03/10/2007
 

"مناسبات قومية"… ذاكرة مثقوبة وثقافة قطرية

 

بقلم: حسام أبو حامد *


 
في 16 أيلول/ سبتمبر الماضي مرت الذكرى السادسة والسبعون لاستشهاد عمر المختار. مرت بهدوء دون ضجيج أو صخب يعكر صفو الركود العربي كغيرها من المناسبات التي اندرجت يوماً تحت عنوان "مناسبات قومية".
 
كان أمير الشعراء قد خلد في ذاكرتنا الشعرية عمر المختار كرمز للتحرر العربي من المحيط إلى الخليج و كثورة على الظلم والاستعمار، وألهبت قصيدته العمرية مشاعر الملايين من أبناء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج:
 
ركزوا رفاتك في الرمال لواء
يستنهض الوادي صباح مساء
يا ويحهم نصبوا منار من دم
يوحي إلى جيل الغد البغضاء
ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد
بين الشعوب مودة وإخاء
جرح يصيح على المدى وضحية
تتلمس الحرية الحمراء
 
هكذا خلد شاعر مصري ما هو ليبي كرمز عربي، أما السوري مصطفى العقاد فتوسل بالصورة إلحاحاً على رسالة المختار الحضارية ليخاطب بها العالم. فعاد ليخلد المختار على طريقته البصرية الخاصة ويرسخ رمزيته في ذاكرة الأجيال العربية اللاحقة. إنها الثقافة حين تمارس دورها الحضاري فتحطم الحدود والحواجز لترقى بالموروث الإنساني إلى مستوى الرمز والمثل الأعلى.
 
ويبدو أن الثقوب لم تطال طبقة الأوزون فقط بل امتلأت الذاكرة العربية ثقوباً في ظل أحداث دولية متسارعة وفي ظل عزوف المواطن العربي إلا عن الركض وراء لقمة العيش وتدبير الوسائل التي يحافظ بها على ما تبقى لديه من كرامة.
 
ذات يوم كانت عملية التثاقف بين العواصم العربية على أشدها، وكان مصطلح "مناسبات قومية" ذي دلالة ومضمون. فكانت قضية المصريين قضية كل العرب، وألم العراقيين شأن سوري، وهم الجزائريين وجع المشرق العربي. وأحداث فلسطين شأن عربي يومي عام. ولعب الأدب والمسرح والفن والسينما دوراً هاماًَ في كسر الأطر القطرية، وبناء ثقافة عربية حية حافظت على التواصل بالرغم من محدودية وسائل الاتصال.
انتصرت الدولة القطرية العربية سياسياً وجغرافياً وأغلقت حدودها على مواطنيها منذ زمن، وباتت الثقافة العربية تعاني أزمة تواصل حقيقي حين عجزت عن الصمود أمام العزلة والانغلاق القطري، لتنتصر مجدداً الدولة العربية القطرية ولكن هذه المرة ثقافياًً.
 
وفي عصر الفضائيات تجدد الأمل لاسيما بعد أن تحرر الإعلام العربي من قبضة الإعلام الرسمي. لكن السياسة والرياضة، والحوادث والكوارث، والطبخ والنفخ، والإعلان وقراءة الفنجان، تزاحمت على الشاشة فغطت الشأن الثقافي. لذلك بإمكاننا الاطمئنان إلى أن التواصل في الرياضة والسياسة لا يزال بخير. فاجتماعات الإدانة والاستنكار لم تتوقف، وموائد العلاقات العامة موصولة، وتذرية الوعي العربي بتحليلات سياسية جزئية غابت عنها النظرة الشمولية متواصلة. وأصبحت السياسوية هي نزعة مسيطرة لا ترى في أي إنتاج إنساني إلا السياسي وما ينتمي إلى السياسة. أما شغب المدرجات وضجيجه في الملاعب فهو على أشده، وصور الفنانات الجميلات أشبه بالصواريخ العابرة للقارات، وأخبار الفضائح والتشهير تغذي نهم شرائح واسعة من الجمهور، وبرامج المنافسات الفنية والشعرية تسير على قدم وساق، بحكم هو جمهور يصدر أحكامه على خلفية قطرية ضيقة فكان الخصم والحكم، وفائدة فنية وأدبية ضئيلة لا تقارن ضآلتها بضخامة حجم أرباح شركات الخليوي والاتصالات.
 
اطمئنوا وطمئنونا أن كل ذلك بخير. فلم تعد مسرحيات تونس تغازل كراسي مسرح بغداد وصالات العرض في دمشق. ولم يعد يحيى يخلف يعبأ بدرجات الحرارة في نجران. وليس هناك من شوقي كي يتغنى ببردى ويرثي عمر المختار، ولا نزار قباني كي يغازل بيروت. كما أن أمل دنقل قد توقف منذ مدة عن كتابة الرسائل لصديقته الدمشقية. وأما العقاد فقتلته يد الحقد الأعمى وهو يبحث عن تمويل لنبش قبر صلاح الدين بحثاً عن رسالته المنسية. ولم تعد فيروز تغني للإسكندرية أو للشام أو للأردن.
 
اليوم كل يغني على ليلاه. فبعد أن كان ارتفاع سعر رغيف الخبز في عاصمة عربية كاف ليخرج الجماهير احتجاجاً في عاصمة عربية أخرى، لم تعد مظاهرات ومسيرات الشارع العربي تخترق جدار الصمت. لم يعد يحركها ما يحدث هناك خلف الحدود ولا حتى ما يحدث على بعد رمية حجر. هل لأن نسبة العاطلين عن العمل قد تضاءلت إلى الحد الأدنى فليس هناك من هو مستعد ليفرغ وقته لمسيرة من ساعتين؟ أو ربما لأن الشوارع اكتظت بالسيارات ولم يعد هناك مجال لأن تمر مسيرة راجلة؟ أن تكون المظاهرات والمسيرات باستخدام السيارات هي ليست بفكرة عملية، لاسيما أن ذلك سيتسبب في هدر كميات كبيرة من الوقود مصانع الوطن العربي أحوج ما تكون إليها، فأغنياء الوطن العربي يفضلون الكماليات المصنعة محلياً دعماً لصناعات البذخ العربية التي لم تغنينا حتى عن استيراد ألبستنا الداخلية. كما أنه لن يتبقى وقود يكفي أبناء المسئولين العرب من أجل طقوس "التشفيط" المقدسة. ربما وربما… هناك أسباب أخرى كثيرة ذكرها لي صديق، طبعاً الآن لا اعرف أين هو هذا الصديق، اختفى فجأة. لكني بكل الأحوال لم أقتنع بها لذا لن أتحدث عنها.
 
اليوم، يكاد لا يربطنا في هذه العاصمة العربية بعاصمة عربية أخرى إلا الروابط السياحية. سنجلس لنتحدث عن فندق ضخم أقيم في دبي أو عن برج عال في القاهرة أو قرية سياحية في شرم الشيخ، أو عن ملهى ليلي جديد على الطراز الغربي والغربي جداً في هذه المدينة أو تلك. أما "أوبرا عايدة" !!… لم نضيع وقتنا، هناك ما يستحق الاهتمام ولا يخاطب الذوق الرفيع.
 
تختتم مجلتكم "حيفا" شهرها الأول منذ أن أصبحت يومية. في ختام هذا الشهر أود أن أشكر كل الأقلام العربية المبدعة التي أسهمت معنا وكان لها الفضل في الحفاظ على غنى وتنوع مجلتنا/مجلتكم. كما أود أن أشكر الإخوة الزملاء القائمين على المجلة على جهودهم في إنجاح هذا المشروع الثقافي. وهذه دعوة لثقافة التواصل من المحيط إلى الخليج من أجل إعادة بناء ثقافة عربية، لا تعرف بالمعنى الإنساني العام حدوداً تقف عندها.
 
تحضرني في الختام بعض أبيات لمحي الدين ابن عربي علها تعبر عما عجزنا عن التعبير عنه:
 
لقد صار قلبي قابلا كل صورة // فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبــة طائف // وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحـبّ أين توجهت // ركائبي فالحبّ ديني وإيمانـي

 

 

* كاتب وباحث فلسطيني - المراقب العام لشبكة حيفا لنا
 

مقالات سابقة:

 

  دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح...(1) من الانطلاقة وحتى "أيلول الأسود"

  دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح.. (2) "ثورة المستحيل"

  أصحاب الرواق/ الجبرية العاقلة والسعادة الصارمة

  حركة "حماس": النضج السياسي المطلوب واحتمالات الربح والخسارة

 

 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com