|
23/12/05
حرية التعبير في عصر الجماهير !!؟؟
إن أخشى ما يخشاه الطغاة وتخشاه النظم الشموليه والسلطويه المستبده– كما هو الحال في نظام القذافي – هو صوت الرأي الآخر الناقد والمخالف والمعارض إذ أن من طبيعة هذه النظم أنها لاتكتفي بمجرد إحتكار السلطه السياسيه وقيادة الدوله ولا إحتكار النشاط السياسي برمته (!) ولا إحتكار السلاح ولا الإقتصاد وحسب بل تقوم بإحتكار الثقافه ووسائل الإعلام أيضا ً وإحتكار معرفة الحق والحقيقه وتمارس وصاية فكريه وسياسيه مقيته وكليه على المجتمع ومن ثم فهي تضرب سورا ً حديديا ً حول أسماع وعقول المواطنين لتحول بينهم وبين سماع الرأي الآخر المخالف والمعارض لما تمليه على المجتمع وتروج له ليل نهار .. والسبب الحقيقي لهذا السلوك الإستبدادي المتمثل في إحتكار التفكير وعدم السماح بحرية التعبير إنما يتمثل في الواقع في خوف الطغاة من كلمة الحق وصوت الحقيقه .. هذا الصوت الذي يخشونه هؤلاء الطغاة في قرارة أنفسهم ـ إلي درجة الرعب ـ أكثر بكثير من خشيتهم من صوت الرصاص !
إن القذافي كما عرفناه وخبرناه لايطيق سماع صوت من يخالفه ويعارضه بل ولا صوت من ينتقده مجرد الإنتقاد .. إنه لا يطيق إلا سماع أصوات المديح والثناء والتعظيم والتفخيم .. وكل من يعارضه أو ينتقده وينتقد شعاراته وسياساته أو ينتقد نظامه فهو بزعمه إما مجنون أو مريض حريته تهدد أمن المجتمع الجماهيري الحر السعيد وأمن قائده المفكر الفريد ومن ثم يجب عزله وحجزه حتى يقضي عليه الموت كما هو حال الكثير من أصحاب الرأي في الجماهيريه العظمى وما قضية " الجهمي " و " المنصوري " عنا ببعيد .. وإما أنه خائن أو عميل أو مرتد حياته تهدد أمن المجتمع الجماهيري الحر السعيد وأمن قائده المفكر الفريد ومن ثم يجب قتله وسحله وتصفيته جسديا ً وما قضية تصفية الكاتب الليبي " ضيف الغزال " عنا ببعيد !
إن حرية التفكير وحرية التعبير وحرية الرأي والنقاش القكري والتدافع السياسي الحر والحضاري وحرية النقد والمعارضه للقياده السياسيه .... هذه الحريات الأوليه الأساسيه هي أساس أي نظام ديموقراطي أي كان شكله وأسمه ومالم تتحقق هذه الحريات وتتوفر بشكل حقيقي وفعلي وآمن في الواقع المعاش والملموس تشهد لتوفره كل الجهات المحايده وكل عقلاء العالم فإن الإراده الشعبيه ـ إرادة الجمهور أي الأغلبيه ـ لن تتحقق .. ففي ظل القمع الفكري والسياسي وقداسة شخص وفكر القائد الأوحد والأبدي والمعصوم وظل وثيقة كوثيقة الشرعيه الثوريه ووجود منظمة إرهابيه {بوليسياسيه} كحركة اللجان الثوريه يصبح الحديث عن الديموقراطيه هو مجرد هراء وكلام في الهواء سواء قصدنا بها الديموقراطيه النيابيه المعلومه أوحتى تلك الديموقراطيه الشعبيه المزعومه ؟؟ . بل مالم تتوفر هذه الحريات في الواقع بالفعل وعلى رأسها حرية التعبير فإن كتابة الدساتير وحشد الجماهير وإقامة البرلمانات والسماح بتأسيس الأحزاب والجمعيات وصناديق الإنتخابات لا أساس لها من الصحه و لن تكون في الحقيقة إلا مجرد جسم ميت بلا روح وبلا حياة وبلا أثر حقيقي في الواقع ولا تعدو سوى شكل بلا مضمون بل قد تتحول إلى مجرد {ديكور} يتزين به ويتجمل كل طاغية { دكتاتور} ؟؟
فلننظر إلى الواقع في ليبيا اليوم .. واقع الجماهيريه العظمى ـ أول جماهيريه في التاريخ ؟ ـ واقع الممارسه .. واقع حرية التعبير .. حرية النقد والمعارضه الفكريه ... إننا سنجد وللوهلة الأولى وضعا ً غريبا ُ وعجيبا ً... وضعا ً سيئا ًللغايه .. فالنظام الذي يدعي ليل نهار أنه أعطى الشعب الليبي ماهو أكثر من حرية التعبير وهو حرية التقرير.. ويدعي صاحبه ـ صاحب هذا النظام ـ في كتابه الأخضر أن الديموقراطيه هي الحكم الشعبي لا التعبير الشعبي هو أول من يسد على المواطنين منافذ حرية التعبير ؟؟ ... فإذا كان بوسع أي مواطن بريطاني أو كاتب بريطاني مثلا أن ينتقد ـ بالكلم والقلم ـ أداء قيادته السياسيه المتمثله حاليا ً في شخص رئيس الوزراء المنتخب { توني بلير } بل ويمكنه أن ينتقدها بشئ من الحده والشده يل وربما يتهمها بالخيانة أو التبعيه بل ويدعو بشكل علني للخروج في مظاهرة للإحتجاج على تصرفاتها بل يمكنه أن ينتقد النظام السياسي ككل ويتهمه بالعجز والفشل بل ويدعو إلى تغييره؟؟ ... ثم يظل هذا الكاتب وهذا المواطن البريطاني ـ وعلى الرغم من إبدائه هذا الرأي ـ آمنا ً في بيته وأهله وسربه معاف في بدنه حاصلا ً على قوت يومه فكيف هو حال المواطن الليبي والكاتب الليبي في الجماهيريه العظمى؟؟ ... هل يمكن لهذا المواطن أو هذا الكاتب { الجماهيري الحر السعيد ؟؟} أن ينتقد { الأخ القايد العقيد } وينتقد أفكاره ونظريته أو ينتقد سياساته وتوجهاته أو يطالبه بالتنحي عن القياده السياسيه وإتاحة الفرصه لغيره من الكفاءات الليبيه المقتدره ثم يظل ـ بعد إعلان هذا الرأي الناقد والمعارض ـ آمنا ً في بيته وأهله وسربه معاف في بدنه حاصلا ً على قوت يومه ؟؟ ... هل يمكن تصور حدوث مثل هذه {الخوارق في مجال حرية النقد والتعبير} في ظل المجتمع الجماهيري الحر السعيد ! .. والشعب السيد الوحيد !.. وفي ظل قيادة {الأخ القائد العقيد} وفكره ألأممي النهائي الفريد ؟؟ ..هل يمكن ؟
الواقع في جماهيرية العقيد { السعيده } يصرخ بغير هذا ؟؟ .. الواقع يقول أن مواطنا ً ليبيا ً {عضوا ً في المؤتمر الشعبي ؟} يدعى {فتحي الجهمي} أراد أن يعبر عن رأيه فتوجه إلى المؤتمر الشعبي الأساسي {المنشيه} بطرابلس ـ لا حمل السلاح ولا شكل حزبا أو تنظيما ً سريا ُ ؟ ـ وقال رأيه ـ بكل صراحه وشجاعه ـ في {تصرفات الأخ العقيد و حالة النظام الجماهيري الفريد} فكيف إستقبل النظام الجماهيري الحر السعيد هذا الرأي من {عضو المؤتمر} وكيف تعامل مع صاحب هذا الرأي ؟ .. ألم يؤخذ به بالنواصي والأقدام وألقي به في أمه الهاويه وما أدراك ماهي ؟؟ .... ومواطن ليبي آخر .. وهو مثقف وكاتب .. يدعى { عبد الرزاق المنصوري } شاهد ماجرى من نقاش حاد في المؤتمر الشعب العام بين أزلام اللجان الثوريه ومرشح {سيف القذافي} للجنه الشعبيه العامه {شكري غانم} فكتب مقالة يعبر فيها عن رأيه قائلا ً ومتسائلا ً : {متى يأتي صاحب المفاتيح ؟} ويعني العقيد القذافي فماذا كان مصيره ونتيجة تعبيره ؟؟ .. أٌخذ هو الآخر بالنواصي والأقدام وحـُمل إلى المجهول ؟؟ ... ومواطن ليبي آخر .. وهو كاتب بل وكان عضوا ً في حركة اللجان الثوريه {ذات التاريخ الأسود من الإرهاب} .. أكتشف من خلال تجربته مع هذه الحركه القمعيه المكروهه ومن معايشته لها منذ إنضمامه إليها منذ نعومة أظافره أي منذ أن كان من أطفال {سواعد وأشبال الفاتح} أنها ليست في الواقع سوى بؤرة للفساد والإرهاب المنظم فبادر بكل شجاعة إلى كشف حقيقتها وإلى التبرأ منها .. فكانت شهادته مهمه وتاريخيه لأنها تقع ضمن { وشهد شاهد من أهلها ؟} ولعل هذا ما أغاظ القوم منه أشد الغيظ فلم يمهلوها طويلا ً فبادروا إلى إختطافه وتعذيبه وقتله بطريقة غاية في البشاعه والإجرام ثم ألقوا جثته في مكب للنفايات ؟؟ .. وهم ما فعلوا ذلك وما قتلوه بهذه الطريقه الوحشيه إلا عن قصد وعمد ليبعثوا برسالة {إرهابيه} لكل من يسول له ضميره من أعضاء اللجان الثوريه أن يحذوا حذوه في هتك أسرار هذه المنظمة الإجراميه ذات التاريخ الأسود المعروف والبراءة منها .. وهم بالتأكيد ما أقدموا على هكذا خطوة إلا بعد أن حصلوا على الضوء الأخضر من زعيمهم ومعلمهم الأكبر الذي علمهم الظلم والطغيان .. والله المستعان .. فهذه هي حالة حرية التعبير في الجماهيريه العظمى فكيف يــُتصورـ والحالة هذه ـ إمكانية أن يعبر المواطنون بكل صراحة وأمان عن حقيقة مايحسون به وما يريدونه بالفعل سواء داخل هذه المؤتمرات الشعبيه أو خارجها ؟؟ .. كيف يمكن لحرية التعبير أن تتوفر في مثل هذه الأجواء الإرهابيه الخانقه والقاتله ؟؟ .. وهل يمكن ـ بعد ذلك ـ الحديث عن حرية التقرير ؟؟ .. هيهات .. هيهات ..؟؟
وإلى اللقاء ........
سليم نصر الرقعي 10 ـ 12 ـ 2005
|