16/09/2007 |
|
||||||||
|
|
|||||||||
|
|||||||||
إن المتأمل فيما خلفه الشعراء من نتاج شعري وأدبي يلاحظ أنهم علي قسمين: الأول تغلب الذاتية علي شعره، فيكون ما يكتب صدي لتحولات النفس وانفعالاتها التي لا تنفتح علي الواقع ومعطياته إلا بقدر قليل، أما الثاني فيستلهم ما يدور في الواقع المعاش من أحداث سياسية واجتماعية وفكرية تؤثر في الذات، فتعبر عن ذلك التأثير بشكل فني، أي أن الواقع الموضوعي بما يزخر فيه من قضايا ومشكلات هو الرصيد الحي للفنان، والملهم لإبداعه. وقد نجد قسماً ثالثاً حاول التوفيق بين الاثنين، ربما بشكل غير واعي، فكان شعره مزيجاً من الذاتية والموضوعية.وأحسب أن الجواهري كان من القسم الثاني، فمنذ أن بدأ الكتابة والنشر في العشرينيات من القرن الماضي كانت قضايا الوطن والأمة، بل والعالم الكبير ماثلة في شعره بقوة. وحينما نتصفح ديوانه ونراجع سيرة حياته ينفتح أمامنا تاريخ العراق والأمة العربية، بكل ما يحتويه من صراعات سياسية وعسكرية واجتماعية وفكرية عايشها الشاعر، وكان طرفاً فيها في أحيان كثيرة، فاكتوي بنارها سجناً وحرماناً وغربة رافقته حتى شيخوخته ووفاته.بين عهدين:إن الحقبة التي عاشها الجواهري في مطلع صباه وشبابه كانت مليئة بالأحداث الخطيرة التي رسمت تاريخ الشرق المعاصر، وتمثلت في غروب شمس الإمبراطورية العثمانية وبزوغ نجم الدول الاستعمارية الكبرى وخاصة بريطانيا. فقد تفتح وعيه علي صراع مستعر في النجف بين دعاة الحركة الدستورية (المشروطة) وبين مؤيدي الحكم المطلق الذين يمثلون تيار الاستبداد أو (المستبدة) كما كان يسمي. وكانت أصداء هذا الصراع تتصاعد بقوة في إيران وتركيا، حيث أعلن العلماء والمثقفون الثورة علي نظام الشاه الاستبدادي، مما اضطر الشاه مظفر الدين علي توقيع الدستور الذي طالب به الأحرار سنة 1906.أما في تركيا فقد كان السلطان عبد الحميد يمارس حكماً استبدادياً منذ أن بطش بدعاة الإصلاح وعلي رأسهم الصدر الأعظم مدحت باشا (1822 ــ 1884) الذي ساعد علي وصول هذا السلطان إلي الحكم علي أمل أن يقر الدستور الذي يقيد سلطات الحاكم ويعطي الحريات للشعب. لكن عبد الحميد قلب له ظهر المجن، فسجنه في الطائف بالحجاز، ومات مخنوقاً في سجنه. ورغم ذلك فإن دعاة الدستور قد واصلوا نشاطهم بسرية، وكان النجاح الذي حققته الحركة الدستورية في إيران قد أنعش آمالهم في تحقيق الشيء نفسه في تركيا، وهكذا كان، فقبل أن يبطش بهم عبد الحميد حصل الانقلاب الدستوري سنة 1908، الذي قامت به جمعية الاتحاد والترقي والذي أزاح السلطان من الحكم. وتقديراً من الاتحاديين لدور النجف الريادي في الحركة الدستورية فإن أول فرع للجمعية بعد بغداد كان في النجف ثم في مدن العراق الأخرى، وقد افتتحه مبعوثهم للعراق ثريا بك (1).وقد استبشرت الشعوب المنضوية تحت لواء السلطنة العثمانية بالخير، وخاصة الشعوب العربية التي عانت من القهر والظلم وغياب الحريات لعدة قرون، لكن الاتحاديين قد خيبوا آمال العرب بسلوكهم نفس النهج الاستبدادي السابق، بل زادوا عليه سياسة التتريك التي هدفت إلي تذويب الهوية العربية وإحلال اللغة والثقافة التركية محلها، منطلقين في ذلك من نزعتهم القومية الطورانية المتطرفة التي تأثروا فيها بالحركات القومية العنصرية الألمانية أبان دراستهم العسكرية في ألمانيا. وقد بلغت القطيعة أوجها حينما نصب والي الشام جمال باشا (السفاح) المشانق في دمشق وبيروت لأحرار العرب الذين كانوا يطالبون بالحدود الدنيا من حقوقهم في الاستقلال الذاتي، والاعتراف بهويتهم القومية، ورفض سياسة التتريك، وغير ذلك من المطالب التي وعد بها الاتحاديون.وقد عبر الشيخ محمد رضا الشبيبي عن الجحود الذي أبداه الاتحاديون الترك تجاه العرب الذين قاتلوا معهم ضد الجيش البريطاني الذي نزل في البصرة، حينما أعلن العلماء بقيادة السيد محمد سعيد الحبوبي الجهاد ضد القوات الغازية، وتحركوا مع العشائر العربية لصد العدوان، والتحموا معهم في معارك ضارية في الشعيبة التي انكسر فيها المجاهدون والجيش التركي، وتوفي الحبوبي في الناصرية. يقول الشبيبي في قصيدته التي يتنبأ فيها بزوال الدولة العثمانية:قوم
من العرب وخز النحل حظهمُ
|
|||||||||
|
|
|
تعليقات القراء: |
|
|
|
|