكومة وحدها ، وإنما هي مهمة ينبغي أن تشارك فيه المنظمات السياسية والنقابية، والهيئات الإعلامية، والمؤسسات الثقافية والتعليمية.


مادة الدستور وجوهره


وكما أعطينا أهمية كبيرة لآلية وضع الدستور وإقراره والتعامل معه، فإنه ينبغي أن نعطي أهمية أكبر لمضمون الدستور وجوهره. وهذا الموضوع يتطلب حديثا طويل قدا يتشعب خلف مباحث القانون الدستوري، كما أنه يتوقف على الرؤى العامة المشتركة للأمة، وحتما فإن حيز هذه المقالة وغرضها لن يستطيعا استيعاب موضوع محتوى الدستور وجوهره، ونأمل أن تتاح فرص الحديث عن ذلك في مناسبات أخر. ولكن هذا يجرنا إلى الحديث عن الدستور المقر في عام 1951 وتعديلاته. فهناك جدل يثار حول مآل هذا الدستور، وتتراوح الآراء بين:

  • المنادين بالعودة إلى ذلك الدستور بحجة عدم الاعتداد بإلغائه لفساد أداة الإلغاء، وبأنه لا يزال صالحا للتطبيق.

  • والقائلين بأن دستور 1951 حتى ولم نعتد بمشروعية الأداة التي ألغته إلا أن الزمن قد تجاوزه إما لعدم صلاحيته (كله أو بعضه) أو لأنه صار عمليا في حكم الملغى لأسباب مختلفة يسوقونها.

  • والقائلين بأن الجزء الذي يتطلب إعادة نظر هو ما يختص بنظام الحكم وشكله فقط.

 

وفي الواقع فإنني مع إقراري بأهمية دستور 1951 وتعديلاته، إلا أن هذه المسألة وغيرها هي من صميم اختصاص الجمعية التأسيسية التي من حقها سلوك السبيل الذي تراه مناسبا.

 

خاتمة

 

وبعد .. فهذه كلها –بالطبع- ليست سوى تطلعات مستقبلية، قد يتنافى ما تحمله من بريق مع الحالة الراهنة بما فيها من يأس وإحباط. لكنني أعتقد بأننا في مرحلتنا الراهنة هذه يجب ألا نكتفي برفع المطلب الدستوري، بل يجب أن نشرع في التحاور حوله، وفي طرح التصورات والرؤى بخصوصه، خاصة وأنه مطلب تتفق الغالبية الساحقة من الليبيين عليه وبأنه لا يقبل التنازل عنه.
 

إن التطلعات التي تعتمل في نفوس الليبيين مؤملة للوطن مستقبلا واعدا ومشرقا، يحافظ فيه على الاستقلال، وتصان فيه كرامة الإنسان، وتسخر فيه كافة الإمكانات لتحقيق الخير والعدل والرفاهية، ويتحقق فيه تكافل المجتمع وتعاونه تنمية للخير ودفعا للشر، إن هذه التطلعات والأماني لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل دولة تتأسس على الدستور، وفي إطار حكم يستند على المشروعية الدستورية ويحوز على التكليف الشعبي الحر. وباختصار فإن الدستور هو شظ الرحى لهذه الآمال والتطلعات

  


أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com