
الكاتي الليبي:
فرج أبوالعشة
fbuasha@yahoo.com
حول المجتمع المدني.. والمعارضة!
قرأت
مقال السيد عيسى عبد القيوم عن "مؤسسات المجتمع المدني".السيد عيسى يلجأ
في كتاباته دائما إلى منطقة رمادية يرتاح لها،وذلك من حقه بطبيعة
الحال.لكني سأحاول،في ردي على مقاله،دعوته للخروج من منطقته المفضلة إلى
مساحة الحوار الواضح المفتوح.
قدم
السيد عيسى لمقاله بتعريف خاص به لمؤسسات المجتمع المدني،على أنها
تختلف:"عن الأحزاب السياسية كونها لا تستهدف ـ فى الجملة ـ المشاركة أو
الإستفراد بالسلطة بصورة مباشرة .. وكذلك يميزها إستقلالها الكامل ـ من
حيث التمويل والإدارة ـ عن المنظومة السياسية ( حكومات أو معارضة ) مما
يجعل خدماتها غير مُسيّسة أو مُجّيرة لجهة بعينها.. وإن كانت إمتدادات
حراكها ستخدم ـ على نحو ما ـ من سيتفق أو يتقاطع مع أفكارها أو مواقفها
.. لكونها تقف فى المساحة الواقعة بين الدولة والمجتمع .. أو بين الشعب
ودوائر صنع القرار السياسي .. وعلى مسافة ثابتة.."
لعله من المفيد التذكيربأن التعريفات التي تحدّد المجتمع المدني،
ليست،تعريفات،قاطعة.ولا يوجد إلى الآن تعريف جامع مانع لمفهوم المجتمع
المدني ومؤسساته.وهناك فهم واسع يعتبر الأحزاب من ضمن مؤسسات المجتمع
المدني.وبالتالي فإن محاولة جعل مؤسسات المجتمع المدني مستقلة عن
المعارضة،أي عن النشاط المعارض ضد الاستبداد السياسي.تبدو مداورة والتفاف
على المفهوم.ولست هنا لمناقشة السيد عيسى حول مفهوم المجتمع المدني،فهذا
حديث طويل ومتشعِّب.ولكني سأُقصر ردي على موقف السيد عيسى
التشكيكي،والعدائي أحياناً،حيال المؤتمر الوطني،وتنظيمات المعارضة
الوطنية ككل،من حيث علاقاتها بمؤسسات المجتمع المدني في أوساط الجالية
الليبية.فقد أشار السيد عيسى إلى تميز مؤسسات المجتمع المدني
بـ:"باستقلالها الكامل ـ من حيث التمويل والإدارة ـ عن المنظومة السياسية
( حكومات أو معارضة ) مما يجعل خدماتها غير مُسيّسة أو مُجّيرة لجهة
بعينها..".وهو تحليل يجانبه الصواب.صحيح أن حرية مؤسسات المجتمع المدني
مشروطة بإستقلالها عن الحكومات.لكن السيد عيسى يضيف إليها المعارضة،وهي
مغالطة مكشوفة.ومن الواضح أن القصد من وراء مقدمته"المتفلسفة"حول المجتمع
المدني ومؤسساته،هي محاولة إقصاء المعارضة عن مؤسسات المجتمع المدني،بحجة
رفض الوصاية السياسية.وكانت روح الإقصاء،لديه،كانت واضحة في تهجّمه على
تنظيمات المعارضة،والمؤتمر الوطني بشكل خاص!وذلك يعيدنا إلى ندوة غرفة
"ليبيا المستقبل" يوم السبت 12 نوفمبر 2005.وفي الجزء الذي دار حول موضوع
مؤسسات المجتمع المدني الليبي في المهاجر.حيث تهجّم السيد عيسى عبد
القيوم على المؤتمر الوطني بدون مبرّر منطقي! هل لأن المؤتمر الوطني
يحاول إحداث حالة حراك في الجالية الليبية من خلال خلق مؤسسات مجتمع مدني
ليبي في المهجر،يعكس للشعب الليبي صورة،ولو مصغرة،عن مؤسسات المجتمع
المدني الحر،الذي نحلم به لليبيا المستقبل،الديموقراطية المتحررة من نظام
القذافي الاستبدادي،بقضه وقضيضه(وإن كان هناك من هم محسوبون على
المعارضة،لا يروقهم تعبير بقضه وقضيضه).ولم يمر أكثر من يومين حتى ظهر
السيد عيسى بمقاله عن "مؤسسات المجتمع المدني" ليوسع به موقفه غير المبرر
من المؤتمر الوطني،وكان كأنه يريد أن ينثر الغبار في كل اتجاه،لا ندري
لماذا؟!.لقد حاولت إفهامه،خلال الندوة،أن لجنة حقوق الإنسان والمجتمع
المدني بالمؤتمر الوطني،ليست منظمة لحقوق الإنسان،وإنما هي مجرد لجنة
للتنسيق والتعاون بين منظمات المجتمع الليبي القائمة في المنفى من أجل
تعزيزها ودعمها،علاوة على العمل من أجل تأسيس منظمات وروابط وجمعيات أخرى
تعزز حركة المجتمع الليبي في المهاجر في سياق الثوابت الوطنية التي عبر
عنها المؤتمر الوطني في رفض التعامل أو التصالح أو التحاور مع النظام أو
الرهان على إصلاحه.وقد كان من ضمن أولوياتنا العمل على خلق جمعية أو
رابطة للمثقفين والكتاب والصحفيين الليبيين في المهجر،تقدم الوجه الحقيقي
للمثقف الليبي الحر،وتساهم بالنضال السياسي،فكرا وإبداعا،في سبيل إنهاء
نظام الاستبداد الفاشي،وقيام ليبيا الديموقراطية الدستورية،وذلك وفقا
لتوصيات المؤتمر الوطني بشأن الاستثمار الوطني في الجالية الليبية.وحاولت
إفهام السيد عيسى بأن المؤتمر الوطني ليس حزبا أو تنظيما سياسيا،كما
يحاول هو أن يوحى.فالمؤتمر الوطني بمثابة برلمان لقوى المعارضة
الليبية،تنظيمات وأفراد ومؤسسات مجتمع مدني.وكما أن فلسفة البرلمان،في
الدول الديموقراطية،مبنية على وجود دستور يُكسبه الشرعية،ويضع الثوابت
والضوابط المُلزمة.فإن البرلمان(المؤتمر) الوطني للمعارضة الليبية،قائم
على ثوابت وضوابط مُلزمة لكل من ينتمي إليه من تنظيمات وأفراد ومؤسسات
مجتمع مدني.ونثبت هنا خلاصة هذه الثوابت لتذكير من يكون قد نساها أو
تناساها،في خضم محاولة الالتفاف على المؤتمر،ومحاولة نقضه،وهي:" 1ـ تنحي
العقيد معمر القذافي عن كافة سلطاته وصلاحياته الثورية والسياسية
والعسكرية والأمنية، ورفض أسلوب التوريث.
2ـ
تشكيل حكومة إنتقالية، في داخل البلاد، من عناصر مشهود لها بالوطنية
والنزاهة لإدارة البلاد لمدة لا تزيد عن سنة واحدة، تكون مهمتها الأساس
العودة بالبلاد إلى الحياة الدستورية، عن طريق الدعوة إلى انتخاب جمعية
وطنية تأسيسية تقوم بمراجعة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة وإحداث
التعديلات المناسبة حياله، وعرضه على الشعب الليبي في إستفتاء عام.
3ـ
اقامة دولة دستورية ديمقراطية مؤسسة على التعددية السياسية والثقافية
والتداول السلمي للسلطة، تكفل الحريات الاساسية وحقوق الإنسان، وترسى
قواعد العدل والمساواة وتكافؤ الفرص لكافة أبناء الوطن بدون أي تمييز،
وتصون الثروات الوطنية وتنميها، وتقيم علاقات خارجية متوازنة مؤسسة على
الإحترام المتبادل."
وعلى
أساس تبني هذه الأسس والإلتزام بها،تحتفظ التنظيمات السياسية والأفراد
المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني،المنضويين تحت سقف المؤتمر
الوطني،بالاستقلالية التامة في ممارسة الأنشطة السياسية والثقافية
والفنية والمهنية،الخاصة،دون تدخل من المؤتمر الوطني،الذي لا يملك،أصلا
حق التدخل في شؤون وخصوصيات أعضائه،أكانوا تنظيمات أو مؤسسات أو
أفرادا.فما يربط أعضاء المؤتمر بالمؤتمر هو إلتزامهم بالثوابت الوطنية
التي ألزموا أنفسهم،أمام ضمائرهم وأمام الشعب الليبي،بعدم الخروج
عليها.إذ في حالة خروج عضو المؤتمر عن أسسه الثابتة،يكون تلقائيا قد خرج
من عضوية المؤتمر.وذلك من حقه بطبيعة الحال.لكن ليس من الطبيعي أن يُبقي
عضو(فردا،تنظيما،مؤسسة) على عضويته في المؤتمر،ويقوم،في الوقت
نفسه،بمحاورة النظام أومصالحته أو حتى بدعوى محاولة إصلاحه.
كما أنه
ليس من الطبيعي أن يريد السيد عيسى للمعارضين أن يشكلوا مؤسسات مجتمع
مدني بعيدا عن المعارضة،أو مستقلة عن العمل المعارض.نفهم أن تكون مؤسسات
المجتمع المدني مؤسسات مهنية مستقلة عن الحكومات والممارسة السياسية
المباشرة،لكن ذلك يحدث داخل دولة ديموقراطية.أما الليبيون في
الخارج،المعارضون تحديدا،فهم يعيشون في المنافي،ويُفترض أنهم
في حالة نضال مستمر.وعليه من الطبيعي أن تكون
كل تنظيماتهم ومؤسساتهم في خدمة نضالهم.فعلى سبيل المثال،شكّل بعض
الأطباء الليبيين،وهم حفنة قليلة،جماعة أو رابطة أو جمعية وادعوا أنها
مهنية صرفة،ثم انتهى بهم المطاف إلى المشاركة في مؤتمر برعاية عائشة
القذافي التي وظفتهم للدعاية لنظام والدها وعائلته،لإيهام الشعب الليبي
أن ليس للّيبيين في الخارج مشكلة مع النظام،فها هم أبناء القائد الأوفياء
من الأطباء يأتون من كل فج عميق لخدمة جماهير المؤتمرات الشعبية في أول
جماهيرية في التاريخ.وها هم يبعثون برقية عهد ووفاء للقائد ويقفون خشوعا
عند تلاوتها.وعلى هذا المنوال فإن استهداف النظام لفئات الجالية
الليبية،من أطباء ومهندسين ومثقفين،وغيرهم،مستمر،من أجل تدجين الجالية
وجعلها مجرد جالية مغتربة،لا علاقة لها بالعارضة.ولذلك ندعو،من خلال لجنة
حقوق الإنسان والمجتمع المدني،المنبثقة عن المؤتمر إلى تشكيل رابطة
للأطباء الليبيين الشرفاء الذين يرفضون أن يبيعوا وطنيتهم وسمعتهم لنظام
الشر بذريعة القسم الطبي.وليس لنا دور سوى واجبنا في التعاون والتنسيق
والدعم.وكان أن دعونا،ولا زلنا،إلى تشكيل رابطة للمثقفين والكتاب
والصحفيين الليبيين،تلتزم بالثوابت الوطنية التي أقرها المؤتمر
الوطني،الذي هو ليس تنظيما سياسيا،كما قلنا،أو جماعة مهيمنة كما يحاول
عبد القيوم الإيحاء.ثم ما الخطأ أن يدعو المؤتمر الوطني إلى تشكيل منظمات
وروابط وجمعيات للمثقفين والأطباء والنساء،من أجل رص صفوف الليبيين في
مواجهة الإستبداد؟!
ما
الخطأ في أن يُعاد إحياء اتحاد الطلبة،من أبناء جيل المعارضة الذين كانوا
طلبة وأصبحوا آباء لطلبة،تحت شعار وطني واضح وبسيط،يربط حرية ليبيا
بالخلاص من القذافي ونظامه.الحركة الطلابية واتحاد الطلبة الليبيين في
الخارج كان العمود الفقري للمعارضة الوطنية،في داخل ليبيا وخارجها،وكان
مرتبط إدارة وتمويلا بالمعارضة الوطنية.وعلى افتراض أن الحركة الطلابية
في السبعينات كانت قد التزمت بمفهوم "استقلال" المجتمع المدني عن
المعارضة،كما تطرحها معايير عبد القيوم،لما قامت الحركة الطلابية الليبية
بدورها الوطني النضالي.
ختاماً
يبقى القول أن من حق السيد عيسى عبد القيوم أن يدعو إلى تكوين رابطة أو
منظمة للكتاب والصحفيين الليبيين،وبالطريقة التي يشاء.
ولكن كما من حقه أن يجمع حوله من يشاء من
المؤمنين بفلسفته السياسية،
من حق الآخرين،
من المثقفين الليبيين المتمسكين بالثوابت الوطنية،
كما أقرها المؤتمر،
أن يتجمعوا في رابطة أو جمعية،
لها ثوابتها السياسية
المجمع عليها،
ولها دورها النضالي وبرامجها وأنشطتها
الثقافية والفنية والإبداعية،
التي تمارسها وتنشّطها بكامل الحرية والإستقلالية.