17/10/2006

      


من داخل قصر من يدعون المعرفة
علماء ألمان يتدربون على الحوار مع القذافي
 
رالف هببي / مجلة دير شبيجل الألمانية 16 أكتوبر 2006
 
ترجمة محمد بن احميدة
 
رجب بودبوس مدير المؤتمر يتحدث ومنذ ثلاث أيام دون انقطاع. الصامتون يسودهم الملل وعلى وجوههم علامات الضجر.
 
الرجل القادم من مدينة لايبتزج والجالس بجانب النافدة بغرفة المؤتمر يحدلق في اتجاه بودبوس لاهثا.
أسمه الدكتور عمر كامل. مولود بالقاهرة ويعيش مند فترة طويلة بألمانيا.
 
المفروض على الإنسان بهذه القاعة أن ينتفض.
 
وبعد ذلك عليه أن يضرب بقبضة قوية على المائدة: أيها الليبي المحترم ( بودبوس). تقبل منا شكرنا العميق على الدعوة. ولكن ما هذا ؟
 
أهذا هو الحوار العربي الألماني ؟
 
هل هذا هو حوار الشعوب؟ وفي نفس الوقت لم تسمح لنا بنبس كلمة واحدة ؟
 
ما هذه القصص حول الغرب، وحول النساء المسحوقات، والرأسمالية، وأن الديمقراطية الغربية ليست ديمقراطية، وأن الأعلام في أيدي الأغنياء؟ بكل تأكيد نستطيع التحدث حول كل شي، ولكن لماذا لا تعتمد على الحقائق ؟
 
ما هو القبح في قول الحقيقة كاملة ؟
 
عمر كامل يطلب الكلمة ولكن بودبوس لم يبدي له اي اهتمام ويواصل الكلام.
 
عمر كامل يعشق كانت، ولايبنتز، وهردر. ويحب هرمان هيسي. يتحدث الألمانية والعبرية بطلاقة.انتهى من كتابة ثلتي رسالته للحصول على إجازة الأستاذية. موضوعه حول المثقفين العرب. حركة التنوير في الفكر العربي. أنه الموضوع الذي يشغل حياته. لو سمحت له الفرصة يستطيع القول الكثير هنا.
 
ولكن بودبوس فقط هو الذي يتكلم.
 
هم يعتقدون بأنهم يعرفون كل شيء وأحسن من أي شخص آخر. العلماء الليبيون، موضحي الإسلام، والذين تم استعراضهم الواحد تلو الآخر. انها عقول الأمس . جميعها مرت على مختبرات بودبوس. بودبوس نفسه من طينة الأمس. لقد كان وزيرا وهو أحد المقربين من القذافي. وهو مدير لكل شيء ، ومن بين تلك الأشياء الأكاديمية الجماهيرية.
 
أحد عشر عالما من الغرب تم دعوتهم الى طرابلس. التذكرة والهوتيل مدفوعة. ثلات أيام من أجل تبادل الأفكار حول المواضيع السياسية والفلسفية . هكذا محتوى الدعوة.
 
صباحا يتم جلب الألمان من الهوتيل واعادتهم اليه الساعة التاسعة مساء. في البداية كانت هناك محاولات للتمرد والمشاركة في النقاش. ولكن بودبوس يصر على الغناء لوحده ويستمر بدون انقطاع في الحديث. الأمر الذي جعل من الألمان يشعرون بأن هذا بختهم. انه سيندروم استكهولم.
 
انها كرحلة المشتريات والتي عادة يتم تنظيمها على السفن. لا تستطيع المغادرة. إضافة لذلك هنا لا تستطيع شراء بطانية والتي كانت أمنية الجميع .
 
انها الرياح الباردة الذين كان يرسلها مكيف الهواء بالصالة والتي تجعل الفك يتجمد. الروائي يوخن هرمان يعاني من ارتفاع درجة الحرارة لأنه اصيب بالزكام.
فريتز جراباو استاذ قانون الإقتصاد، والأستاذة ايرينا هوندت استاذة ادارة الأعمال بمجدابورج، بدأ ينبعت من وجوههم النور من شدة شحوبها. والذين لازال بمقدرتهم التفكير، صاروا لا يفكرون الا في كلمة واحدة وهي الإستراحة.
 
ولكن بودبوس يتكلم.
 
قبل 37 سنة اطاح ضابط اسمه معمر القذافي بالملك ادريس. وبقصر ادريس يعقد المؤتمر. هذا القصر له عدة مداخل. الجدران تتقشر، وببهو القصر تجلس مجموعة من الرجال لتأدية الأعمال السكريتيرية.
 
فترة الظهر. بودبوس يصمت !
 
انه وقت الإستراحة. بودبوس يسرع الى مكتبه ليدخن. أما البقية فتنهض مسرعة الى الشرفة، حيت القهوة التركية وتورته صغيرة مثقلة بالدهون.
 
القذافي لم يضّيع الوقت. مباشرة بعد استيلائه على السلطة ركّب نظام الديمقراطية الشعبية وأمر بمئات اللقاءات بطول البلاد وعرضها. وبهذه الطريقة كان يجب على سكان ليبيا مناقشة كل شيء. انها خدعة للتمويه. حيث تم استئصال المعارضين وتنصيب الموالين . أشخاص على شاكلة بودبوس.
 
النفط والمال يوجد لدى القذافي ما يكفي. ألّف الكتاب الأخضر. ماوتسي تونج على الطريقة الليبية. أزاح الطبقة الوسطى . وامتلئت البلاد بصوره. وبذلك تحولت ليبيا الى شركته الخاصة. وتحت سماء مسرح الإشتراكية الإسلامية لعب القذافي دور محرر العرب وأفريقيا ودعم مجموعات الإرهاب: انها اوبرا المنبوذ، نصف مضحك، ونصف خطير. المقاطعة التي فرضت على ليبيا بعد هجمات ارهابية لم تؤثر عليه.
 
بعد ذلك وقبل ثلاث سنوات تقريبا: التراجع ! حادث مثير! وبأمر من القذافي بدأ الإنفتاح. رفعت المقاطعة. التجار والسياسيين الغربيين يطيروا وعلى شكل اسراب الى طرابلس. النفط ! عقود ! مكاسب !
 
وبهذه الطريقة أسس خزان بودبوس للفكر العالمي كقاعدة للإنفتاح على الغرب.
 
ن الإنسان لا يحتاج الى خيال كبيرلمعرفة مشكلة بودبوس: كيف يستطيع ان يمتل الإنسان دور الداعي الى تفاهم الشعوب بدون تفاهم؟
 
ماذا سيحدث اذا ما غير القذافي وكعادته فجأة رأيه؟ انه الزعيم، يحيا الزعيم.
 
ولهذا بودبوس لا يجازف. ويحبد أن يتكلم هو وحده.
 
عمر كامل، هذا الرجل الذي فعلا يعني ما يقول في ما يخص تفاهم الشعوب نطق بكلمة واحدة وهو يحتسي قهوته: " خردة"
 
بعد انتهاء الإستراحة رجع الحاضرين ببطىء الى القاعة حيث بودبوس ... ليتكلم ... وليتكلم...
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com