21/09/2007 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
ما إن تتحدث عن العوامل المادية والإقتصادية والفقر والحرمان وتربطها بموضوع الأخلاق وتأثيرها سلبا ً وإيجابا ً على تصرفات وأخلاق البشر حتى تجد الكثير من الإسلاميين السطحيين ممن يرمقك بنظرة صارمة فيها الكثير من الشك والإرتياب بل ومنهم من يقول لك محذرا ً: إنني أشتم رائحة الشيوعية والتحليلات الماركسية في كلامك ؟!!.. ثم يداهمك بسؤال مفاجئ: هل أنت شيوعي !!؟؟... وكأن ماركس بالفعل هو أول من ربط بين أخلاق الناس وظروفهم المادية والإقتصادية والمعيشية وتأثير قوة المال في واقع الحياة وفي موازين القوى في المجتمع !... مع أن القرأن الكريم ينضح بمثل هذه الحقائق الفطرية والواقعية في كثير من أياته الكريمة وهو بالتالي قد شدد على خطورة المال وأثره في حياة البشر وفي أخلاقهم قبل أن يولد ماركس بأكثر من 1300 عام!!؟.إن للعوامل الماديه وظروف المعاش والإقتصاد كما هو معلوم أثرها الكبير على نفوس معظم الناس وأثرها على العلاقات الإجتماعيه بشكل لايمكن إنكاره أو عدم إعتباره فالله تعالى وصف المال في القرآن الكريم بأنه قوام الحياة فقال ((وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ً)) أي لا تقوم الحياة إلا بها فالمال هو عصب الحياة الدنيا وزينتها وقال: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) .. فقدم المال على البنين !.. وهناك الكثير من الأمراض الإجتماعيه مايكون سبب العلة فيها مادي بالدرجة الأولى لذلك إهتم الإسلام عناية خاصه بقضية إدارة المال وطريقة كسبه وتقسيمه وتوزيعه بشكل عادل ومتوزان إهتماما ً ملحوظا ً ودقيقا ً وعميقا ً بل وعمل من خلال تشريعاته وتوجيهاته الدينية على تفتيت الثروة – قدر الإمكان – كي لا يكون المال دولة فقط بين الأثرياء دون الفقراء أي أن الإسلام يكره تركز وإحتكار الثروة في أيدي محدودة ومعدودة ودائرة مغلقة تحصر منافع المال في يد القلة ! .. ولذلك إهتم الإسلام منذ بداية الوحي بمسألة المال وذلك بسبب خطورته وضرورته وأهميته في حياة الناس وعلاقاتهم الإجتماعية والإنسانية !.. بل إنني أزعم أن تنبيه الإسلام لخطورة الفقر وغياب العدالة الإجتماعية والكفاية الإقتصادية بدأت الإشارة إليه بصورة مبكرة من نزول القرآن الكريم جنبا ً إلى جنب مع دعوة التوحيد !.. وليس كما هو شائع لدي الكثيرين من أن النبي كان خلال المرحلة المكية لا يدعو قريش إلى شئ إلا توحيد الله وحسب !.. بل كان يدعوهم في الوقت نفسه – ومع توحيد الله وإفراده بالعباده – إلى إطعام المسكين وإكرام اليتيم وعدم عبادة المال !.نقطة الخلاف مع
الماركسية هي أنها تجعل من تأثير العوامل الإقتصادية والمادية على الناس
حتمية وتسير في خط واحد بطريقة ألية تلقائية جبرية لا حيلة لإرادة الأفراد
معها ولا فكاك !.. وهذا أمر ثبت زيفه وبطلانه بشكل قاطع من خلال التجارب
الواقعية بل ومن خلال إختبار الفكرة الشيوعية ذاتها ! ... فالمال والعوامل
المادية والظروف الإقتصادية بلا شك لها سطوتها وثقلها وسلطانها على مشاعر
وأفكار وقلوب وعقول البشر وبالتالي على تصرفاتهم وأخلاقهم لكن ليس بطريقة
محتومة لافكاك منها كما تدعي الشيوعية الماركسية .. صحيح إنها تشكل ثقلا
وضغطا ًهائلا ً وكبيرا ً - لابد من تقديره وأخذه بعين الإعتبار – على أحساس
وتفكير الناس ولكنها ليست كل شئ!.. فهناك عوامل أخرى غير مادية يمكن أن تقف
في وجه الضغوطات المادية الهائلة وتمكن المرء من مقاومة ضغوطات الواقع المادي
! .. فليس كل الفقراء أشرارا ً بسبب الحاجة والفقر والعوز والفاقة كما أن ليس
كل الأغنياء من الأخيار بسبب الشبع ولإستغناء ! .. فتجد الفقير الذي يدفعه
فقره وطمعه إلى بيع شرفه وضميره بثمن بخس بينما – وفي المقابل – نجد فقيرا
آخر لا يبيع شرفه وموقفه ولو بكل أموال الدنيا مع حاجته الشديدة والماسة
وحاجة العيال للمال!! .. فالأيمان والقيم الأخلاقية والمبادئ السامية
والمثالية والإنسانية العليا والتعاليم الدينية أو القومية أو الوطنية قد
يكون أثرها على عقل وقلب الإنسان المؤمن بها والمستمسك بها أكبر بكثير من
أثار الضغوطات الإقتصادية والظروف المادية أو السياسية المحيطة التي قد يجد
المرء نفسه فيها ! ... فيضحي بالنفس والنفيس بل وبكل شئ بما فيها حياته من
اجل مبدأ أو قيمة معنوية يعتبرها هي القيمة العليا في تفكيره وضميره !!؟ ..
ولكن – ومع إقرارنا بهذه الحقيقة – ومن باب الواقعية – فإن أثر الضغوطات
الإقتصادية والسياسية والإعلامية مثلا ً يكون كبيرا ً وشديد الوطئة على معظم
الناس وعامة البشر تماما ً كأثر غرائزهم الحيوانية والأنانية الفطرية
وعواطفهم الشخصية إلا أصحاب الهمم والقيم العليا من وطنوا أنفسهم وربوها على
إتباع صوت العقل أو العدل أو الدين والحكمة وصوت المبادئ العليا وصوت ضمائرهم
فإنهم يصمدون في مواجهة ضغوطات الواقع المادي والإجتماعي كصمودهم في مواجهة
غرائزهم الذاتية الطبيعية ! ... لذلك فالموقف السليم والمتوازن من أهمية
وضرورة وخطورة المال وبالتالي الجانب الإقتصادي في حياة البشر وأثره على
تصرفات وأخلاق الناس الواقعية هو لا الإنكار وعدم الإعتبار كما هو منطق وموقف
المثاليين الغارقين في عالم المثاليات ممن يحتقرون المال ويحتقرون أثره
وسطوته في حياة البشر ولا التهويل والتضخيم والجبر والتحتيم كما هو منطق
وموقف الماديين ممن ينظرون للإنسان نظرتهم للحيوان الذي تحكمه قوانين الغريزة
أو الألة الذكية المحكومة بقوانين حتميه ! .. بل الموقف السليم والمتوازن هو
الوسط والإعتدال بغير أفراط ولا تفريط ... فالمال والجانب الإقتصادي والمادي
في حياة البشر شأنه في واقع الحال ليس قليلا ً ولا ضئيلا ولا هامشيا ً كما
أنه – في المقابل – شأنه ليس بالضخامة والتحكم المطلق الذي يصفه به الماديون
كالشيوعيين والماركسيين !.. فخطره وأثره كبير ومهم وحيوي بلا شك ولكنه ليس
العامل الوحيد ولا العامل المهيمن على أفكار وضمائر ومشاعر وتصرفات كل البشر
في كل الأحوال وفي كل زمان ومكان ! .. فالأنسان ليس ألة صماء وعمياء تتحرك
وفق برنامج محتوم لا إنفكاك منه كما أنه ليس حيوانا ً تهيمن عليه غرائزه
البدائية في كل الأحوال ! .. إنه بشر من جسم وعقل وقلب .. وجسمه ليس كجسم
الحيوانات ولا عقله كعقل الحيوانات ولا قلبه كقلب الحيوانات ! .. فهو متميز
عن كل الحيوانات في تركيبه البدني والذهني على السواء .. فضلا ً على أنه –
كما أؤمن شخصيا ً بإعتباري مسلما ً يسلم بصحة القرآن الكريم وبأنه من عند
الله الخالق – قد ميزه الله بشئ آخر ومهم وخطير جدا ً عن الكثير من مخلوقات
الله الأخرى - ما ظهر منها وما بطن ؟- فقد نفخ الله فيه من روحه !! ... نعم
لقد نفخ الله في هذا الإنسان المخلوق من الطين من روحه !! .. فدخل في تكوين
هذا الإنسان أي هذا الكائن الحيواني الأرضي المخلوق من الطين والمتميز عن
سائر الحيوانات بدنيا وذهنيا ً شئ آخر جديد ليس من طبيعة السلالة الحيوانية
التي تعمر الأرض ! .. شئ علوي روحاني وسماوي ... شئ من روح الله ! .. ولذلك –
ولذلك فقط – أمر الله الملائكة أن تسجد لأدم عليه السلام فور نفخه فيه من
روحه بقوله تعالى : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) !؟؟؟
.. (سورة الحجر: 29 .. أي أن الله أمر الملائكة بالسجود لهذا الكائن المخلوق
من الطين ومن آديم الأرض (آدم) بعد عملية النفخ فيه من روح الله لا قبلها !؟؟
.. وكثير من المسلمين يخلطون مابين (روح الحياة!؟) و(روح الله !؟) التي ميز
بها الإنسان عن سائر الكائنات الأرضية ما ظهر منها وما بطن ! .. فروح الحياة
- التي يقوم به الجسم الحيواني - والتي يشترك في وجودها في الأجسام الحية مع
الإنسان كل الحيوانات الأرضية هي أمر عام .. فهي مبثوثة في الفيروسات
والكائنات وحيدة الخلية كما في الشجر وفي الطيور والثدييات !! .. أما (روح
الله !؟) التي نفخها في الإنسان فهي شئ آخر مختلف تماما ً عن روح الحياة
المادية الحيوانية ! .. وهي محصورة في الإنسان فقط فوق هذه الأرض ! .. وهي
الأمانة الكبيرة والخطيرة التي يحملها الإنسان في تكوينه الأدمي .. فإذا كانت
تركيبة الإنسان الطينية تهبط به إلى الأرض وكانت غرائزه الحيوانية والأنانية
قد تنزل به إلى أسفل سافلين – في مدارك الأخلاق الرذيله – فإن نفخة الروح
الربانية تعطيه القدرة الكامنة في أعماقه على السمو والإرتقاء الأخلاقي
والإنساني والرباني إلى عليين ! .. فيتخلق بأخلاق الله الفاضلة والكاملة - في
نطاق وحدود قدراته البشرية - بإعتبار أن الله تعالى "الكائن الأسمى" هو "المثل
الأعلى" والكامل للأخلاق المُثـلى ! .. هذا هو الإنسان وهذه هي مواطن الضعف
فيه وكذلك هذه مواطن القوة في تركيبته الفريدة الفذة !.
|
|||||||
|
تعليقات القراء: |
|
|
|
|