06/10/2007 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
للسياسة عشرات التعريفات منها (إنها فن إدارة الدولة الحكم)، وسبق للعرب أن عرفوها بأنها (القيام على الشيء بما يصلحه)، بمعنى أنها ليست الكلام المرسل بدون ضوابط وليست مجرد زعامة أو سلط مجردة، ومع تعقد المجتمعات وتشعب وتداخل المهام المنيطة بالحكومات، ترسخ التعامل مع السياسة كعلم بما تعنيه كلمة علم من قدرة على التفسير والضبط والتنبؤ، ولأنها أصبحت علما فيجب تخليصها من حزمة من الأوهام التي أقحمت عليها وأهمها وهمين:-الوهم الأول: الاعتقاد بأن كل من يتكلم في السياسة هو عالم أو خبير سياسي أو أن السياسة هي فضاء بلا حدود أو ضوابط يمكن لكل من هب ودب أن يفتى في قضايا الأمة، محللا ومحرما، مخونا للبعض ومانحا صكوك وطنية لآخرين، وخصوصا في القضايا المصيرية للأمة.هذا الوهم أكثر حضورا في مجتمعاتنا العربية حيث الجميع يتحدث ويفتي بالسياسة وعشرات الفضائيات متخصصة بالسياسة أو تخصص الجزء الأكبر من ساعات بثها للأمور السياسية مستعينة بجحافل ممن ينعتون بالمحللين السياسيين.وأهم مظاهر هذا الوهم، إنه بالرغم من أن لدينا من المحللين السياسيين أكثر مما لدى الصين، فإن المشهد السياسي العربي – فكرا وممارسة – هو الأكثر بؤسا في العالم.الوهم الثاني:الاعتقاد بأنه يمكن التعرف على السياسات العليا للدول وأهدافها الاستراتيجية من خلال التقارير و المؤتمرات الصحفية والتصريحات الرسمية أو من خلال النقاشات العلنية في المؤسسات التشريعية أو حتى من خلال تقارير لجان التحقيق كلجنة بيكر –هاملتون أو فينو غراد أو بترايوس وكروكر الخ.السياسي المحنك لا يمكنه الكشف عن كل أوراقه وإلا سيكون سياسيا ساذجا أو فاشلا والسذاجة تؤدي للفشل، كذا الأمر مع الدول فلا دولة تكشف كل أوراقها وخصوصا في زماننا هذا حيث تؤسس العلاقات الدولية على السياسة الواقعية القائمة على المصالح والقوة، والمصالح الدولية متضاربة والقوة لا تخضع لضوابط أخلاقية دائما، وهذا ما دفع بعض علماء السياسة المعاصرين (جوليان فروند) للقول بأن السياسة تشبه كيس سفر به عديد من الأشياء:القانون والأخلاق والعنف والإرهاب الخ.ما يعنينا هنا هو الوهم الثاني أي الاعتقاد بأن السياسات العليا أو استراتيجيات الدول صفحة مكشوفة ومقروءة للجميع.في زمن السياسة الواقعية السائدة اليوم في العالم فأن لكل سياسة دولة وجهان أو خطابان:1- خطاب مشرق موجه للرأي العام الداخلي والخارجي، به كثير من الأخلاقية والإنسانية والالتزام بالقانون والقيم السامية الخ، حتى ليخال الناظر وكأن الدولة هي جمهورية أفلاطون المثالية أو المدينة الفاضلة ورجالاتها مجموعة من الملائكة الذين لا يأتيهم الباطل من أمامهم أو خلفهم ولا يقولون إلا الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.2- أما الوجه الثاني فهو السياسة العليا للدولة أو الأهداف الاستراتيجية التي تحدد المصالح العليا والوسائل المختلفة لتحققها، وحيث أن مصالح الدول متباينة وأحيانا معادية لبعضها، فالمخططون الإستراتيجيون يتوسلون كل الطرق لتحقيق هذه الأهداف بما في ذلك الحروب والأعمال البوليسية والتجسسية وانتهاك القانون الدولي إن لزم الأمر. هذا الوجه للسياسة غير متاح لكل الجمهور، فمن جانب فالجمهور لا يفهم أو غير معني بكل أمور السياسة، ومن جانب آخر فلو صارحت الحكومات جمهورها بمخططاتها الاستراتيجية فستوظف قوى المعارضة الأمر لنقد الحكومة – مع أن المخضرمين في المعارضة وخصوصا الذين سبق لهم تولي السلطة، يدركون صحة وواقعية هذا النهج من السياسة المستترة – كما أن كشف السياسات العليا والأهداف الاستراتيجية سيخدم الأعداء والخصوم، وعليه يمكن القول إن إدراك المراقب أو المحلل السياسي لكنه سياسة ما، لا يتأتى من خلال ما هو معلن فقط بل يجب الغوص إلى ما بين السطور وتوظيف قدرات تحليلية معمقة تقوم على التشبيك بين مستويات متعددة أو على التحليل النسقي، بحيث يتم الربط بين الاقتصاد والسياسة والدين وبين المحددات الوطنية والبيئة الإقليمية والدولية والتعرف إلى آليات صنع القرار في الدولة المعنية، بالإضافة إلى وضع المحلل لنفسه في موقع الطرف الخصم ومفترضا أن الخصم على درجة عالية من الذكاء وعلى درجة من الواقعية السياسية بحيث يمكنه اللجوء لأي وسيلة للدفاع عن مصالحه.إذا انتقلنا من التجريد النظري إلى الممارسة أو السياسة الواقعية، فالولايات المتحدة مثلا تتحدث عن الديمقراطية والسلام ومكافحة الإرهاب ويكاد مسئولوها يذرفون الدمع وهم يتحدثون عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاناة الشعوب، ولكن حقيقة السياسة الأمريكية تقوم على مصالحها الاستراتيجية وخصوصا السوق الخارجي واستمرار تدفق المواد الخام وخصوصا النفط والتحكم بها أيضا، أيضا تقوم على نزعة هيمنية إمبريالية لا تخلو من مؤثوالعرقية، ولأن هذه المصالح الاستراتيجية تتعارض مع مصالح الدول الأخرى كما أن آليات تحققها قد تتعارض مع الشرعية الدولية، لذا فإن واشنطن تحتاج للخطاب الأول، خطاب الأخلاق والقيم السامية والقانون الدولي، لتخفي حقيقة أهدافها الاستراتيجية، هذه الأهداف تترجم بممارسات لا تتورع عن توظف قوة رادعة لا تلتزم بأي معايير أخلاقية أو قانونية، لمواجهة من يحتج على تناقض الخطاب مع الممارسة ويكشف حقيقة النوايا الأمريكية، أو يهدد هذه المصالح.لو أخذنا مثلا تعامل واشنطن مع قضايا الشرق الأوسط وخصوصا العراق، نلاحظ أن الممارسة في الواقع لا علاقة لها بالسياسات الأمريكية المعلنة منذ بداية العدوان الأمريكي عام 1991، الخطاب المعلن يقول بالدفاع عن حقوق الإنسان وإقامة نظام ديمقراطي والحفاظ على وحدة الدولة العراقية، إلا أن الممارسة تتناغم مع استراتيجية سياسية غير معلنة وهي تدمير الدولة العراقية كقوة عربية في المنطقة وتوظيف وتعزيز النزعات الطائفية والعرقية، أيضا استعمال التهديد المزعوم لنظام صدام لدول المنطقة وللسلام العالمي، للهيمنة على الخليج العربي وزرع قواعد عسكرية هي أقرب لجيوش الاحتلال، وجاء قرار الكونجرس الأخير بتقسيم العراق ليكشف جزءا من حقيقة الاستراتيجية الأمريكية وليس السياسة المعلنة، بمعنى أن ما يبدو للبعض فشلا للسياسة الأمريكية هو في واقع الأمر انتصارا للاستراتيجية الأمريكية.الأمر نفسه الأمر بالنسبة لإسرائيل التي تتحدث عن الأمن والسلام في خطابها الرسمي المعلن وتُظهر للعالم وكأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط والدولة المغلوبة على أمرها والمهَددة بوجودها من جيران يريدون تدميرها ويصمون آذانهم عن كل دعوة للسلام والعقلانية السياسية الخ، فيما ممارساتها على الأرض لا تتطابق البتة مع هذا الخطاب بل هي ممارسات تنفذ سياسة عليا وخطة استراتيجية غير معلنة، جوهرها الاستمرار باحتلال الأرض الفلسطينية والعربية ومزيد من الاستيطان وعمل كل ما من شانه منع قيام دولة فلسطينية مستقلة.هذا التحليل لمفهوم وواقع السياسات الدولية صالح لمقاربة كل السياسات الدولية بما فيها السياسات العربية، ففي الحالة الفلسطينية مثلا، لا يمكن الحكم على، وفهم، حكومة الأمر الواقع في قطاع غزة سواء من حيث ملابسات نشوئها أو من حيث أهدافها، من خلال حديثها المعلن عن المقاومة أو الإسلام أو أنها حكومة شرعية جرى التآمر عليها الخ، بل هناك ما هو خفي ولا يعرفه حتى غالبية المنتسبين لحركة حماس أو المتعاطفين معها بما فيهم قيادات من الحركة، والأمر لا يتعلق بسياسات عليا لحركة حماس فقط بل سياسات عليا لأطراف إقليمية - بما فيها إسرائيل- ودولية, عدم الوضوح في السياسات العليا موجود نسبيا عند القيادة السياسية للسلطة ولمنظمة التحرير، فمن المعلوم أن اتفاقية أوسلو بدأت بمفاوضات سرية، ولم تتوقف سرية المفاوضات حتى يومنا هذا، والغموض ما زال يلف المفاوضات مع الإسرائيليين حول مؤتمر الخريف الغامض في كل تفاصيله.نخلص للقول بأن السياسات الدولية اليوم وخصوصا سياسات الدول ألكبري هي أبعد ما يكون عن الوضوح والشفافية، وإن مفاهيم نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية، ما هي إلا أدوات توظف لخدمة مصالح واستراتيجيات عليا، لا يتم الإفصاح عنها غالبا، وهذا يتطلب تخليص السياسات العربية من أوهام السياسة المشار إليها، وفهم واقع السياسة الواقعية التي تحكم عالم اليوم، الأمر الذي يحتم على الساسة والمثقفين إعادة النظر في نظرتهم للعالم وفي ممارساتهم وخطابهم السياسي.
أ-د/ إبراهيم أبراش
|
|||||||
|
تعليقات القراء: |
|
|
|
|