02/10/2006


      


 

 
 
بكلمات معبرة عن عمق الألم الذي أصاب كثيرا من العرب والمسلمين وهم يتابعون أخبار المنع والمصادرة لحق المرأة التونسية فيما ترتئيه من زي معبر عن فطرتها ووجدانها وميولها العربية والاسلامية والشرقية,كتب عبد الله من باكستان معلقا على حوار مفتوح على موقع شبكة البي بي سي طلب محرر الموقع فيه من متصفحيه بيان رأيهم تجاه تطبيق المنشور 108 في المدارس والمعاهد والجامعات ومقرات الوظيفة العمومية بالبلاد التونسية, وقد جاء في تعليق هذا الأخير وللأسف الشديد النص الاتي "أنا أطلب من جامعة الدول العربية ومنظمة مؤتمر العالم الإسلامي ومن هيئة الأمم المتحدة طرد هذه الدولة من منظوماتها بناء على أنها أصدرت أوامر تخالف القيم العربية والشريعة الإسلامية وقرارت الأمم المتحدة، ويجب مقاطعتها في جميع المجالات وعدم التعامل معها مادامت تفرض هذه القوانين على المسلمات العربيات، بقصد جرهن إلى الفساد والرذيلة.
كما أنني أطالب من مجمع الفقه الإسلامي بجدة النظر في هذا الأمر"**.
 
لم تكن هذه الكلمات بلاشك محل ترحيبي وقبولي ,ولكنها كانت دافعا بالنسبة لي للتأمل فيما تمارسه بعض الجهات التونسية النافذة في الحكم من سياسات اخصاء عقدي وديني تدفع بالبعض الى أتون المواقف المغالية التي تعطي المبرر للكثيرين للتماهي النفسي والفكري مع ماتروج له مدارس الارهاب الأعمى والتطرف.
 
لقد تحدثت صراحة في هذا الموضوع في أكثر من مناسبة بكثير من ألفاظ الهدوء والتعقل ودعوت الحكومة والمعارضة الاسلامية الى عدم الزج بهذا الموضوع العقدي والديني في أتون الصراعات السياسية,وهاأنا اليوم اضطر الى العودة الى الموضوع من باب الحرص على مصلحة السلطة أو السلطات ذاتها قبل الحرص على مصالح من يضطر الى تجيير هذا الموضوع لقضايا الصراع السياسي.
 
لقد صدر المنشور 108 ,ولعلني أقول المقصلة 108 كنص "قانوني" تفسيري في أجواء ترهل وتهرم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ,حين بدأت بعض اللوبيات والأطراف الطامحة في الخلافة تتقرب الى رجل الدولة الأول زلفى من أجل بيان حجم ولائها الفكري والسياسي لتراث وخطوات الزعيم,وعلى هذا الأساس استغل البعض من الوصوليين السياسيين والانتهازيين الايديولوجيين مشروع هذا المنشور من أجل التشفي والانتقام من خصم سياسي احتدت المنافسة معه في ساحات الجامعة التونسية واشتدت هذه المنافسة الى مستوى البروز رسميا بعد الاعلان عن تأسيس حركة الاتجاه الاسلامي سنة 1981.
 
كانت الظروف التاريخية انذاك توظف الهاجس السياسي بالخلط الايديولوجي,من أجل تعميق الهوة بين مؤسسات الدولة الرسمية وأنصار التوجه العربي والاسلامي سواء داخل أجهزة الحكم أو خارجها.
 
ولعل امتداد هذه المعركة الى كل ماهو عربي واسلامي من بوابة اللعب على الهواجس البورقيبية في منازعته شؤون الحكم بدت واضحة مع استكمال العقد لحباته الفريدة باقصاء السيد محمد مزالي ومساعديه من سدة الحكم مع استهلال سنة 1986.
 
كان المنشور 108 ,عنوان مرحلة سياسية هدفت الى التقدم والزحف في مواقع السلطة والحكم من أجل تهيئة الطريق واسعا لخلافة الرئيس بورقيبة,الا أنه مع الاعلان عن التحول السياسي الذي شهده فجر يوم السابع من نوفمبر 1987 ,كان من الضروري بمكان تصفية مخلفات هذا المنشور الذي استعمل كورقة ايديولوجية ركبت شعارات بورقيبة في مجال تحرير المرأة من أجل الحصول على أعلى الدرجات في مراتب التسلق والصعود السياسي.
 
اليوم وقد مرت عل تحول السابع من نوفمبر 1987 فترة تناهز العقدين فانه من الأهمية بمكان لفت نظر الرئيس السيد زين العابدين بن علي الى أنه لايمكن لبعض الأطراف استعمال ورقة المنشور 108 من أجل مواصلة مشوار التسلق والصعود السياسي على حساب مرتكزات وقيم تونس ومبادئها العربية والاسلامية الجامعة,مما يسهم في اضعاف صورة تونس وتشويهها بين دول الجوار العربي والاسلامي ومما يعطي المبررات لبعض اجنحة الغلو والتطرف في الساحة الفكرية العربية والاسلامية من أجل الترويج لمقولات العنف في مواجهات منجزات الدولة التونسية الحديثة.
 
وحينئذ فانه بعين العقل وبمنتهى قواعد الحكمة والبصيرة ,لايمكن لتونس اليوم أن تشهد خيارا وطنيا وفاقيا أو صلحيا تحت يافطة المصالحة الوطنية الجادة والاصلاح السياسي دون مراعاة مشاعر شعب يعشق قيم العروبة والاسلام عشقه للأمن والاستقرار والطمأنينة.
 
واذا اراد البعض من موقع اجتهاده الفكري والسياسي التدخل في الخيارات الشخصية والدينية للمرأة التونسية من باب توظيف المنشور 108 من منطلق أن الظاهرة شرقية ودخيلة أو من منطلق أنها واجهة لحزب سياسي ,فانني أجزم في هذا السياق وألح وأؤكد على أن التدين الواسع الذي تشهده تونس اليوم قد غدى خارجا عن سيطرة الأحزاب والتيارات ,وهو ظاهرة اجتماعية ونفسية وذهنية بعيدة عن تأثير هذا الطرف او ذاك ,بل انه افراز من افرازات ثورة الاعلام والاتصالات التي جعل الله تعالى فيها سببا لايقاظ الأبعاد الوجدانية والروحية في أنفس شرائح معتبرة من المجتمع بعد أن أحدث عامل الانبهار المغلوط بالغالب والهزيمة النفسية نتاج اوضاع سياسية عربية معلومة اثارهما العظيمة في تركيبة وبنية المجتمعات المغاربية والعربية عموما.
 
الحجاب اليوم تعبيرة عن الهوية المذوبة بفعل سياسات القهر والتسلط على مستويات عالمية,وهو قبل ذلك تجاوب مع تعاليم اسلامية تجد روحها ولفظها في النصوص القرانية والنبوية,ولذلك نجد أن الدولة المصرية على سبيل المثال لاتجد حرجا في الاحتفاء بممثلات وفنانات وعالمات ومثقفات متحجبات ومن ثمة فتح ابواب الحزب الوطني وهو الحزب الحاكم في وجوههن لنرى مواكب الرئيس مبارك تحتفي بصحفيات واعلاميات متألقات وسياسيات نجيبات يشاركن في صناعة السياسات التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المحلية للدولة المصرية.
 
ان تونس الحديثة ,بلد الانفتاح والتسامح كأحوج ماتكون الى الغاء العمل بهذا المنشور الفضيحة الذي لم يجر على تونس وشعبها وحكومتها ونخبتها ومعارضتها الا صورا من القطيعة والصدام التي لاتليق ببلد تواكبت عليه اعرق الحضارات فاستوعبها وساهم في تألقها دون ان يلغي ذلك خصوصية شعبه المحتضنة لافاق التعايش السلمي وروح الخلق والابداع.

 


** إضغط هنا لمراجعة نص الحوار المفتوح الذي نشر على صحيفة الوسط التونسية حول الموضوع
 
 

أرشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com