هشام جاب الله مطر روائيٌّ من أصلٍ
ليبي. وُلد في نيويورك سنة 1970 وقضى في طرابلس الغرب سنوات طفولته من سن الثالثة
وحتى التاسعة، فانتقل منها إلى القاهرة سنة 1979، ومن ثَم إلى لندن سنة 1986، حيث
درس وتخرّج مهندسا معمارياً وأقام بها إلى الآن.
نشرت دار فايكنج (بنجوين) أُولى
رواياته (في بلد الرجال ـ In The Country Of Men) منذ شهرين، فأحدثت ضجةً أدبيةً
كبرى، حتى وُصفت بأنها الحدثُ الأدبي الأبرز في بريطانيا صيفَ هذا العام، ووصلت
إلى القائمة النهائية من الروايات المرشحة لجائزة مان بوكر أهم الجوائز الأدبية
في بريطانيا.
قرأتُ الرواية كفردٍ من عامة جمهور
القرّاء. لست أديباً ولا ناقداً أدبياً. قرأتها في نسختها الإنجليزية.. كليبيٍّ
متابعٍ ومطالعٍ.
تدور الرواية حول ثلاثة محاور: علاقة
الطفل سليمان بأمّه، ومكانة المرأة في مجتمعٍ شرقي، وتماسّ الطفل مع المجتمع من
حوله في أجواءَ مشحونةٍ بأحداثٍ جسام، تركت آثارها في التركيبة النفسية (psyche)
لمجموع الليبيين.
يجري سرْدُ الرواية على لسان طفلٍ في
التاسعة من عمره، يعيش في طرابلس في فترة أورويليّةٍ بامتياز. تقع عيناه على ما
يُفزع الكبار وتستقبل أذناه ما لا يجدُ له معنىً أو تفسيرا. الأمّ مضطَهدة بحكم
النواميس السائدة؛ لا تملك منها فكاكاً. الجارُ يُعدَم والأبُ يُسجَن ويُعذّب،
والطفلُ يختزن في ذاكرته الطريّة ما سيشكّل نظرتَه ومواقفَه من الوطن ومجمل
القِيم والعلاقات السائدة فيه.
بالرواية سردٌ مفصّلٌ ودقيقٌ لمواقفَ
ومَشاهدَ تمرّ بالطفل سليمان في بيته وفي الشارع وعلى شاشةِ التلفزيون. سليمان
مهمومٌ محتارٌ مهدّدٌ بمّا يرى ويسمع، خائفٌ على أمِّه، متعلّقٌ بها، مشفقٌ عليها
من قيودٍ أثقلتها منذ الصغر ومن ’مرضها‘ ومما حلّ بأبيه. وهو في بعض الأحيان
متفرّجٌ غيرُ معنيٍّ بما يدور.
اللغة سلِسة، تفوح من بعضِ تعبيراتها
رائحةُ أصولها الليبية الدارجة، والصور مروِّعة أحيانا ورقيقةٌ عذبةٌ أحياناً
أخرى. وفي الفصول الأخيرة من الرواية يثير الكاتب، في ضوء ما مرّ به من أحداثٍ،
تساؤلاتٍ مثيرةً مقلقة.
لست أزعم أن الكاتب كان يسعى إلى نسج
عملٍ أدبي يتناول شأن المرأة الشرقية المسلمة إرضاءً لدورِ النشر الغربية. ولا
أضعه، بكلّ تأكيد، ضمن دائرة الأمثلة التي أشير إليها فيما بعد. هذا لا يمنع من
القول أنّ العنفَ السياسيّ واضطهادَ المرأة في الشرق يشكِّلان مزيجاً ذا جاذبيةٍ
خاصةٍ في الغرب. أخُصّ بالذّكر هنا التصويرَ السلبيَّ لمكانة المرأة المسلمة في
الأعمال الأدبية والإعلامية، وما يلقاه ذلك التصوير في الغرب من ترحيبٍ وتشجيعٍ
غيرِ مرتبطيْن دائماً بقيمةٍ أدبيةٍ أو مهنيّةٍ راقية. هذا التصويرُ حقيقيٌّ في
القليلِ منه ومُضخّمٌ مُبعَدٌ عن سياقه في معظمه. والغرض في الحالتين هو التشويهُ
وتقويض أسس بناءِ الخليّةِ الأُسَريّة في مجتمعاتِنا، في وقتٍ نرى فيه أنّ
البديلَ لديهم قد امتهن المرأة وتعامَل معها كسلعةٍ حسّية ذات قيمةٍ مادية بحتة،
لِذَاتها أو لكونها أداةَ ترويجٍ لغيرها من سلع المجتمعات الغربية. الأمثلة تشمل
(أيان هيرسي علي) الهاربةِ من الصومال إلى هولندة بسبب ’محاولة إرغامها على زواجٍ
مرتّب‘ ففُتحت لها أبوابُ الكتابة عن اضطهاد المرأة في الإسلام، بل وصلت إلى
عضوية البرلمان الهولندي! وحين افتضح أمرُ تزويرها لبيانات دخولِها إلى هولندة
تلقّفتها الولايات المتحدة. وهناك (إرشاد مانجي) باكستانية الأصل نجمةُ الوسط
الإعلامي في كندا، و(تسليما نسرين) البنغالية. إن تصويرَ اضطهادِ المرأة الشرقية
المسلمة ـ تأسيساً على مرجعيةٍ غربية غيرِ معنيّةٍ بكرامةٍ أو خصوصية ـ كان
دائماً، في الغرب، محلَّ ترحيبٍ وإطراءٍ وتقدير. (وليس لذلك أسبابٌ خيرية).
تصوير أحداثِ تلك الفترة بليغٌ ومثير،
ويجري استعراضه من زاوية نظرِ طفلٍ كان أحوجَ ما يكون إلى الحماية من كبارٍ
أفلتوا من عِقال المقبول والمشروع. الليبيُّ لا يقرأ قصة، بل يعيش تلك الحقبةَ
مرةً ثانية. القراءة هنا مزعجة ومثيرة ومقلِقة، حتى لا أقول مُرعبة.
محاولات الكاتب أن ينأى بسيرته الذاتية
عن مجريات الرواية غيرُ مقنعة لمن يعرف شيئاً عن حياته. الخيال لعب دورَه في
التصوير والتحوير، إلاّ أن العناصرَ الرئيسية للأحداث التي مرت بسليمان هي التي
مرّت بشكلٍ أو بآخر بالكاتب نفسِه. هكذا سينظر إليها عموم القراء مهما أكّد
الكاتب أنها من نسج الخيال وأدخل فيها آلةَ البيانو ومواعيد المقاهي في الستينيات
من القرن الماضي. الرواية في طريقها إلى الترجمة إلى العربية وسيقرؤها عربٌ
وليبيون. لذلك تمنّيت أنها لم تشتمل على مَشاهدَ ومواقفَ قد لا تكون لائقة، وإن
كانت محضَ خيال.
وأخيراً، أجدُ أنّ عنوان ’في بلَدِ
الرجال‘ سيكون ترجمةً غيرَ دقيقةٍ إلى العربية. قراءةُ الرواية لا توحي بأنّ
الأمرَ كذلك. ولا أنسى أن أعبّر عن تمنياتي بأن يفوز كاتب عربي بجائزة مان بوكر
لهذا العام. سننتظر الإعلان عن الرواية الفائزة يوم 10 أكتوبر المقبل.
عبد الرحمن مهدي
سبق
نشر المقال علي مدونة خواطر
|