|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
كم تغمر السعادة قلبي عندما يتصور خَيالي عظيم أجر الهجرة في سبيل الله و سنة الابتلاء ؛ تلكم المعاني العظيمة التي و إن بهتت في قلوب كثير من أبناء الإسلام !! إلا أن حديثنا الدائم عنها و حولها يعيد في نفوسنا الأمل بأن الغد مُشرق بَرَّاق بنور مشكاة الفرقان.. و حكمة نبوة خير الأنام.
الهجرة يا أُولِيْ الألباب.. تاج على رؤوس المهاجرين إن هم عقدوا النية في سبيل الله رب العالمين ... فَحَيِّ على هجرة يكتب لنا الكريم سبحانه في كل خطوة نخطوها حسنة في ميزان حسناتنا... و في كل مُراغمة للشيطان حسنات و درجات و لمقارعة النفس في ميدانها تظهر معادن الرجال... فَذَهَبٌ إبريز.. أو صفيح صدآن !!
و من يخرج من بيته مودعاً الديار التي كانت عامرة بذكر ربها و وِجهته الله و رسوله – صلى الله عليه و سلم - ... فقد وقع أجره على الله الكريم .. فما بالك إن تحصل على صكٍ رباني لمفتاح الجنة .. ذلك أن الحنَّان المنَّان سبحانه قد ضمن بأن أجره قد وقع على حِساب الله .. فأنعم به و أكرم مِن رب كريم جَواد رحيم... عَلِم من خفايانا ما يحول بيننا و بين بابه سبحانه عندما كُنَّا ننعم بِدِفْء الصاحب و القريب.. فهذا بيت أخي قابع في حي ( سيدي حسين ) وسط بنغازي العامرة .. أحتسي عندهم كوباً من شاهي الأخوة و المحبة و صلة الرَحم.. و ذاك منزل أختي أزوره عندما يفتح فصل الربيع لنا أبواب بهائه ناثرا في أرجاء ربوع وطني رياحين زهوره .. وفي كل ربوة منه معرضاً للزهور تتباهى رُباه و تتبختر أمام صويحباتها.. فهذه ربوة الجبل الأخضر ذات قرار و معين و زهور و رياحين... و تلكم ربوة الجبل الغربي قد تحلت بِفُسَيِفِسَاء ورد.. و ياسَمين.. و الواحد منَّا قد لا يُقَدِر نعمة الاستقرار و القُرب من الأهل و الصحب الكرام .. و من غفل عن شُكر نعمة من نِعم الكريم المنَّان سبحانه .. أبتُلِيَّ بفقدها رُغم أنفه!! ألا ترى أنه يترك بلدته و هو خائف يترقب!! و لسانه يلهج بدعاء خاشع تسمع ملائكة السماء رجَّاته في الآفاق " ربِ نجني من القوم الظالمين " .. و ما إن يَحُطَ رحاله بدار أمان و سلام .. يكون وِردُه اليومي " ربي إني لِمَا أنزلت إلَيَّ من خيرٍ فقير ". إنه انبعاث جديد ..و حياة كُتبت من جديد لصاحبها .. فقد كان يُمكن أن يكون مِمَّن كُتب عليهم القتل أو السجن مِن أصحابه داخل ربوع الوطن؟! فمنهم من فاز بأجر الشهادة و اشتم أصحابه عبق دمه مِسكاً فواحاً كما شهد بذلك من لا يزالون يقبعون بين جُدران مدرسة يوسف الصِّديق عليه السلام في سجن أبي سليم بضواحي طرابلس الغرب.. فذاك هو الفوز و رب الكعبة .. بَخٍ بَخٍ بجنة ريحها المسك ينفذ من وراء البرزخ لينشر شذاه تثبيتاً لمن كان على الدرب سائرا و متمسكا... أمّا نحن .. فلأن بضاعتنا مُزجاة.. أراد الكريم المَنّان أن يُعامِلنا بفضلِه ؛ لا بِعدْلِه .. فكانت عطاياه سَخيّة بِهْجرة في سبيله تُحط من خلالها سيئاتنا.. و تُرْفع بها دَرَجاتنا .. فهل نحن أهلٌ لتلكم العطايا الربانية .. فأصلحنا نياتنا و استحضرناها خالصة لله .. و بالله . و في سبيل الله ؟! و عندئذ يُعْظِم لنا مولانا الأجر.. و من أطال الطرق.. فُتِح له باب الكريم المَنَّان.
فلا تحزن أخي إن فُرِضت عليك الغُربة دون اختيارك!! فكم من مستقر في وطنه قد زَلّت قدمه بعد ثبوتها و أصبح شيطاناً أخرصاً ساكتاً عن الحقِ.. وحًجته أنه مُستضعفُ في الأرض!! لا يستطيع إنكار المُنكر أو إصلاح الموجود .. و إيجاد المفقود... و هُنا نلمح روعة تعبير" ابن عطاء الله السكندري " في توصيفه لمثل هذه الابتلاءات ( رُبما منعك.. فأعطاك ... و رُبما أعطاك فمنعك ) منعك من تُراب بلدك و نسيمه و أحبابك... فأعطاك أجر الصابرين المُحتسبين على لأواء الغُربة و مَشقتها و وحشتها .. و ضياع القَدْر و الجاه!! - بعد ذياعه بين قومه و منعته و عزته بينهم!! - هذه العَطِيَّة قد لا تدركها - أخي المهاجر .. أختي المهاجرة - إلا بعد أن تقف بين يَدَيّ مولاك راجياً منه العفو و المغفرة.. و إذا بجبال من الحسنات تتراءى لعينيك من قريب.. و قبل أن تعتصر الحَسرة قلبك.. يُبشرك الكريم المنان بأن ثباتك و صبرك على غُربتك ما ضاع هباءَ.. و أن مولاك كان يُربي لك أجر الهجرة لأنك جعلتها في سبيله و مَرضاته .. فما ضيعت .. و لا بدلت.. و إذا بجبال الحسنات تلكم تَصُب في ميزانك فترجح الكفة.. و يصعد نظرك إلى أعلى.. و تشرئب عُنُقُك إلى فوق الفوق !! إلى هُناك.. حيثُ النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين.. و حَسُن أُولئك رفيقا...
نسأله و هو خير مسئول جَّل في عُلاه .. إن لم نكن نحن أهلاً لتلكُم المرتبة؟! فهو سبحانه أهل التقوى ... و أهل العطاء و المَغْفِرَة.
صلاح بوغزَّيِل الجمعة - 17- رمضان- 1426هجري الموافق - 21/10/2005ميلادي.
|
![]()