إبراهيم عبد العزيز صهّد

 

لكم الله يا أطفال بنغازي (1)

 

باتت قضية أطفال بنغازي المصابين بداء الإيدز تعرف -على المستوى الدولي- باسم قضية (الممرضات البلغاريات). جميع الأطراف تتحدث عن معاناة الممرضات، وتبحث عن حل لها، وعن كيفية الالتفاف على حكم أصدره نفس "القضاء" الذي تلظى بلهيبه الشعب الليبي طيلة ثلث قرن من الزمان.

 

لا أحد يتحدث عن معاناة أطفال بنغازي، ولا عن مكابدة ذويهم وأقاربهم. لم يعد هناك أي حديث عن الأطفال الذين غادروا الحياة بسبب هذه الكارثة، وكم بقي منهم على قيد الحياة، ولا عن المستقبل إن كان هناك مستقبل ينتظرهم.


لم نسمع أية تدابير اتخذت لعلاج هؤلاء الأطفال، ولا عن أية تدابير اتخذت للحيلولة دون انتشار عدوى المرض، وأصبح التكتم والتعتيم هما أسياد الموقف. أجل لم نسمع شيئا عن أطفال بنغازي الذين تجاوز عددهم أربعمائة طفل، ولا عن أهلهم، وكيف تغيرت حياتهم وتحولت إلى مأساة مستمرة. الحديث كله يدور حول الممرضات البلغاريات، تحولت بلغاريا كلها لتقف خلف الممرضات مطالبة بإطلاق سراحهن، بل وحتى تعويضهن.

 

أعلنت أوروبا عن مساندتها لمطالب بلغاريا، وجاء الوسطاء الأوروبيون يلوحون بجزرة وعصا إحداهما أسوء من الأخرى (الجزرة للقذافي ونظامه، والعصا للشعب الليبي)، حتى "القس جيسي جاكسون" جاء متوسطا للبلغاريات، وربما كان وراء قدومه سر آخر، مثله مثل الذين تساقطوا على طرابلس بحثا عن صفقة سريعة. فجأة أدرك هؤلاء الوسطاء مثالب وعورات الإجراءات "القضائية" لحكم القذافي، ووجدوا أن من حقهم وواجبهم الحديث عنها بعد صمت دام خمسة وثلاثين عاما، تعامت عيونهم خلالها أن تشاهد ما حل بالليبيين من ظلم وقهر وعذاب، وفجأة تحدث هؤلاء عن التعذيب وانتزاع الاعترافات القسرية في سجون القذافي، وهم الذين أشاحوا بوجوههم وملئوا آذانهم قطنا حتى لا يسمعوا ولا يروا ما يجري بحق الليبيين في سجون القذافي. تجاهل هؤلاء الوسطاء محنة أطفال بنغازي وذويهم، وكيف يهتم هؤلاء الوسطاء بأمر الليبيين وهم يعرفون مدى الاستخفاف الذي تعامل به نظام القذافي مع هذه الكارثة المأساوية منذ بداياتها، وكذلك لا تغيب عنهم مساعي القذافي وابنه سيف لاستغلال هذه القضية بما يحقق مزيدا من القبول في الأوساط الأوروبية لهذا النظام المتهالك.


تعامل النظام الحاكم مع هذه الكارثة المأساوية لا يدل على أنه يقدر حجم الكارثة على حقيقتها، ولا يدل أنه يهتم لآثارها ومضاعفاتها، وحتما فإن النظام لم يعبأ بأية ردود فعل شعبية، لا فيما يتعلق بالكارثة نفسها، ولا فيما يتعلق بمواقفه وأساليب تعامله معها. تعامل معها مرة على أنها مؤامرة، ومرة على أنها خطأ، وقام سيف بإصدار تصريحات متناقضة من حين لآخر متدخلا بصورة سافرة على خط هذه الكارثة.


تصريحات سيف المتناقضة اتسمت  بالعبث وباستغلال كارثة كهذه من أجل اكتساب نقاط لحكم أبيه وله شخصيا مع الأوساط الأوروبية على حساب كارثة أطفال بنغازي ومحنة أسرهم وذويهم، بل وعلى حساب مشاعر أهالي بنغازي المفجوعة.


ولما لم تقف نظرية المؤامرة على أية قوائم، بحث النظام عن عذر هو أقبح من الكارثة نفسها. فكان الحديث يدور –بكل صفاقة، وبكل بساطة- عن خطأ ما تسبب في هذه الفجيعة التي راح ضحيتها ما لا يقل عن أربعمائة طفل بريء، وتحولت حياة ذويهم إلى معاناة وحزن مستمرين. إذا كانت كل الأخطاء تقاس بهذا المكيال، فما هي الخطيئة إذن؟، وما هو التسيب؟ وما هو الإهمال؟ وما هي الجريمة إذن؟.


وحتى إذا سلمنا بفرضية "الخطأ" الذي يقود إلى مثل هذه الفاجعة، فكيف توقف التجريم عند حدود البلغاريات والفلسطيني؟ وكأن كل هم النظام كان البحث عن كباش فداء وضحايا للتستر على المسؤولين الحقيقيين الذين يجب أن يكونوا في مقدمة من يحاكم ويجرم ويقتص منه. فأين مسؤولية الهياكل الفوضوية التي أقامها القذافي؟ أين مسؤولية ما يسمى بأمانة الصحة التي هي والأمانة على طرفي نقيض؟ وأين مسؤولية ما يسمى بأمين اللجنة الشعبية للصحة؟ وأين مسؤولية الجهات المسؤولة عن توريد الأمصال والأدوية والمعدات الطبية؟ وما هو دور الفساد المالي والإداري الذي ينخر في كل المرافق؟ ما هو دور الرشوة والمرتشين في هذه الفاجعة المؤلمة المأساة؟ وأين مسؤولية أجهزة الأمن واللجان التي هي في كل مكان؟ بل أين مسؤولية الحكم الذي تسلط على بلادنا لمدة خمس وثلاثين سنة، ولم نر منه إلا الفجائع والمصائب والنكبات؟


فرضية المؤامرة تهاوت، خاصة وأن الذين يمكن اتهامهم بها قد أصبحوا من الصحاب المقربين، وانكشف مستور العلاقة مع الإمبريالية والصهيونية. أجل لم يعد هناك من يمكن تحميله وزر المؤامرة المزعومة التي كانت مشجبا علقت عليه ممارسات حاقدة ضد الشعب الليبي، والتي كانت سلاحا استخدم لطعن طموحات الليبيين وآمالهم.


كما أن لعبة كباش الفداء -التي أجاد القذافي استخدامها خلال حكمه الأغبر- لم تنجح، لأن الكباش – هذه المرة- لم تكن من بين الليبيين. وحتى بلغاريا -التي استهان النظام بها- صار لها أنياب، ووجدت حلفاءها يقفون إلى جانبها بكل حزم.


التسوية الصفقة قادمة، وهي لم تعد تتوقف عند حدود تبرئة البلغاريات، بل والمطالبة بتعويضهن والاعتذار لهن. السؤال يكمن فقط في متي وكيف وكم؟ ثم كيف سيتم إخراج هذه الصفقة؟


أهالي الأطفال، ومن خلفهم أهل بنغازي لا يريدون سوى الحقيقة: من تسبب في إطفاء بسمة الحياة الواعدة، وإشراقة الأمل، من الذي تسبب في وأد براعم كانت تتفتح للحياة؟ ومن أحال حنو الآباء والأمهات وفرحهم إلى حسرة وحزن وألم؟ كل ما يريده هؤلاء هو الحقيقة فقط. ..... الحقيقة بعيدا عن الأراجيف والأكاذيب.


لكن أطفال بنغازي وذويهم لا بواكي لهم، ولا من يهتم بمعاناتهم المأساوية أو بمطالبهم العادلة. النظام الذي كان يجب أن يحميهم هو المسؤول الأول عما أصابهم، وهو الذي جعل كل ما في ليبيا رخيصا في سوق التسويات وفي سوق بقائه في الحكم، بما في ذلك الإنسان، وبما في ذلك الأطفال.

 
تعامل "الدوائر الرسمية" لنظام القذافي لم يختلف عن تعامل سيف "غير المسؤول"، فقد اتسم هو أيضا بالتناقض والعبث والاستهتار والإهمال.


فرضية المؤامرة حصرها النظام في الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، ولم يقدم أية أرجل تسير عليها هذه الفرضية: فمن هي الأطراف التي تقف وراء هذه المؤامرة؟ وما هو الهدف منها؟ ثم ما علاقة البلغاريات والفلسطيني بتلك الأطراف؟. كذلك لم يقل هذا النظام كيف لمثل هذه المؤامرة أن تنجح وتنفذ؟ وكيف لها أن تؤدي إلى كارثة مأساوية بهذا الحجم؟ وأين هي الأجهزة المتعددة التي تحصي على المواطن الليبي أنفاسه وحركاته وسكناته؟  لم لم تستطع هذه الأجهزة المتعددة أن تكتشف هذه المؤامرة وتحبطها؟ ألأنها مشغولة كعادتها بمطاردة المواطن والتنكيل به؟

 


أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com