12/01/2000


     


وماذا بعد !!…
 
(الجماهيرية) .. حقوق الإنسان … والكيل بمكيالين !!
 
بقلم: بقلم: السنوسي بلالة


 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
إن سياسة غضّ النظر التي تمارسها الدول الكبرى إزاء العديد من القضايا الهامَّة والملحَّة، مثل قضايا حقوق الإنسان، في كثير من دول العالم الثالث، مقارَنة بإهتمامها الدؤوب بمسار بعض القضايا الأخرى التي ليس لها نفس القدر من الأهمية والإلحاح، لأمر يدعو للإستغراب إن لم نقل الإستهجان على وجه أصح.
 
ويتّسع نطاق إعطاء الأمثلة بشأن هذه الإسقاطات الدولية –إن شئت القول- على جميع أرضيات معاناة البشر سواء في العراق أو ليبيا أو السودان أو غيرها. ونظراً لعلاقة بعض تلك القضايا الهامَّة بما يُسوَّق له على صعيد دول العالم الثالث بالذات تحت شعار النظام العالمي الجديد، وتماهياً منا مع إحدى أهم طروحاته (في أخريات هذا القرن) نتطرّق هنا –في نفس سياق الإسقاطات- إلى قضية حقوق الإنسان في هذه الدول من خلال تكريسنا ليبيا نموذجاً، يمكن لنا التعريج على بعض أوجه معاناته، لنلمس عن كثب الإسقاط الدولي بحق هذه القيمة. أو بمعنى آخر لنعرف هل نالها من الإهتمام مثل ما نال غيرها من القضايا العالقة، ما بين السلطة الحاكمة في ليبيا والكتلة الدولية، خاصّة في ضوء ما حدث ويحدث من انفتاح غربي على (الجماهيرية) بشكل لافت. !!
 
ترِد على ذهن المرء في سياق ما سلف بعض صور المفارقات والمواقف الجديرة بالإشارة، ليس فقط تلك التي تختص بخطوط تماس الدول الكبرى مع ليبيا، بل أيضاً تلك المعنية بتماس مصالح دول أخرى من المنظومة الأوربية والعربية، شاء لها (حظ) التعامل مع السلطة الحاكمة في ليبيا، بشكل أو بآخر، أن تقع في بعض مطبّات السياسة، التي لابدّ أو لا مفر لها من مواجهتها أو الإصطدام بها في دهليز تعاملها هذا. ومن ذلك مثلاً:
 
• تسليم السلطات النمساوية بداية عام 1999م. لبعض طالبي حق اللجوء السياسي الليبيين إلى السلطات في ليبيا، في إطار التعاون الأمني بين البلدين –على حساب حقوق الإنسان-.
 
• قرار ليبيا المفاجئ في بداية شهر أبريل لعام 1999م. بشأن تجميد جميع التغطيات المالية المتعلِّقة بالعمليات التجارية مع هولندا، بسبب قيامها بمنح حق اللجوء السياسي لمعارِض ليبي كان ضابطاً بالجيش قبل فِراره من البلاد عام 1998م.
 
• محاولة استراليا يوم 1/12/1999م. تسليم اثنين من الليبيين، إلى السلطات الليبية، أحدهما صحبة زوجته التي وضعت أحد أطفالها داخل معتقل اللاجئين باستراليا. وقد تأجل ترحيلهم لبعض الوقت بسبب مساعي منظمة العفو الدولية (أمنستي) وبفضل الجهود المكثَّفة للمعنيين بحقوق الإنسان، هنا وهناك.
 
• قيام بعض دول عربية –آسيوية وأفريقية- تحت شعار (مكافحة الإرهاب) بتسليم ليبيا مواطنين ليبيين وعائلاتهم لجأوا إليها. حيث تم الخلط هنا، بسبب المصالح، بين شأن أمن الدولة الداخلي وحق اللجوء السياسي للأفراد.
 
• إستخدام أمريكا لمقولة (دعم الإرهاب) كورقة ضغط تلعب أو تلوِّح بها –فقط- وقت الحاجة، في وجه بعض الحكومات والأنظمة (القمعية) خاصّة في إطار دول العالم الثالث. ما أفقدها بالتالي الكثير من الأبعاد المعنوية ذات التأثير على المتلقّي من شتّى الأطراف وفي شتى البقاع، حيث أصبحت تلك المقولة وفقاً لذلك غير ذات بال أو معنى، لا بل إنها بهتت تماماً وإنعدم تأثيرها في مواجهة أنظمة معيَّنة مثل نظام العقيد القذافي.
 
ومن ضمن المفارقات الذاتية للسلطة الحاكمة في ليبيا، على صعيد قريب آخر، الإعلان عن تفاعلها السياسي (والإعلامي المُبَالَغُ فيه) مع الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية (ومن بينها وكالة جانا) الخاص بإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين الكوبيين الذين أمضى البعض منهم ما بين ثلاثين إلى أربعين عاماً رهن الإعتقال. وقد تعاطفت السلطة مع هذه الأنباء وتحمَّست لها مثل ما تفاعلت مع قضية الزعيم الكردي عبد الله أوجلان الذي تم تسليمه إلى تركيا من قبل، في عملية مشبوهة، وصفها العقيد القذافي وقتها بأنها "عملية تسليم رخيصة بشأن مناضل وطني". دون أن يرف للسلطة جفن وهي ما تزال تعتقل عدداً كبيراً من المواطنين الليبيين (من معتقلي الرأي والضمير) لمدد تجاوزت ربع قرن من الزمان من جانب، وتختطف بعض المواطنين الآخرين وتخفيهم قسراً، منذ سنوات، مثل ما حدث مع السادة جاب الله مطر وعزّات المقريف ومنصور الكيخيا من جانب آخر. الذين لم تشفع لهم جميعاً كل تقارير وشكاوى منظمات وهيئات حقوق الإنسان، التي ذهبت جهودها ومكاتباتها مع السلطة بشأنهم أدراج الرياح. وأيضاً في ذات الوقت الذي قامت فيه السلطات الأمنية بتسليم جثث عدد من معتقليها السياسيين إلى ذويهم في صناديق مغلقة طالبةً منهم عدم فتحها أو الكشف عنها مطلقاً، وقد توالت بعض عمليات التسليم هذه متزامنة مع سماع زخّات أعيرة نارية، مكثَّفة أحياناً، داخل مدن بنغازي وطبرق على وجه خاص خلال شهر نوفمبر عام 1999م. في ظل تعتيم شديد من جانب السلطة، حيث لا يعلم المواطنون مما يجري حولهم شيئاً. وقد أدَّت كثافة حوادث إطلاق النار المتعدِّدة خلال أيام ذلك الشهر إلى إرباك أجهزة السلطة الأمنية، ما دفعها إلى تعطيل حركة المرور والسفر عبر المنافذ والحدود البرّية وخاصة مع جمهورية مصر لعدَّة أيام متتالية.
 
ومن مفارقات هذا السياق أيضاً تصريحات رأس السلطة الحاكمة، العقيد معمر القذافي، بين الحين والآخر بشأن حقوق وحرّيات الإنسان في ليبيا. ففي الوقت الذي يتباهى فيه العقيد بإنجاز "أول جماهيرية في التاريخ" كما يحلو له أن يكرر دائماً، وفي الوقت الذي يقول فيه بأن جماهيريته هي "النعيم أو الفردوس الأرضي (المفقود) الذي بحث وتحدّث عنه الفلاسفة منذ القدم…". نجد أن العقيد يضيف إلى ذلك كله خلال لقائه بما يُسمَّى (فعاليات القيادات الشعبية) الذي عُقِد بمدينة سرت يوم 30/9/1999م. بالحرف الواحد: "… إنه ليس في ليبيا سجن ولا سجين سياسي (…) ليس هناك مساجين، ومَنْ هم في السجن الآن عبارة عن مجرمين وتجار مخدّرات، والزنادقة الذين درَّبتهم المخابرات الأمريكية في افغانستان، والذين تحاربهم الآن كافّة دول العالم…". وهو نفس المعنى وبالحرف الواحد أيضاً الذي أعاده وأكد عليه خلال المقابلة التلفزيونية المطوَّلة التي أجراها مع قناة (دُبي) الفضائية مساء يوم 2/1/2000م. حيث قال: "… ليبيا تدخل الألفية الثالثة وهي ليس فيها سجين رأي ولا ضمير، ولا سجين سياسي إطلاقاً. وما هو موجود الآن بالسجن هم ما بين زنديق وتاجر مخدّرات…".!!
 
وأمام هذا الكلام واستناداً إلى ما لدينا من معلومات وأدلَّة موثّقة، لابدَّ من أن نشير، في هذا المقام، إلى بعض مكونات ذلك الخطاب من خلال النقاط التالية:
 
أراد العقيد القذافي من خلال تلك الصياغة تسفيه (وتكذيب) تقارير منظّمات وهيئات وروابط حقوق الإنسان في العالم، وعلى رأسها (أمنستي) التي ما انفكَّت تصدر بياناتها تباعاً، فاضحةً ممارسات إرهاب السلطة ضد مواطنيها، في الداخل والخارج.
 
محاولة العقيد القذافي ركوب موجة محاربة التطرف والإرهاب (العالمية) من خلال العزف على وتر محاربة مَنْ وصفهم وأسماهم بالزنادقة، ويقصد بهم الجماعات الدينية التي دأبت السلطة على التنكيل بأفرادها منذ عام 1989م. وإلى ذلك أيضاً محاولته (القذافي) تسفيه قضايا النضال الوطني وتشويه صورتها وسمعتها أمام الرأي العام المحلّي والعالمي -عبر وسائل إعلام السلطة- في محاولة رديئة لجعل المناضل، في نظر الآخرين، عبارة عن مجرم أو زنديق أو تاجر مخدّرات.
 
يعتبر كلام العقيد القذافي هذا مؤشِّراً خطيراً إذا ما نظرنا إليه (من زاوية حادَّة) في ما يتعلّق بقوله بعدم وجود مساجين سياسيين، فهذا يعني –من زاوية النظر تلك- أحد أمرين: إمّا إنه تم تغيير صفة أو تصنيف أولئك المعتقلين داخل معتقلاتهم بحيث تم نقلهم أو تحويلهم من خانة السـياسيين (أو المناضلين) الوطنيين إلى خانة أو فئة المجرمين والقتلة وتجّار المخدرات، في إطار حملة تشويه وتسطيح القضايا الهامة. أو إنه لا يوجد معتقلون سياسيون فعلاً، وما نعنيه بقولنا هذا هو إنه ربما تكون قد تمّت تصفيتهم جسدياً داخل السجون والمعتقلات، ومن ثَمَّ فلا عجب في قوله بعدم وجود معتقلين سياسيين. ويستند ترجيح هذا القول –إن شئت- إلى تحريضات العقيد المستمرة للِّجان الثورية لتصفية خصومه السياسيين –أعداء سلطة الشعب، بحسب قوله- وتجاوب (المفارز) الثورية مع هذا التحريض من خلال ترديدها شعار "سير ولا تهتم … يا قائد صفَّيهم بالدم" في ضوء ما دعا إليه عام 1989م. في هذا الخصوص قائلاً: "…على كل عائلة ليبية أن تفهم إذا قالوا لها أن إبنها دخل هذه الحركة (الدينية) وأُدِين بالإنتماء إليها، .. مثلما يقولون لها فيه السرطان (…) فإذا قالوا لك إن واحداً من عائلتك وجدناه في هذه الحركة، إعتبره أُصيب بمرض الأيدز … معناها انتهى، ولا يمكن أن تشفع فيه شفاعة الشافعين، وإنه زنديق وبالتالي لابدَّ من سحقه". وما تزال مثل تلك الدعوات تنضح عبر جنبات خطاب السلطة حتى يومنا هذا.
 
ولا ينبغي في هذا السياق التغافل عن ذكر، أو التذكير بواقعة شهر يوليو/تمّوز من عام 1996م. حيث دكَّت مدافع السلطة مبنى سجن أبو سليم بطرابلس إخماداً لتمرد كان المعتقلون السياسيون قاموا به احتجاجاً على سوء أوضاعهم (النفسية والمعيشية) داخل هذا السجن، خاصَّة وأن أغلبهم يقبع هناك منذ سنوات وآماد طويلة دون أن يتعرّض للمحاكمة أصلاً. وقد أعقب دك ذلك السجن، حرمان المعتقلين من حق الزيارة وبقية الحقوق الأخرى، ما انعكس بالطبع بعد مرور السنوات، على الأوضاع الإجتماعية لمعظم عائلات المعتقلين، حيث ظهرت على السطح مشاكل لا حصر لها مثل مسائل الميراث والطلاق وغيرها، حيث لم يُعرف مصير معتقلي سجن أبو سليم منذ ذلك اليوم (هل هم أحياء أم أموات). !! وهو السؤال الذي تضمنته كافة تقارير منظمات حقوق الإنسان العربية والعالمية، ورفضت السلطة الحاكمة في ليبيا الإجابة عليه حتى الساعة. على الرغم من ورود الأخبار المؤكدة، والتي تناقلتها وكالات الإعلام العالمية خلال شهر يناير من 2000م. الخاصّة بإنتشار مرض السل بين المعتقلين وفتكه بأرواح العديد منهم.
 
وعود على بدء، وفي هذا الإطار أيضاً، واستناداً إلى هذه المعطيات وغيرها (وخاصّة خطاب العقيد المشار إليه –30/9/1999م.-) ينبغي على الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، سرعة التحقق من مضامين وأبعاد تصريحات رأس السلطة، حيث يُفتَرَض أخلاقياً وبحكم منصبه هذا لا يقول إلاَّ صدقاً. وإذا ما كان قِيل هو الصدق بعينه، فتلك فعلاً طامّة كبرى. ولكن لتفادي الوقوع في خطأ الإجتهاد (أو التخمين) تصبح المنظّمات الدولية المعنية هنا، مُطالَبة بالرد على العقيد القذافي، إما لإثبات صحة تقاريرها، خاصّة تلك الصادرة مؤخَّراً، أو للإعتذار سلفاً وعلناً إزاء ما صدر عنها من معلومات غير صادقة بشأن حقوق الإنسان وحرّياته الأساسية في ليبيا.
 
12 يناير 2000م.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com