ليس من اللائق
بالنسبة لأي كاتب حاذق ألا يحب بغداد ويقدرها حق قدرها،فهي أم المدائن وفردوس
الشرق وقبلة العرب وعاصمة المسلمين منذ بني العباس مقامها في القلوب مثل بقية
القلاع العربية الأخرى المرابطة والقاهرة والمحروسة والجنات الأرضية العاتية
والعقبة والعريقة والشامخة وقداستها عند الأحرار لا تقل عن قداسة مكة أرض
مولد خاتم النبوات وتكاد تضاهي المدينة التي أنار منها الدين الحق العالم
وبدد ظلماته،وقد زارها في ما مضى الفرس والهنود وزحف عليها التتار المغول
وتدخل في حكمها البويهيون والصفويون ورغم كل ذلك ظلت عصية على الغزاة الغرباء
محافظة على ولائها للملة ومعتزة بالانتماء،كما لم تفقد بريقها وإشعاعها
الحضاري ولم تدنس مقدساتها أو تخسر لغاتها ولهجاتها بل ظلت العمق الاستراتيجي
لحضارة اقرأ مركز نشأة الحرف والفنون والعلوم.ألم يقل بشأنها الشاعر الجواهري:
لا در درك عرية غط
بها من لعنة التاريخ
شر دثار
واستامها فلك النحوس وشوهت مما يدور دورة الأقمار
عشرون قرنا تسحب فوقها بدم ذيول
مواكب الأحرار
لم يرو الراقدين فيها على النهي وعلى النبوغ غليل حقد عار
لكن بغداد في هذه
الأيام الأخر من رمضان وقبيل قدوم عيد الفطر هي على خلاف ذلك تماما إذ صار من
يتكلم الانجليزية والفارسية والكردية قادرا على المحافظة على حياته وضمان قوت
يومه ويتمتع بحق المطالبة بالمشاركة والاندماج وصار من ينطق الضاد ومن يكنى
عمر وعثمان وعائشة ومعاوية مطاردا مشردا جائعا خائفا على حياته من عصابات
القتل على الهوية، علاوة على أن الأهل الخارجين منها هربا والناجين بأنفسهم
هم أكثر من الداخلين إليها عودة وطلبا للسكن والمأوى، بغداد هذه الأيام تتألم
وتنزف ولا من طبيب يلملم جراحها،فهي محتلة ومحاصرة وتتفكك وتتمزق ولا من
معترض أو متصدي، لا أمن لا سلام لا شغل لا غذاء لا ماء لا كهرباء لاشيء يوجد
بل فقط هناك صحراء تتسع ليبتلع عدمها كل منابت الحياة، وراء كل شيء ثمة موت
يتربص بالناس وفي كل لحظة تحاك مؤامرة ضدك يا بغداد من أجل التقسيم وذبح
سكانك من الوريد إلى الوريد وفي كل ركن هناك قنبلة بشرية مستعدة للتفجير
وهناك غدر وخيانة ومكيدة،افرحوا يا أبناء الرشيد إن الجراد مر من هنا دون أن
يأكل العشب وأن يأتي على الأخضر وتلك هي مزايا الديمقراطية الأمريكية لا
تخافوا إنهم رحماء جدا جدا ألم يبنوا لكم الأسوار العازلة حتى لا يأكل بعضكم
بعضا وحتى تنتظموا ويصلح حالكم ويهتم كل امرئ بنفسه ويترك الأمور الكلية
لأولي الشأن فهم أدرى بها والأكثر حكمة وقدرة على التصرف.
الكوليرا في بغداد
هذا ليس كذبة أفريل أو نكتة يتندر بها أهل البداوة نكالا بأهل الحضر انه خبر
عاجل تناقلته جميع وسائل الإعلام ودل على العصر الحجري الذي أعيدت إليه تلك
المدينة المارقة جزاء لحسن استقبالها لزوارها في ذلك اليوم المشئوم،في حين
يقلل شرطي العالم من هول الكارثة وحجم المأساة فهو يمتلك الأسلحة الفتاكة
لقهر جميع الأمراض المستعصية والعائدة بعد انقراضها وله سوابق وتجربة في ذلك
ألم يرجمكم بالنار ليخلصكم من الطاغوت فلماذا لا يكون وباء الكوليرا رحمة
للفقراء والعجز وغير المتعاونين حتى يستريحوا من حياة العذاب التي يعيشونها
وينتقلوا إلى الرفيق الأعلى شهداء.من سيشعل الشموع في أزقتك وأنهجك ومن سيوزع
الحلوى وهدايا العيد على أطفالك ويكسوا صغارك يا بغداد فقرار تقسيم العراق
إلى ثلاث دويلات كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب سيريحك من
تحمل مسؤولية الآخرين فأنت الآن خفيفة جدا كالملائكة ليس لك أجنحة في الشمال
ولا ذيل في الجنوب وهذا كفيل بأن يضفي عليك المزيد من الرمزية والشرعية
التاريخية.
عاد العيد ودار
لقمان على حالها شركات بلاك ووتر تمارس القنص والتطهير العرقي بالشبهة
وخيراتك تنهب وحرماتك تنتهك وزعاماتك وأحزابك تتصارع وتتقاتل ومدخراتك تنفذ
ومستحقاتك تضيع ،عاد ومعه القتل والتخريب وتصحير الوجود وتجفيف منابع
الممانعة والرفض،السنة يتقاتلون ويمزقون عروتهم الوثقى بأنفسهم ويتسابقون
للتحالف مع سياسة الأمر الواقع وذلك هو النجاح الكبير الذي حققه الجيش المحتل
في الآونة الأخيرة،الشيخ الضاري إمام الإخوان المسلمين في العراق يعتبر
ملاحقة القوات العراقية لعناصر تنظيم القاعدة هو بمثابة تقديم خدمات مجانية
للقوى التي استعمرت أرض الرافدين بينما يحاول طارق الهاشمي أن يظهر بمظهر
الزعيم المعتدل المستعد للمصالحة والصفح عن البعثيين ولعل زياراته للسجون
وتقاربه مع المرجع الشيعي الأعلى السيستاني وجولاته المكوكية في بعقوبة
والأنبار وديالى وصلاح الدين يندرج في هذا التوجه التكتيكي ،الشيخ الطاعن في
السن الدليمي توارى عن الأنظار بعد تعرضه لمحاولة اغتيال بعدما مل من التهديد
بالانسحاب من التحالف الحاكم، الأكراد تفننوا في ممارسة اللعب السياسي إذ
تعدت أطماعهم مجرد الحكم الذاتي وبرلمان محلي إلى المطالبة بالانفصال والتحدث
عن دولة كردستان العراق ذات سيادة كاملة يحرس أمنها جند البشمرجة وتضم مدينة
كركوك على الرغم من معارضة الأغلبية من التركمان والعرب ،كما أنهم خرجوا
أبرياء من دم صدام وبقية رفاقه المعدمين عندما ألبسوا الجريمة لغيرهم ورفض
الطالباني التوقيع على قرار اجتثاث البعث وإعدام قياداته وأوهموا الملاحظين
أنهم لا يتحملون مسؤولية في الاقتتال الداخلي وفي استقدام القوات الغازية،
أما الشيعة فإنهم منقسمون على أنفسهم بين الولاء السياسي لجيوش التحالف
الغربي ويعترفون لهم بفضلهم في تخليصهم من شبح الطاغية وبين الولاء المذهبي
الديني لإيران التي يعتبرونها ظلمت زمن الحرب مع العراق وقدمت العديد من
الخسائر والضحايا الأبرياء ويعترفون لها بالفضل عندما ساندتهم وآوتهم زمن
الدكتاتورية والملاحقات وعند انتفاضتهم الشعبانية في الجنوب بعد الحملة
الغربية الأولى،لكن التطورات الأخيرة في الحالة الشيعية تطرح العديد من
التساؤلات فظهور مجموعات مسلحة غاضبة تجاهر بنيتها مقاومة الاحتلال عسكريا
مثل جند السماء وخروج حزب الفضيلة من التحالف الحاكم وتنامي شعبية التيار
الصدري وتعرضه المستمر للقمع والملاحقة والاستئصال كل هذه المؤشرات تقوض جهود
بعض التيارات اليمينية المتواطئة في التبشير بتكوين دويلة شيعية تضم جزء من
وسط وجنوب العراق يقودها حزب الثورة الإسلامية والبعض من المنتسبين لحزب
الدعوة.
بقية الطوائف
والملل والنحل كالمسيحيين والصابئة واليزيديين والأشوريين والتركمان والعرب
من غير العراقيين كالفلسطينيين هي طوائف محرومة من ممارسة شعائرها ومعتقداتها
وتتعرض للتصفية والقتل المباشر وهم أفرادها الوحيد هو ضمان حياتهم والبحث عن
مكان أكثر أمنا في الخارج وهذه المجموعات الصغيرة هي من أكثر المتضررين من
مشروع التقسيم لأنها أقلية ستجد نفسها مجبرة على الخضوع لهيمنة الأغلبية.
هذا هو عيدك الذي
عاد كغيره يا بغداد لا نية في التطور نحو الأفضل ولا رغبة في التنازل بين
الفرقاء ولا عزم من المحتل على الرحيل، بل على العكس من ذلك هاهي طبول الحرب
تقرع من جديد على حدودك والحملات المعادية تتصاعد والكل يقود إلى المزيد من
الهدم والتخريب وكأن العدوان الذي شن ضدك ماهو بعدوان والدمار الذي لحق
ببنيتك التحتية ماهو بدمار والأنفس الزكية التي أزهقت ظلما ماهي بأنفس وكأن
الغزاة والمحتلون لا يحتاجون إلى وقفة تأمل وفترة من الراحة حتى يستأنفوا نشر
البربرية ويكملوا مشروعهم الإمبراطوري ولذلك تراهم يسارعون إلى القتال ولا
يمسكون لسانهم عن التحريض ونشر روح الكراهية والحقد بين الدول والشعوب لأنهم
يخشون صحوة ضمائرهم وعودة بعض الطيبين من حكامهم إلى رشدهم، عيد الأضحى
الفارط استغله الأعداء لتسديد ضربات نفسية ورمزية موجعة لهمم ولعزائم العرب
والمسلمين فهل يا ترى سيتكرر نفس الحبكة المسرحية في المناسبة الجديدة؟ وماهي
المفاجئات التي يحملها لنا ولبغداد هذا العيد؟ أليس من المؤسف أن تهنئ الشعوب
بأعيادها ولا يترك العرب والمسلمين يهنئون حتى في يوم عيدهم ؟ ما العمل
للخروج من الورطة؟ هل نقاوم عودة يوم العيد أم نجعل من ذلك اليوم عيدا
للمقاومة ؟
* كاتب فلسفي
مقالات سابقة للكاتب:
صدور كتاب حالة الفكر في
حضارة اقرأ زمن العولمة
جدل العرب والغرب... أسباب التنافي وشروط التصافي
في سبل رأب الصدع
في بيان كيفية افتراق الأمة (1)
نحن في عصر
يسير نحو التنوير!
الإسـلام بين التاريخ والحقيقة أو الدين من
وجهة نظر الهرمينوطيقا
مفارقات العولمة
|
|
|