أوراق حزنٍ تتساقط من أشجار مشاعري كتساقط اوراق الخريف,
فينتزعني الشوق للكتابة مرة أخري, ويعلم الله أني لا أمتلك من متاع الدنيا
سوي الوجع, وحبي لليبيا وشعبها المسكين... وينتزعني الشوق عضواً عضواً لتدوين
هذه السطور حتي تمادي في غثيان قلبي... فأنا لن انهي روايتي يا وطني حتي
ينتهي عمري وحتي تصلك دعوة زفاف قلبي لقبري أو أتهادي في نهر الحب والسلام,
يحملني معه لكي أحلم, لكي أكتب, لكي أرسم, او لكي أعيش... فأجمع يا وطني
مفردات ميلادك الجديد... تلك التي أغتيلت علي عتبات المجد والرجولة... تلك
التي شطبت من نحو الأفعال لتكون مبنية للمجهول... أجمع يا وطني مفردات ميلادك
الجديد, فلسنا فقط قبائل وعشائر بل كوادراً وورود وشموع... نري قوتنا في
أخلاصنا... قوتنا في صوتنا ... قوتنا في ضميرنا ... قوتنا في نقاء رؤيتنا ...
قوتنا في عدم التزامنا بالمصالح الخاصة... فكم بكيت يا وطني ماضيك العريق,
وأبكي الأن حالك الغريق... وكم تبللت وجنة وسادتي بالدموع عندما أرتشقت رحيق
عيني... فدمعات الغضب يا وطني تبني القلاع... تشق صلابة الصخر فتجعله ليناً
طرياً... ووسط تسارع الأحداث يا وطني تولد أحداث وتموت أحدات ونحن بين
البارحة واليوم جالسين في إهتمام في مدرسة الحياة نحاول أن نحلل ونناقش وما
كانا لنجد إجابات مقنعة لأسئلة طرحنها ومازلنا نطرحها ، في بحث متواصل عن
المدينة الفاضلة, عن نفوس برقة النسيم وصفاء الحليب, عن معارضة أعتقد انها هي
نفسها بأشد الحاجة الي التغيير والأصلاح... والصور يا وطني تتناقض، والمساحات
تهتز، والألوان تختلط وتمتزج وتتداخل.... والدهشة والمجهول يوقظُ وجودنا
بملاطفاته الخفية... وقدر ليبيا يستأثر بها لوحدها دون شعوب الأرض قاطبة،
وأرقام الضحايا تزداد بمرور الأيام، وحجم التخريب والتدمير يتوسع في جميع
الاتجاهات، ويبدو أن أبو جهل وعصابته اعتادوا وتعودوا على جرائمهم واستهانوا
بكل شيء واستسهلوا كل محرم، ويبدو أيضاً أن البعض منا ألف المآسي وتآلف معها،
ودخلت مشاعره وأحساسيه في سبات وغيبوبة وهم في طريقهم لتشييع ضمائرهم ودفنها،
بل منهم من سبقه ضميره ونعاه منذ زمن وحمل عن جداره لقب الميت الحي، فالضمير
والضمائر لا تعيش إلا في القلوب الطاهرة، والنفوس الكبيرة... فعلي صفحات قلبك
يا وطني تنعكس كل الصور ولا يبقي للعين فيها خيال.
أنني ألمح يا وطني مراسم تمر كالأطياف... من نزفنا تضحك دون
بكاء... ووميض يتلألأ بلون أسود, يتدفق في قدح من الحنين... مطوق بثقوب تقطر
جاذبية معتقة بحزن وعيل ولوجة الذبول ورويداً يتصبب عرقاً من دم يجيد النقش
علي شفتا قلبي... معارضة بأشد الحاجة الي قيادات جديدة ودم جديد... أذا كان
جلادنا متمسك بالسلطة والسلطان حتي صار جزءاً من حياتنا الباهتة الألوان...
فما حال قادتنا في المعارضة؟... لمذا تتمسكون بمواقعكم ورئاسة أحزابكم طيلة
هذه السنين وتحرمون الدم الجديد من القيادة, وأنتم الذين تناظروننا عن
الأصلاح والديموقراطية وتنتقدون الدكتاتورية... وجهان لعملة واحدة... أليس
كذلك ؟... كلاهما يقتل وكلاهما يصيبه الجنون... يعلم الله اني لا أريد أن
أمنعكم البسمة ولكن أبي الألم والحيرة ذلك... فأعذروني... ولا تجهضوا حبي
الذي سجد لكم يوماً... ومازال يسجد لكم تحية وتقديرا... أعمارنا يا سادتي
تمضي بنا... ونتناسي انها أعمارنا... وحين نجمع أوراقنا لكي نحرقوها نجدوا
فيها تاريخنا... وكوادرنا أيضا يا سادتي بأشد الحاجة الي التغيير والأصلاح...
الخبث يا أخوتي يسكن بيننا وينتشل من حنايا ضمائرنا...ونحن في حق ليبيا
غادرون... قاسون... فاسقون, نأكل البيانات العقيمة ونهضم صراعات الهزيمة...
أعذروني أخوتي... فهذه صراخات ضمير ترفق بقلب ذاب من حرارة الألم... وتنزف يا
وطني نظرات الوداع المكبلة بذل الأسر... تستدير الأجساد البليدة تزحف كمن
يُساق إلي مشنقة الاغتراب... وأبعثر في الطرقات أوقاتي .... وأراقب عين الشمس
حتى تغيب... وأطارد غيمة لا تتوحد.... ثم أسمع صدي صوت " فلتر" وهو يصرخ في
الجموع... بصوته البريئ وضميره الحي "يا هوه... يا عربي ساعدوا ليبيا...
حبوا ليبيا... راهو ليبيا محتاجتكم..." فأنا لن انهي روايتي يا وطني حتي
ينتهي عمري وحتي تصلك دعوة زفاف قلبي لقبري... أرصد خطواتي خطوة... خطوة,
رافض ركوب قوافل اليأس الممتدة بلا نهاية...
ُفتحت الصدور لعدو يتقن تثقيب الأبدان, وصارت الدموع تاريخُُ
يسطر حزنك يا وطني... فيك كل شيئ أصبح له ثمن ألا أنسانك أصبح بلا ثمن... أقول
لكل من يلوم شعبي... تعالوا عيشوا معهم أربعة وعشرون ساعة... تجرعوا معهم
الفراغ والبطالة وضياع الأحلام ثم أحكموا عليهم بما شيئتم... أما وأنكم في
بيوتكم ومكاتبكم المكيفة تتبجحون بالكلام وتملأون الدنيا ضجيجاً لأن البسطاء
يريدون الفرار ولو ألي الموت... عار عليكم... والله عار... فالوطن يا سادة
قبل ان يكون نشيداً وطنياً وعلم يرفرف علي المباني هو أنسان كامل الحقوق...
الأيمان, يا أصحاب الكم اميت, لا ينفصل علي خدمة الناس... الأيمان له بعدين...
بعد نحو السماء وبعد نحو الأنسان... فأين أنتم من الأيمان ؟... فما أعظمك أيها
الإنسان الليبي عندما تتخطى كل الحواجز والصعاب وترسم بأحرف من نور مسيرة
نضالك، ما أعظمك وأنت تزف الشهداء إلى الخلد, ما أعظمك أيها الإنسان الليبي
وأنت تطور أساليب نضالك وأساليب حياتك بما يتناسب وإجراءات القمع والبطش...
إنها الحياة الليبيه... إنها إرادة التحدي والمقاومة... إنها الإرادة التي
أثبتت دوماً أنها أقوى من كل أساليب القمع والأرهاب... إنها الحياة الليبية...
إنها طائر الفينيق التي ينبثق من الرماد ليحلق في سماء ليبيا مبشراً بالغد
المشرق وبالنصر القريب... وأحداث تتوالي وزمن يمر وليبيا ما زالت تنادي...
تطأطأ الرأس... حينما تردد صرخاتها وتنظر إلي سواعدها المكبلة بقيود أبناء
الفسق والعصيان... وهم يضحكون... يلطخون وجهها بمزيد من دماء أبنائها كلما
صرخت... ثم أفتح عيوني المثقلة ببقايا ضوؤك يا وطني وكثير من دموع المهانة...
أتوه في صحراء الغربة, تتقاذفني رمالها المتحركة... صحراء شاسعة في أفق
أيامها... ثم تتساءل يا وطني... من سيهدينى بحنان ماء قدري الذي سيعود إليكم
زيتوناً وحمامات سلام ؟؟... أنهم الدماء الجديدة... هم أصحاب الإرادة القوية
والعزيمة التي لا تلين فهم أصحاب مشروع الدولة القادمة وهم أصحاب الرؤية
الثاقبة الواقعية التي تحقق الانتصار العظيم لهذا الشعب البطل... فأنا لن
انهي روايتي يا وطني حتي ينتهي عمري وحتي تصلك دعوة زفاف قلبي لقبري...
وعندما يأتي الخريف وتذبل الزهور... نبحث عنها في بقايا زجاجة عطرها...
والصور نفتش بين ثناياها عما كان يسكن فينا عندما التقطناها... امال بعيد
جديد تلوح في الافق تنبع ايامه من داخلنا, وقوة لا تقف عند حدود عمرنا او
الايام... الله لا ينسى احد من عباده والحياة لنا وبنا, لا احد يعطينا قوة
السير في دروبها سوى من وهبها... معذرة أحبائى... أنها نيران صديقة.
* الصورة منقولة بتصرف عن غلاف مجلة "صوت ليبيا" العدد 11 -
يونيو 1982
مقالات سابقة:
سوف تشرق
ليبيا بنور ربها
دعني أعلمك أدب الحديث
أمركة التاريخ
|
|
تعليقات القراء:
|
ليبي مكوي بنيران صديقة: نعم أخي بدر...
انها لكذلك واننا لكذلك !! حديثك فيه صدق مثلما دائما حديث "فلتر" ومثلما هى
آهات الوطن المستغيث. أتمنى ان تجد كلماتك ومعانيك وأحاسيسك طريقها لقلوب
أبناء الوطن كما وجدت طريقها الى قلبي. وقبل ان ينتهي عمري وعمرك وقبل ان تصل
الوطن دعوات زفاف قلبي وقلبك الى قبورنا... سيفك قيد الأسيرة ونعود الى حيينا
مشمرين على سواعدنا لإعادة بنائه وتعميرة (إنشاء الله)... بارك الله فيك اخي العزيز وبارك
الله في "فلتر". |
|
|
|