20/09/2006

      


حكايات (1)

 

"في البداية كانت الحكاية"

1- مثل أعلى

 

في سنة 1991 كان الدرس يتناول المثل العليا, و أوضح مدرس الصف السادس للتلاميذ ان لكل شخص مثل أعلى, شخصية يعجب بها, يقلدها, يتمنى ان يكون مثلها, و يصبو لأن يحذو حذوها في الأقوال و الأفعال. و سأل المدرس التلاميذ عن مثلهم العليا, أجاب أحد التلاميذ, الذي كان يبلغ من العمر 12 سنة, ان مثله الأعلى هو القائد معمر القذافي, الشخصية البارزة في تفجير الثورة, و تحريض الجماهير, و تسليم السلطة و الثروة و السلاح للشعب, و صفق له حينذاك المدرس و أقرانه من التلاميذ. في هذه السنة 2006 و بعد مرور 15 سنة على تلك الذكرى, نفس التلميذ, و قد بلغ من العمر 27 سنة, يعيش خائفا مذعورا, يتمنى ان ينسى زملائه و مدرسه تلك الجرأة الكلامية, حتى لا يبلغ عنه, و يتهم بأنه يقوم بالتخطيط لثورة.

 

2- غولة النساء

 

كان شابا وسيما, و لطالما فكر في الزواج, و اخيرا اتخذ القرار بان يتزوج, و يكمل نصف دينه (كما يقولون). استشار والدته في اختيار شريكة الحياة, فقالت له القول المأثور "خوذ غولة النساء, تجيب لك غول التريس", أي تزوج من فتاة ليست جميلة و ستنجب لك رجال أشداء. أخذ بالنصيحة, و أختارت له أمه واحدة "شينة" ليست جميلة و تزوجها. أنجبت له ولدا و سيما مثل القمر, ثم انجبت له بنتا "شينة شينة شينة" ليست جميلة, فذهب لوالدته يلومها, و قال لها: بنتي "شينة" ليست جميله, و "بنحصل" سأتورط فيها, حيث يبدو أنها لن تحصل على زوج, فردت عليه أمه بأن لا يخاف, لأن فتاته ستجد العريس المغفل مثله, و الذي سوف ينخدع بطريقة أو بأخرى مثله فيها.

 

3- تصعيد

 

كان حاضرا و تم الدفع باسمه ضمن المدفوع بهم لموقع أمين لجنة شعبية, تمتم و تحرك من مكانه محاولا الرفض, محاولا الانسحاب, محاولا الاعتذار, غير ان الأشخاص الذين كانوا يحيطون به منعوه من ان ينبس ببنت شفه, استسلم لرفضهم, و عندما ذكر اسمه من بين المدفوع بهم رفع جميع الحاضرين أيديهم بالموافقة على تصعيده (صعد بأغلبية ساحقة), لما لا؟ و الجميع يشهد بان هذا المصعد مثالا للانسان المتواضع و المتعلم و الخلوق. اتجه نحوه جمعا ليباركون له هذه الثقة الشعبية فيه, و لم يجد من الكلمات ما يرد به على هؤلاء الا ان يقول لهم بأنهم كلفوه بمهمة صعبة و هي خدمتهم و السهر على تحقيق و تنفيذ قراراتهم و بانه سيكون عند حسن الظن. عاد الى بيته و لم يكن تغيره من مواطن عادي الى أمين لجنة شعبية يعني له شيئا. و لكن الأمر لزوجته غير, سرعان ما أخذت جهاز الهاتف و صارت تتصل, و تحكي للأخريات ان زوجها صار مسئول (و على تعبيرها, يحكم و يطلق), و منذ سماعها للخبر صارت تمارس التكبر "التفشيك" على الأخريات. في البيت تغير كل شيء, افطاره الصباحي و جده على منضده, و ملابسه و جدها مكوية. أقاربه سببوا له أزمة, خالاته لا يزغردن في الافراح الا عليه, و يأمرن الاخرين بذلك, أحد أبنائه رفض في المدرسة حضور الطابور الصباحي و طلب أعفائه باعتباره ابن أمين اللجنة الشعبية. سلوك الناس صار يتغير أزاءه, تغيرت النظرات و الكلمات و المعاملات, زاد السلام حرارة و التبجيل حدة و تقديمه على البقية حتى في صفوف الصلاة. لم يستسلم, استمر في تواضعه و في رفضه لكافة أنواع التمييز و التبجيل و التطبيل, رفض ان يرقص لهذا الايقاع المثير و هو يعي جيدا ان صفة أمين اللجنة الشعبية لا تعني شيئا. واصل توليه المهمة و الأمانة بكل صدق و عدل و تفاني. بعد فترة توقف المطبلون, و صار أمينا شاذا, و غير قابل للنقد, و سأم الناس تواضعه, سأموا هدوءه و تعقله, و صاروا يتمنون أمينا رقاصا لينتقدوا هزات خصره و حركة جسده و تنقل قدميه.

 

و الى حكايات قادمة استودعكم الله

 

البشير بن محمد

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com