08/12/2002


     


... كلماتٌ على هامشِ ذكرى التغييب
 
بقلم: بقلم: السنوسي بلالة


 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
يصادف يوم العاشر من شهر ديسمبر لعام 2002م. حلول ذكرى إختطاف داعية حقوق الإنسان الأستاذ منصور رشيد الكيخيا. ويبدو أنه في ظلِ مرضِ وهنُ الشعورِ، الذي أصاب الضمير الإنساني العالمي –بما في ذلك الضمير العربي "الليبي" بالطبع- لم يُعد في مقدور البعض منا إلى الآن -ويا للأسف- سوى محاولة تذكير البعض الآخر بإسقاطات هذه الذكرى المؤلمة، ومحاولة الإفادة منها، طالما أننا ما نزال نراوح –بصورة أو بأخرى- في مضمار النضال الوطني، ومحاولة استحلاب ذكرى الحدث الآنية والمستقبلية، وبخاصة في ظل ما يجري تسويقه أو بلهجة أقل حدة، ما يجري النظر إليه وتعامُل البعض معه، خلال هذه المرحلة من النضال الوطني الليبي، ونعني به تحديداً موضوع الحوار.
 
إن محاولة إتكاء البعض -ولو ضمنياً- على عكّاز منصور الكيخيا، ضمن مقدّماتِ طروحةِ صيغتهِ التحاورية مع السلطة، يُعدُّ في ذاته تعدّيا على فلسفة الأستاذ السياسية، ومن ثَمَّ الديبلوماسية. فقد بنى الأستاذ الكيخيا، أو أن رؤيته ذاتها، أنبنت ذاتياً بفعل تراكمات تجاربه وخبراته الطويلة عبر رحلة حياته المهنية والدبلوماسية والسياسية، فجاء سلوكه ورصيد عطاءاته المختلفة، نتاجاً طبيعياً لكل حواصل تلك المعارف والخبرات، ومن ثم، وهذا الأهم فقد أصبح، وسيصبح، من الصعب جداً على الكثير محاكاته أو تقليده، تماماً مثل ما كان من الصعب جداً، على آخرين، مماحكته إبان صولاته وجولاته على طريق النضال الوطني، وبخاصّة منذ فترة ما بعد منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث أصبح رمزاً مميَّزاً للمكافح السياسي الوطني (والعربي)، في زمن ضاعت وتلاشت فيه كثير من حمولات قيَّم النضال الوطني على امتداد ساحات العالم العربي قاطبة. ولذا فإن محاولة تقمّص دوره أو شخصيته على صعيد النضال السياسي، يُعدُّ من الأمور المنهِكة، وغير ذات الجدوى لصاحبها، لإفتقادها أصالة مكوّناتها وصلابة عودها.
 
لقد تعامل الأستاذ منصور مع الواقعية السياسية بإدراك وفطنة وحضور، من خلال تمثُّله الدائم للتاريخ ووعيه الكامل به، وبما ينسحب على الواقع أو الحاضر من تماثلات تخلعها عليه تبدّلات السياسة وتقلّباتها عبر الأيام. ومن هنا فلم يكن عصياً عليه أبداً، ترجمة قول أن "السياسة هي فن الممكن"، لا بل إن هذه المقولة ذاتها أضحت، في يده، مفتاحاً لكثير من محكمِ ومصدِّ مغاليقِ المواقفِ السياسية الهامة، عبر تاريخه الديبلوماسي –بحكم مناصبه المختلفة- وكفاحه السياسي، باعتباره أحد رموز وقيادات المعارَضة الوطنية الليبية، ناهِيك بالطبع عن طليعيته العربية والدولية، كداعية رائدة وحقوقية بارزة في مجالات حقوق الإنسان، تتميَّز بروح سجالية ذات أفق رحب، وبخاصّة في ساحات الذود عن حياض الديموقراطية، عبر شتى المحافل العربية والدولية، وكشخصية مرموقة لها وزنها وحضورها على صعيد التوجه القومي العربي لفترات زمنية طويلة.
 
كما توافرت لدى منصور سلامة الفطرة وحسن النية، فكان يستعين بالمعلوم للحديث عن المجهول (أبعاد وروئ مستقبلية). وكان في سبيل تقوية هذه العناصر داخل بوتقة فكره السياسي، يميل إلى ممارسة النقد الذاتي من خلال الجلسات العلنية –وليس عبر الدهاليز أو من وراء الكواليس- ويتأمل الأمور على مبعَدَةٍ عن الذاتية والنرجسية المُهلِكة. ويتقبَّل النقد البنّاء في الوقت الذي يتقبّل فيه غيره من أوجه النقد الأخرى، برحابة صدر وسعة أفق قَلَّ نظيرها، لا بل عجز أقرانه عن التحلّي بصفاتها ومناقبها، ليس لإنها صعبة التحقيق والمنال فقط، ولكن لأن ما تمتَّع به منصور من خصالها ومثالبها وفَيضها، كان هبةٌ أسبغها الله سبحانه وتعالى عليه، لم يصطنعها أو يتكلَّف أطيافها وسرابيلها، وهي من ثم على ما يبدو، لم تتوافر لدى أقرانه ومعاصريه بنفس القدر والمواصفات، إضافة بالطبع إلى ما تمتعت به شخصيته من أريحية وقَبول، وعفوية، وعفّة لسان، وصدق مقال.
 
لقد كان محور منهج نضاله الوطني سلمياً، وبالتالي فقد مهتماً إلى حدٍ كبير بموضوع إجراء حوار مع السلطة، لما كان يرى فيه آنذاك من شفاء –أو من مُتَنَفَّس على أقل تقدير- لكثير من الإحتقانات على صعيد الصراع السياسي الوطني، ولكنه كان يرى في المقابل، وبالدرجة الأولى، أن طرفي الحوار هما السلطة والمعارَضة، وليس السلطة "والسلطة" أي إملاءات السلطة، وتصوراتها لسقف حقوق مُعارضيها، أو ممن تسمح لهم السلطة بتسنم جلسات الحوار معها. أي أن اهتمامه بتحقيق هدف الحوار مع السلطة، لم يكن بالقدر الذي يُلغي، أو حتى يمكن له أن يُلغي، الكيان المعنوي للمعارَضة بأية صورة من الصور. لقد كان مهتماً بتحقيق ذلك (الحوار) قدر الإمكان، ولكنه لم يكن مندلقاً على عتبات السلطة من أجله، فقد كان يرتكن إلى القوة المعنوية التي كوَّنت قناعاته ومهّدت أرضية منهجه النضالي وكفاحه السياسي. ولعلّها سابقة في عالم السياسة، تلكم التي يُختَطَف فيها شخص صاحب حوار وداعيةٌ إليه، ولعلَّ في ذلك ما يشير بوضوح إلى مدى ما يُمثِّله عنصر الحوار من وزن لدى السلطة المُراد التحاور معها. !!!
 
وتماهياً مع سالف التلميحات ودلالاتها، فإنه يحق لنا القول إن جريمة الإختطاف والإختفاء القسري للأشخاص، هي من الجرائم الدنيئة والمبالِغة في الوحشية، ولم تعرفها ليبيا على امتداد تاريخها السياسي -إذا استثنينا بعض ممارسات الإستعمار الإيطالي الفاشيستي- وجاءت إليها مع انقلاب الأول من شهر سبتمبر، وذهب ضحيتها عشرات الأبرياء من الليبيين وغير الليبيين من ضيوف البلاد. كما وإن جريمة إختطاف وتغييب الأستاذ منصور الكيخيا على وجه الخصوص لا تمثِّل جريمة في حق الأستاذ منصور نفسه وأسرته فقط، ولكنها جريمة فادحة في حق الوطن ومستقبله، حيث كان وسيظلُّ يُعَوَّل عليه، بما اكتسبه من علم وخبرة وتجربة، أن يلعب دوراً مهماً في حاضر ومستقبل الأحداث في ليبيا، وأن تغييبه إلى الأبد -لا سمح الله- يُعدُّ رِزءاً كبيراً لمسيرة البلاد، فيما بعد إنتهاء الحكم القائم.
 
إن الأستاذ منصور بحكم خلفيته الفكرية وتكوينه السياسي، يعتبَر من العناصر الأكثر إعتدالاً بين رجال المعارَضة الليبية في الخارج، وأشدَّهم إيماناً بالحوار واستعداداً للدخول فيه، وتحمُّل متطلّباته وتبعانه داخل صفوف المعارَضة، وحتى مع النظام ورموزه. وقد بقي على هذا الموقف حتى بعد أن أصبحت تتشكَّل لديه قناعة بأن لا أمل في إصلاح النظام وتغييره من داخله. ونعود لنؤكد أنه من المفارقات البالغة الأهمية أن يتعرَّض الأستاذ منصور للمصير الذي واجهه بسبب هذا الموقف وهذه القناعة، حيث تؤكد هذه الوقائع المتعلِّقة بإختفائه في القاهرة (10 ديسمبر 1993م.)، أنه تم اختطافه عندما كان يتهيأ للِّقاء والحوار مع أحد رموز النظام الغادر. ولعل في هذا درساً ينبغي ألاَّ يُنسى أو يُتجاهَل من قِبل الراغبين في الحوار مع النظام ذاته، وبالطبع فإن أساليب "الإختطاف" و"التغييب" متعددة ومتنوِّعة، حسب الظروف وحسب الأشخاص المستهدَفين.
 
وفي موازاة هذا السياق فإن محاولة تناسي أو تجاهل، أو التقليل من حجم وبشاعة الجرائم التي ارتكبها القذافي ونظامه، ومن بينها جريمة اختطاف وتغييب الأستاذ منصور، هو في حدِّ ذاته جريمة كبيرة في حق الوطن والشعب الليبي ومسيرة نضاله من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.
 
لقد حاولت السلطة القائمة، في المناسبات المختلفة وعبر الوسائل المختلفة أيضاً، أن تتحايل على جريمة تغييب الأستاذ منصور، بالتظاهر بالإهتمام بها والتحقيق فيها، لسحب البساط من تحت أرجل المتابعين لها، وذلك من خلال عدة ممارسات سمجة وممجوجة، منها إلقاء المسؤولية تارة على المعارَضة الليبية ذاتها، وعلى جهات أخرى خارجية تارةً أخرى، وليس في ذلك جديد، فتلك هي طبيعة النظام، والقائم على رأسه، بما عُرِف عنه من مراوغةٍ وادعاء، فوق ما تأصَّل فيه من إرهاب وغدر.
 
لقد جرؤ المدعو سيف نجل العقيد القذافي مؤخراً (من خلال عدد من المقابلات الإعلامية -المدفوعة الثمن- معه) على إلصاق تهمة جريمة تغييب الإمام موسى الصدر في ليبيا في أواخر شهر أغسطس عام 1978م. بالعقيد يونس بالقاسم، الذي كان على رأس أحد أجهزة مخابرات النظام حينذاك. ولا نستبعد أن يظهر هذا النجل النجيب أو غيره من رموز النظام مرة أخرى، ليُلصِق تهمة إختطاف الأستاذ منصور الكيخيا بواحد أو أكثر من "رجال" النظام، ولعل أكثر المرشّحَين لأن يُلصَق بهما هذا الإتهام المغدوران إبراهيم البشاري (لقي حتفه في حادث سيارة مدبَّر بالقرب من مدينة طرابلس الغرب في سبتمبر عام 1997م.) والعقيد سالم أحمد نعامة (لقي حتفه هو الآخر في حادث سيارة مدبر في يونيو عام 1998م.) فقد حامت الشبهات حول هذين الشخصين بأنهما هما اللذان قاما بتنفيذ عملية الإختطاف بالقاهرة. ولكن يعلم الجميع أو ينبغي له أن يعلم، أن جريمة إختطاف الأستاذ منصور، ومن قبلها جريمة تغييب الإمام الصدر، لا يمكن أن يتم التخطيط لها بدون أوامر صريحة ومسْبَقة من قِبل العقيد القذافي، ولا أن تتم بدون علمه.
 
ختاماً: إذا ثبت تواطؤ بعض المسؤولين في أجهزة المخابرات المصرية مع النظام الليبي في تنفيذ جريمة اختطاف الأستاذ منصور وغيره من المواطنَين الليبيين (مثل جاب الله حامد مطر وعزّات يوسف المقرَّيَف اللذين أُختطِفا من القاهرة بمصر في مارس عام 1990م.) فإن هذا يقوم شاهداً إضافياً على الحالة المأساوية التي بلغتها حقوق الإنسان في المنطقة.
 
8 ديسمبر 2002م.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com