21/10/2007 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
(1)التكوين المعرفي للخطاب العربي يعاني منذ أزمنة بعيدة حالة ترقب وارتباك إنها “شوزفرينيا” تاريخية حفرت ونهشت اللغة بمعاول مراحلها المتعددة داخل دائرة ضيقة منكمشة بحدة ومؤطرة برؤية سلفية غير قابلة للتحريف أو الخروج به من حالة (الأزمة) إلى منطقة التفاعل مع الواقع والتأثير فيه…بل مكتفياً بأن يسكب على نفسه أحماض القلق المركزة والمتوارثة في محاولة يائسة للتخفيف من عطش الأسئلة ودرجة الاكتئاب وفيزياء التواصل الميتة… ومؤدلج وبأحكام غائية رهينة المبررات الجاهزة والهوامش المغلفّة بغموض النوايا دون الطرق على أبواب ومفاصل الأزمة التي يعانيها التفكير (باستثناءات محددة جداً). فمشروعية الخطاب العربي المؤسساتي عاشت تتداول القطائع والتضاد والتصادم والانهيار المفاهيمي في التواصل وإعادة تشكيل آلية الخطاب ذاته وتحديد مساره بما يتماشى مع مراحل التطور الفكري والصراع الثقافي العالمي والتصدير الأيديولوجي في عروضه الجديدة (خاصة) وبمختلف تجلياته واتجاهاته، فقط حالة اهتمام وتوارد خواطر خارج الحدث ومراجعات نظرية عقيمة بعيدة عن التداول والمواكبة والفاعلية القادرة على الإنتاج (بالمفهوم المعرفي الثقافي) وبشروط مشروعة أي تلك التي تتسع وتسمح بإعادة قراءة التاريخ ورؤية الآن ومنهجيته دون قطيعة معرفية مع الأمس لكن بتواصل وتأصيل واستمرارية التمازج مع النسيج الفسيولوجي الحي للفكر التاريخي العربي وخطابه. حالات متكررة من الإنعاش العضوي وإصرار منقطع النظير وهوس دائم وكبير بالاستيراد المعلب لمفاهيم تغييب وتسطيح جعلت حالة التفكير اغتراباً ومنفصلاً مع (الأنا) المنتجة للخطاب الذي ظل رهين البحث والنصوص والاستطلاعات الغربية لمحفظة وأدراج الثقافة العربية ونحت لمفاهيم أخذت شوطاً في تغلغلها منذ النهضة إلى الثورة الصناعية مروراً بمراحل لاحقة ساهمت دون أدنى شك في تقديم جرعات وحقن تخدير مسكونة بحالة التملك مع إضافة قليل من المعقولية الملونة حتى أصبحت موضة اليوم وصاغتها المرحلة الجاهزة وأدواتها (كإتلاف) في مشاريع الاستسلام والتقسيم والهيمنة والمناورات والاعتماد على اقتصاد الآخر.. . وأصبح بذلك الموجود والمؤثر تماماً وبحرية التصرف في تراثنا وحاضرنا ومستقبلنا ونتائج ذلك هو أننا أقمنا ستاراً حديدياً محكما على التراث الفكري العربي والتعامل معه بجمودية دون المساس به أو تجاوزه والاختلاف معه يعد كفر والحاد وخروج عن الطاعة، والخروج عن الطاعة أصبح يمثل عصياناً مدنياً وجرماً بموجب القوانين السلطوية الغائية (الطاعة.. الحاكم بأمره.. نظرية المؤامرة.. الاتهام الأبدي بالخيانة.. ) التي حفرت وكتبت على جسد الإنسان العربي في الوقت الذي أصيبت فيه الحناجر ببكتريا اللغة وجراثيم الخيبة بفعل المناداة بالحقائق التي يحتمها علينا التاريخ ويصبغها الواقع ليطفو على سدة الخطابات المهترئة أرباب الارتزاق الثقافي والسياسي، الذين يتبركون بعتبة الولاءات.. . الذين صارو يشكّلون صيغة جديدة مفتعلة، وأسلاك شائكة في طريق التنمية الشاملة للإنسان العربي – والحقائق الصادرة عن تقارير التنمية الإنسانية في البلدان العربية تعكس ذلك بوضوح منقطع النظير (وما خفي وأندس كان أعظم وأكثر هولاً!!)، ومن حقوق الإنسان العربي والدفاع عن كرامته وتقرير مصيره والحفاظ على موارده وتحقيق ذاته ووجوده على أرضه وبناء مستقبله وفق مشروع يتضمن ويضمن الخروج به من حالة العواطف والمراهقة والتزييف والاغتراب إلى مرحلة تاريخية فاعلة واقعية لا تحمل كثيراً من المعاناة والتغييب والغياب، لأن العالم يشهد اليوم تغيرات كبرى وقوى تنتج التجاوز وتدافع عنه متمسكة به، أيديولوجياً، ثقافياً، إعلامياً، مدعوماً بترسانة اقتصادية وعسكرية، أنها وببساطة جداً مرحلة تاريخية تكرس التحديد للمكان والزمان وتنطلق من مفهوم الوجود الجزئي إلى الحضور الكلي (الهيمنة وفق المفهوم الليبرالي الجديد)، ومع ذلك لازال الخطاب العربي مبحوحاً ومكمماً ومحنطاً والتفكير المؤسساتي الحكومي يراهن على “الجيولوجيا” التاريخية، ومزيداً من الانهيارات وكأن مكونات السلطة تراهن على إن: “الطريق إلى الهلاك مفتوحاً دون عثرات”. فهل كتب على المشروع الثقافي (الفكري) العربي أن يكون مثل الكائنات الجيولوجية المتكونة بفعل تراكم الآثار؟!(2)التصدعات التي تنتجها العولمة عبر حركتها وتدفقها ووسائطها وتكتلاتها وخطاباتها الاهتزازية، وجدلية الصراع والصدام التي تصيغها وتشترطها لمحركاتها واندفاعاتها وفي اتجاهات متعددة ومختلفة وعلى مستويات متنوعة، تذكرنا بتصدعات وتشوهات بنيوية حدثت في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.. ، إذ برزت مفاهيم واشتراطات معرفية جديدة ومصوغات أيديولوجية (تكوينية، بنيوية، زمانية، تعاقبية، تعاقدية، استثمارية،.. .) واحتواها الخطاب (الوضعي، العقلاني، الديني، الاجتماعي، السلطوي،..) الأفكار والتصورات أثرّت بشكل جذري في بنية الخطاب /النصي وضمنّتها (الدساتير، المواثيق، التشريعات، القوانين،..) وظلت تطفو وتلهو لتصيغ مخرجاتها على صعيد الممارسات والتنظير في حقول الاقتصاد، السياسية، الاجتماع،.. . وكان لهيمنة البرجوازية على قطاعات واسعة على صيغة وشكل الحياة المجتمعية وحضورها الثقافي أدى إلى صدمة عميقة وصراعات عنيفة صاغتها الحروب الطاحنة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وتبرز على السطح وتتجلى فيما بعد على مراحل (كلونيالية استعمارية، استحواذية عرقية، هيمنة امبريالية، حرب باردة، حروب عقائدية، تقسيم خرائط العالم وتوزيع موارده..)، لتّشكل إشكالية عميقة أدلجت الفكر الإنساني عموماً والغربي بشكلٍ خاص، وبدأت تطفو الاختلافات الجوهرية (الحرية – العدالة – الاستقلال،.. وكل تلك الاهتزازات والتصدعات الجوهرية حرّكت جيل الحداثة ليعصف بالمؤسسة وأرشيفها كمحاولة جريئة لتقويض بنيانها مع أوساط القرن العشرين ليُعاد صياغة البنية المجتمعية العالمية من جذورها (مع بعض النتؤات والتشوهات) ولكنها ظلت عالقة في الأذهان وتجلّت عبر خطابات الممارسة والتدشين المؤسساتي (الغائي) والتي حملتها الليبرالية على كتفها وانعشت اعيائها وترهلها لتحقنها من جديد ويُعاد تصديرها “بعلامة ليبرالية جديدة لها مؤدياتها واشتراطاتها واحتكاماتها واملاءاتها أيضاً ولكنها على مقاسات الهيمنة والاستبداد الحضاري الذي تعانيه مجتمعات اليوم..، كما أن الخريطة (الجيو – حضارية) تقاس على مستوى هيمنة الكوكاكولا وتوطين مفردات الخطاب المفاهيمي الليبرالي الاستحواذي.(3)خطابات الإصلاح في قوالبها وأبواقها التهريجية والضغوطات وجدت في البلدان العربية أرض خصبة وعقول فارغة لاحتوائها، كما أن انعكاسات الخطابات المؤسساتية الحكومية العربية بمختلف مساحاتها أثبتت إنها ضامرة وهزيلة وبائسة..، في ذات الوقت الذي تتم مصادرة الفكر الفاعل وتهميشه وإقصاءه (المفكر- التفكير) عبر ضربات مزدوجة..، وكثير من الأفكار تم تحويلها عبر مكونات السلطة الدغمائية المستأسدة والمرتزقة والبوليسية إلى ملفات وأوراق نظرية واحتفائية (تماهياً مع لعبة الديمقراطية، وحرية الرأي!!) وفي محطات أخرى أتُهمت بالخروج عن طاعة السلطة ومؤسساتها ووجهت إليها افواه البنادق وتم إجبارها على الجوع والموت البطيء ووضعت في مفرمة بين تروس الطاحونة البوليسية المتخفية والمتمظهرة في أشكال مؤسساتية مختلفة..، وتكاثر الجهلاء وشذاذ الآفاق ليعتلو سدة خطابات النفاق والخديعة والمراوغة.. وأن أخذت أغطية وافواه مختلفة وادعاءات معرفية رخيصة. كل هذا وأكثر يدعونا إلى التفكير ملياً في اختيارات مفروضة بعمق واملاءات جاهزة مستوردة ومعلّبة لتدّمير بنية الإنسان العربي السوسيو –ثقافية، والاقتصادية، ومن ثم وجوده الحضاري عموماً..، ولا زالت المؤسسات السلطوية العربية تمارس أقصى حدود القمع والإرهاب الفكري بوعي أو بدونه، مع إبداعات في المراوغة والخديعة، ولكنها هذه المرة قاب فوات من الهوة السحيقة وهذه الذرائعية التي تجلت على شكل مبادرات عربية أو مستوردة تصيغ حقيقة المشهد ومستقبله، كما أن المبادرات الأربعة المطروحة للإصلاح أو للتغيير لا تصيغ الواقع ولا تنطلق منه/ فهي تدميرية وتهميشية أكثر من كونها ذات بعد استراتيجي (للحاضر/للمستقبل)، فجاءت مبادرة الاسكندرية أقل من أن توصف بأنها مبادرة، باردة وجامدة وعديمة الفائدة التي انتظرتها الأجيال العربية وتسعى إلى تحقيقها منذ أزمنة ماضية، أخرى فإن المبادرات المطروحة والمجزئة (الشرق أوسطية، المبادرة الفرنسية – الألمانية – مبادرة الاستقلال الثاني ببيروت، وكذا المبادرة التوفيقية التلفيقية التي يطرحها جاك سترو أو ما يسمى بمشروع (Global Found Opportunities)، والتي تتسم بالصرامة تجاه الحكومات العربية وإجبارها قهراً على فتح مؤسسات المجتمع المدني والغير حكومية، في الوقت الذي طرحت هذه الآراء على مستويات محلية وعربية وإقليمية منذ أكثر من عشر سنوات وبأكثر قوة منذ أكثر من خمس سنوات أبان وقبل (أزمة سبتمبر). ومشاريع التفكيك الجاهزة تتفق تماما مع بنية مفككة، بل لم تصل يوما لأن تكون بنية على المستويات القطرية او على مستوى الخريطة القومية، والتي تعاني من انتكاسة وازمة حقيقية مع فقدان المشروعية الاحتكارية التي صاغت مدونات السلطة الحاكمة العربية واستبدادها وطغيانها الذي لم يتوقف منذ ازمنة بعيدة وصار يزداد كل يوم حدة وقمع واضطهاد انتج بالضرورة جيلا خائفا ومجمدا (وعدوانيا) من جانب ومن جانب آخر انتج انماط خانعة وخاضعة ومستبدة، وبين الجهتين تنمو المواجهة لتأخذ مسارات متعددة لتصل الى حدودة المواجهات المسلحة (لبنان، فلسطين، الجزائر… ولكل دولة مؤشراتها والتي انعكست على الحياة المجتمعية ومكوناتها التي تصيغ نسيجها ووجودها وهويتها، وهذا يفتح افق الاستفهام حيال الصراع الذي بدء يشتعل فتيله. هل سيكون وقود الصراع القادم، الهويات والاقليات وكأنها تأتي متخفية في عباءة الديمقراطية والاصلاح. ام ان الصراع سيأخذ منحى استراتيجى سابق يتفق كليا مع الخريطة الجيو-سياسية الكونية لمرحلة أطلس ما بعد اوربا؟؟(4)الأزمة الحالية (وبقراءة سريعة) في واقعها هي أزمة صنعتها النُظم العربية السياسية عبر مفرزاتها وعبر بنيتها الهشة القمعية السلطوية والاستبدادية ودعمها والتي اسس لها ووضع هياكلها مرتزقة السلطة والبطانات والأدوات والمعاول البوليسية المتوحشة، ويمكن استجلاء الصورة عبر محاورها الأساسية والجوهرية كأزمات داخلية وأزمات خارجية ومابين الداخل والخارج ستواجه الحكومات الحالية ومؤسساتها أرباكات وصدامات ومواجهات محورية بين مشروعية محاربة الطغيان التي تطرحها أمريكا في الجولة الثانية لإدارة بوش وبين الصراعات الداخلية نموذجها (دارفور) وهو نموذج يمكن تعميمة (حماية أقليات، حريات، حقوق الإنسان،…) ويجد تجاوباً شعبياً وحضوراً بين مختلف الاوساط وان اختلفت الرؤى والتصورات ( ولكن سيظل التجاوب من اجل رفع الظلم والاستبداد مشروعا ولو أدى التحالف في سبيل ذلك مع الشيطان!!!) ومن جوانب أخرى فهي ذرائع قوية لصعود التطرف (في مخرجاته الأخلاقية) بحجة او بذريعة الدفاع عن القيم الحضارية والثقافية و عن المكون البنيوى الاجتماعي والاسلامي. ويزداد انحباس افق الحوار العربي الداخلي (قطرياً، عربياً) ويشحذ الأزمة ويضعها أمام إيجاد حلول ( فردية / حاكمية) مع زيادة الطغيان وتعميم القبضة الامنية البوليسية القمعية مع توسع في حجم الاغتيالات والاعتقالات والاقصاءات وسياسات التهميش وفي المقابل تزداد مساحات الفساد وعلى مختلف اشكاله وبحراسة وبرعاية الانظمة ذاتها، وهذه آخر الحلقات التي يتم تدميرها مما سيزيد من تفاقم الصراعات والاملاءات والاشتراطات مع فراغ سياسي وبالتالي فقدان للشرعية السياسية والأخلاقية (محلياً ودولياً)!!أبوالقاسم المشاي
كاتب وباحث- ليبيا
|
|||||||
|
تعليقات القراء: |
|
|
|
|