26/10/2007 |
|
||||||||
|
|
|||||||||
|
|||||||||
من علامات التواطؤ الإنجلو أمريكي:وعلى الفور بدأ التنافس بين الإستخبارات الأجنبيّة ذات المصالح الحيويّة في ليبيا (وخاصّة البتروليّة منها) ليس للعمل على إحباط الإنقلاب أوتخريبه والقضاء عليه، بل لحمايته وإبطال أيّة محاولة للإطاحة به أو إجهاضها وهي في المهد.. فمحاولة آدم حواز وموسى أحمد التي أُعلن عنها في أوائل ديسمبر 1969، كانت الأولى التي مُنيت بالفشل بفضل إفشاء سرّها للقذّافي من قبل عملاء ال C.I.A – كما أكّد مسئولون أمريكيّون لجون كولي مؤلّف كتاب زوبعة ليبيا الرمليّة – . وقد جرت المحاولة أثناء مفاوضات القذّافي مع الوفد الأمريكي بشأن إغلاق القواعد الأمريكيّة، فرأت واشنطن أن تقدّم هذه الهديّة للقذّافي إظهارا لودّها نحوه وتعزيزا للثقة بينهما. ويذكر كاتب هذه السطور أنه في صيف 1981 إتّفق له أن قابل كلاّ من ديفيد نيوسوم – وكان أستاذا بجامعة جورج تاون – وجوزيف بالمير، وكان قد تقاعد بعد عمله سفيرا في ليبيا. وحاولت أن أحصل منهما على ما يثبت التورّط الأمريكي في انقلاب القذّافي، عبر مناقشة لواقع العلاقات بين الحكومتين. وطبعا لم أتوقّع منهما أن يفصحا عن أيّ دليل مادّي أو إعتراف صريح بتواطؤهما مع الإنقلابيين، ولكنّهما – في لفتة للتأكيدعلى حسن علاقتهما معهم – أشارا إلى أنهما لعبا دورا في إفشال محاولة الحواز – موسى أحمد! وقد أحيط الصديق العزيز المغدور به منصور رشيد الكيخيا بهذا اللقاء، وكان متلهّفا مثلي على معرفة الحقيقة.وفي يونيو 1970 كُشف النقاب عن أن عبد الله عابد السنوسي جهّز في تشاد 500 من المرتزقة، ليقوموا بالتسلّل إلى ليبيا وتسليح بعض القبائل. وعندما وصل فوج إستطلاعي منهم إلى فزّان ألقى حرس الحدود القبض على أفراده. وشاع وقتئذ أن عملاء الإستخبارات الأمريكيّة قاموا بالإبلاغ عنهم، غير أن مؤلّفي كتاب "القذّافي وثورة ليبيا" أوضحا أن أحد المعارضين التونسيين هو الذي أبلغ الإستخبارات الفرنسيّة بالعمليّة، فقامت هذه بالإتصال بأعوان القذّافي الذين أحبطوها.ثمّ حدثت ما سُمّيت "بمهمّة هيلتون" – كناية على سجن طرابلس الذي أُطلق عليه سخريّة إسم الفندق العالمي الشهيرهيلتون – وملخّصها أن عمّر الشلحي دبّر في ديسمبر 1970عمليّة قيام مجموعة من المرتزقة بالتسلّل عن طريق البحر إلى طرابلس، لإطلاق سراح السجناء السياسيين ومن ثمّ التمهيد لاسترداد الحكم. وتعاون في تنفيذها مع "ديفيد ستيرلينج" أحد رجال الإستخبارات البريطانيّة السّابقين وشريكَه "جيمس كينت". وقد جرى الإعداد لها في عدّة بلدان، إذ انطلقت من جنيف وجُنّد لها مرتزقة في ميناء طولون بفرنسا، وجهّزت سفينة الهجوم في ميناء تريستا بإيطاليا، وتضمّنت الخطّة أيضا أن يقوم "كينت" بخطف الشلحي وشحنه إلى ليبيا، حسبما طلب منه عبد المنعم الهوني (وكان مسئولا عن جهاز إستخبارات الإنقلابيين)، مقابل مبلغ ضخم من المال. وعنما استعدتّ السفينة للإقلاع في 31 مارس 1971 في طريقها إلى يوغسلافيا لتحميل شحنة الأسلحة والذخيرة منها، قام جهاز الإستخبارات الإيطالي بمداهمتها واعتقال طاقمها. ولأن العمليّة مرّت بعدّة مراحل وأطوار، فق كانت أجهزة إستخبارات الدول المذكورة ترصدها إولا بأوّل، بل إن "ستيرلينج" الذي كان صديقا قديما لأليك دوجلاس هيوم وزير الخارجيّة البريطاني وقت العمليّة، طُلب منه التخلّي عن العمليّة، وأن يثني شريكه "كينت" عن إختطاف الشلحي. كما اتضح أن وكالة الإستخبارات الأمريكيّة شاركت في جميع الإتصالات وإبلاغ أجهزة القذّافي بالتطوّرات حتى أُحبطت. وكان نصيب إيطاليا عقد إمتياز جديد لشركة " أيني" تحصل بموجبه على 12 مليون طنّا سنويّا من البترول الخام الليبي، وكذلك الأمر مع الشركات الأنجلو – أمريكيّة والفرنسيّة.وهكذا، كما رأينا، تضافرت أجهزة الإستخبارات الأميركيّة والبريطانيّة، مدعومة من الفرنسيّة والإيطاليّة، على تقديم خدماتها للقذّافي منذ إستيلائه مع زمرته على السلطة، ممّا "منح القذّافي الإطمئنان بأن القوى الأوربيّة سعيدة باستيلائه على حكم ليبيا"، حسب تعبير مؤلّفا كتاب "القذّافي والثورة الليبيّة". وهنا يقول جون كولي "هذا كله بعث برسالة إلى أنحاء الشرق الأوسط أن القذّافي هو رجل أمريكا... أو لم تتسلّل وكالة الإستخبارات الأمريكيّة داخل مجلس قيادة ثورة عبد الناصر، وعلمت بها قبل وقوعها؟ وعلى الرغم من أن القذّافي أسرع منذ عام 1970 إلى إغلاق القواعد البريطانيّة والأمريكيّة، إلاّ أن إدارة نيكسون كانت لها أسبابها الوجيهة في اعتبار القذّافي شخصا لا ينبغي تجاهله، بل وجبت الإستفادة منه". واستشهد جون كولي بعدّة مواقف للقذّافي رسّخت هذا التقييم الأمريكي له: مثلما حدث إبّان الحرب الهنديّة –الباكستانيّة سنة 1971 عندما قام القذّافي ليس فقط بالتنديد بالدّور السوفييتي، وإنما أرسل إلى باكستان مجموعة من قاذفات القتابل من نوع "نورثورب أف 5"، وتعاون مع السّادات في أغسطس من نفس السنة في إحباط الإنقلاب اليساري في السّودان، وذلك باختطافه للطائرة التي كانت تنقل قادة الإنقلاب وتسليمهم للنميري ليقوم بإعدامهم. ثمّ أن نفس المؤلّف أكّد أن وكالة C.I.A وزّعت في نفس الفترة نسخا مترجمة إلى العربيّة من كتاب روسي يطعن في الإسلام، مستهدفة من ذلك تسعير الكراهيّة للإتحاد السوفييتي شعبيّا.ولقد سبقت الإشارة في الحلقة السّابعة من هذه السلسلة إلى أن نيوسوم وبالمير "لعبا دورا رئيسا في ترسيخ الإعتقاد لدى المسئولين الأمريكيين بأن ضبّاط الإنقلاب الصغار سوف يبرهنون على أنهم مصدر قوّة في الكفاح ضدّ النفوذ السوفييتي والشيوعيّة وتغلغلها في العالم العربي" أي أن ما تنبآ به أخذ يتحقّق، ممّا يبرهن على أنها لم تكن نبوءة أو تكهّنا، بقدر ما كانت يقينا من متورّطين في اللعبة الإنقلابيّة! ويسوق جون كولي مواقف أخرى معادية للسوفيّيت "ممّا حدا بوكالة الإستخبارات الأمريكيّة إلى حماية نظام القذّافي وشخصه" كما قال في كتابه. ويكشف مؤلّفا كتاب "القذّافي والثورة الليبيّة" عن معلومة غير متداولة تقول "بأن عبد السلام أجلود دخل دورة تدريبيّة على الإشارة سنة 1966 في مدينة سان أنتونيو بولاية تكساس، ولمّا عاد منها إلى ليبيا أخذ يتبجّح أمام زملائه الحسّاد بمغامراته النسويّة، وقدراته على احتساء الويسكي الأمريكي البوربون!" إضافة إلى إدعاءات أخرى تظهر جهله بأمريكا مثل قوله إن إقتصادها مآله الفشل لأته مسيّر من أناس كسالى!التحرّك المبكّر للمثقّفين الليبيين:جاء في كتاب "القذّافي وثورة ليبيا"، أنه بعد مرور خمسة أيام فقط على الإنقلاب، تسلّم ما سُمّي "بمجلس قيادة الثورة" مذكّرةً من نخبة من المثقّفين الليبيين في بنغازي تطالب، من بين ما تطالب به، أن تكون الديمقراطيّة الكاملة أولويّة في إجراءاته التي سيتخذها للإصلاح. ولكن لم يصلهم أي جواب. وفي شهر نوفمبر التالي أعدّ هؤلاء المثقّفون مذكّرة أخرى من تسعة صفحات يحدّدون فيها قضايا الإصلاح المنشود، ويقترحون عقد لقاء مع القذّافي. ويذكر كاتب هذه السطور أنه شارك في اجتماع لهؤلاء المثقّفين في تلك الفترة القصيرة عقب الإنقلاب لصياغة هذه المطالب وساهم في تحريرها. وقد إنعقد الإجتماع بمنزل المحامي المرحوم عبد العاطي احداش في بنغازي. ولمّا كان من بين الحاضرين عبد الوهّاب الزنتاني، الذي تردّد أنه كان على صلة ببعض أعضاء الإنقلاب، وقيل إنه ساعدهم في تشغيل جهاز الإتصالات، فقد طلب المجتمعون منه تسليم هذه المذكّرة للقذّافي. ولكن لم يُسمع أيُّ جواب من الإنقلابيين هذه المرّة أيضا. ويستطرد مؤلّفا الكتاب فيذكرا صدور قرار الإنقلابيين بتعيين أوّل مجلس للوزراء برئاسة محمود المغربي، والذي تقلّد فيه المقدّم آدم حواز منصب وزير الدّفاع وموسى أحمد وزير الداخليّة، "وأنهما كانا على صلة وثيقة بالسفارتين البريطانيّة والأمريكيّة، ولذا فقد كانا مسئولين بدرجة كبيرة على تسويق النظام الجديد للغرب. ولأن قائمة أعضاء مجلس الثورة لم تتضمّنهما، فقد بادرا بتقديم إستقالتيهما". ثمّ حدث ما حدث لهما إعتبارا من 11 ديسمبر 1970 من اعتقالهما والحكم عليهما بالإعدام بتهمة تدبير إنقلاب مضادّ. وحول هذه التهمة يذكر جون كولي أن "الموساد" الإسرائيلي ساهم في كشفها، لأنه هو الذي أبلغ أجهزة السّادات بها، وبذلك سهل للقذّافي تنفيذ مخطّطه في التخلّص منهما!.ومباشرة طفق القذّافي في إتخاذ تدابير تكبح وتقمع أي مظهر من مظاهر الحريّة كانت تترعرع في المجتمع الليبي الفتيّ، ولو كانت نسبيّة. وعلى الرّغم من عدم وجود حركة حزبيّة معترف بها من قبل الحكم الملكي، إلاّ أن تكوينات سريّة أو جنينيّة قوميّة ويساريّة وإسلاميّة كانت معروفة، وتنشط عبر التجمّعات الثقافيّة والنقابيّة والمنابر الإعلاميّة. فبادر القذّافي بإصدار أوامر عسكريّة بحظر النشاط الحزبي والصحافة الحرّة ومنع الإضراب والتظاهر بأشكاله. ولسنا الآن بصدد إستعراض كيف أخذ القذّافي يشيّد بنيانه الديكتاتوري والشمولي بالتدريج، فهذا له مجال آخر، فضلا عن الكتابات العديدة حوله والتي ما برحت قوى المعارضة الوطنيّة المتناميّة تضجّ ضدّه حتى يومنا هذا. إلى أن يقيّض الله لليبيا التخلّص منه نهائيّا.
(يتبع)
|
|||||||||
|
|
تعليقات القراء: |
|
|
|
|