17/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

              

 طارق القزيري

 

 التأجيج الثقافي بين الضرورة والخطورة.*

 

.... لعل أسوء المعارك ليست فقط التي يخوضها المرء بلا عدة ولا عتاد, بل تلك التي تمنعه من إكتساب تلك العدة وذلك العتاد الذي لاغنى له عنهما قامت الحرب أم وضعت أوزارها !!

 

وكان الإنسان أكثر شئ جدلا....


الخسارة الثقافية
) كظهور بطلان أو خطأ طرح ما أو وجهة نظر) هي خسارة  معنوية غير مادية، وقد تكون حرب استنزاف غير مدركة بوضوح. فلا أحد يسلم – تقريبا- بخسارته الثقافية والفكرية، ذلك أنها معنوية بالأساس، ونسبية من جهة أخرى، وبالتالي يظل صاحبها يجرها خلفه، مثل صاحب طاولة القمار الذي يعتقد دائما، أنه ربما سيعوض كل خسائره في الجولة القادمة، وهو بذلك يضيع حتى الوقت اللازم ليستدرك رأس ماله بالتنمية، هذا إذا لم يأت على رأس ماله أصلا، وهو يتربص بجولة التعويض.

 

جئنا على ذكر الخسارة باعتبارها أقصى مايمكن، وفي جلية الأمر أن ذلك لا يقع إلا لماما، فلنسبية الأحكام والتقديرات، وتعدد حيثيات التناول، وغياب الكمال بالمطلق، تبقى دائما هوامش المناورة، لإثبات الجدارة، أو تحقيق نوعا من الإرضاء والإشباع الذاتي....

 

وهذا هو مصدر الاستنزاف الحقيقي، فالمثقف آنذاك ما أن يصاب بإنصراف عن التثاقف والقراءة والاستزادة كلوازم ضرورية لتأكيد هويته (كمثقف)، وإما أن يعتمد الأبعاد الفضفاضة في البناء، التي تبدو مفيدة، في تزيين الخطاب باقتباسات تشي بعلاقة المثقف، بالرصيد العلمي والفكري الإنساني (على الأقل كما يحاول أن يدّعي)، وفي كل الأحوال ينتج ذلك انصرافا حقيقيا عن البناء  الثقافي السليم على مستوى الفرد وبالتالي المجموعة.  

 

هذا الأمر تكون أبعاده كارثية أكبر عندما يكون (ضحية الصراع الفكري) الناشئة، أو الأقلام والمثقفين الجدد، فأخطر ما يمكن أن يعرقل مسيرة المثقف الشاب، هو اختزال الثقافة إلى موقف، وهو أمر ربما ساهمت في إبرازه وتعميقه، الحقبة الإيديولوجية، حيث تراجع مفهوم الثقافة كمعرفة، إلى انطواء على دلالة المواقف وحدها على عمق الثقافة وجودتها.

 

ربما المفهوم بأن الثقافة موقف فقط، أو بالأحرى موقف أولا، هو السبب في حالة شاذة نراها إلى اليوم، حيث يجلس على منصات القرار في غالب الدوائر الثقافية العربية، رجال (ونساء) لا يحملون إلا عددا كبيرا من المواقف (ضد أو مع)، دونما أي حيازة لإسهامات معرفية نوعية.

 

وهذا أمر ستؤدي إليه كل الصراعات الفكرية، عندما تقوم في غير حلباتها الطبيعية، وعبر أشخاص هم أساسا ليسوا أهلا لها (في اللحظة على الأقل)، وفي أجواء ليست من مناخاتها إطلاقا.

وهذا مالا يمكن تجاوزها إلا عبر تأسيس وعي جديد، بان الثقافة معرفة تنتج موقفا، أو موقف تنتجه معرفة وفكر وتحليل.

 

المعارك الفكرية بين الوهم والحقيقة.
 

أبتغينا عبر مقاربة موضوعنا هذا توظيف كلمة التأجيج الثقافي بدلا عن الصراع أو المعركة، لما تحمله هذه الكلمة بالذات من حمولة دلالية ربما تعكس ما أردنا التحذير منه هنا. فهي تحمل معاني الشدة، الاضطراب،السرعة، التقلب، والقوة في الصوت.(1)

 

وهذه معاني نجدها في كل ماهو سطحي، وعاجل، وغير دائم، فأكثر ما يدوم هو الهادئ، والمتمهل، والمستقر، وأشهى المأكولات قد نضجت على نار هادئة (كما يقال)، فالتأجيج نحمل عليه دلالته السيئة من منظور ثقافي تأسيسي، ولكي نعرف أن المعارك الفكرية، هي شرف لا يتواجد إلا نادرا لدينا، لابد من ذكر أننا نؤكد على أهمية تلك المعارك الفكرية والثقافية، لإغناء الوسط، وإنتاج ماهو خليق بالمجتمع من قيم ومعايير...

 

وبالتالي فالفصل بينها وبين مانسميه (التأجيج) يتأتى من عدة حيثيات واعتبارات منها:

 

  •    إن المعارك الثقافية تكون بين مشاريع فكرية ناجزة ومكتملة ومتبلورة، وليس عبر جزئيات وشذرات خلافية، فهي تعكس إختلاف رؤى ومنطلقات وتحليل، وليس مجرد تباين في وجهات النظر...

  •    إن من يخوض خلافا يسمى (صراعا فكريا)، هو عادة المثقف المجهّز، وصاحب الرصيد الفكري المميز، وإلا لاستحال الخلاف نفسه (أو الإختلاف)، مطلبا تبتغى عبر الشهرة، والانتشار، ولا يؤدي إلى جديد ذي قيمة.

  •    ويستتبع ذلك أن موضوعات المعارك تكون قضايا، فكرية أو عملية، وليست شؤون منصبية، أو تخاصم على آليات إصدار قرار، أو تنفيذ سياسة معينة، أو تركها، أو المغالاة أو التفريط في تقصي إجراءات ما.

  •     ومما يضمن فاعلية ونجاعة الصدامات الفكرية للمشاريع والرؤى المختلفة داخل الرؤية المجتمعية العامة، في خلخلة المفاهيم السائدة، وقولبة المفاهيم البديلة، مانسميه (المحيط الثقافي)، وهو جملة المفاهيم والنظم والقوانين والأذواق السائدة، فأينما تكون تلك الاعتبارات مفتوحة على التسامح والتعددية والواقعية وغياب البيروقراطية وكل الآفات المناهضة للربيع الثقافي، يكون للمعارك الثقافية دورها في تعميق كل الأجواء الانفتاحية، التي ترسخ قيم الحوار، والتثـاقف.

وبعكس كل هذا لايكون التأجيج، إلا ضمن خطط ضيقة، واختلاق رغبات ومصالح، وأذواق، وربما يقوده أدعياء ليس لهم من صنعة الثقافة إلا الزعم والتقوّل، ولا يعيش التأجيج إلا ضمن بني بيروقراطية متخمة بالكساد، وفساد الذمم.

 

إن ضرورة المعارك الثقافية، تكمن في تجديدها لدماء الثقافة، أما التأجيج فهو مطلب لذاته، لبناء الشهرة وفرض الوصايات، وتحصين المصالح، أو تعزيزها.

 

وهذا ما يجعلها عائقا صريحا، أمام المثقفين الشباب، فهم في العادة يستدرجوا، ضمن خطط وإستراتيجيات الإقطاعيات الثقافية السائدة، أو يستولي عليهم وهم الإستقلال والتفرد، أو تستلبهم فضفضة شعار بلورة المشاريع، ويضيّع عليهم الفرص الممكنة والمتاحة، للبناء الذاتي وتوفير مظنات التكامل والإعداد اللازم.

 

الانتباه إلى الفروقات بين الخلافات التي تسود الأوساط الثقافية، مهمة ضرورية، كي لا يستولي علينا وهم العطاء، ونبقى ضمن خانة المرواحة في المكان، ونضيع كل الظروف اللازمة لما تحتاجه ثقافة المجتمع والوطن، هذا إذا لم يعن ذلك التقهقر عن كل المكاسب التي تحققت .

 

وعلى كل حال يبقى للثقافة وأحاديثها النكهة التي أفتقدناها زمنا ، فلا باس من أن نحفظ للتأجيج فضله علينا بأن أعاد لنا لحائظ أشتقنا إليها .....

 

ودمتم على ود ....

 
abusleem@gmail.info

 

 هامش ـــــــــــــــــــــــــــ :

     * مقال سبق نشره بموقع ليبيا جيل.كوم.

(1) قال صاحب اللسان : الأَجِيجُ: تَلَهُّبُ النار. ابن سيده: الأَجَّةُ والأَجِيجُ صوت النار؛أَبو عمرو: أَجَّج إذا حمل على العدوّ، وأَجَّ الرَّجُلُ يَئِجُّ أَجِيجاً: صَوَّتَ؛ وأَجَّ يَؤُجُّ أَجّاً: أَسرع؛ والأَجَّةُ: شدة الحرِّ وَتَوَهُّجه.....

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع