|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
مؤتمر المعارضة الليبية.. ثمرة أقتطفت قبل أوانها؟!!
لقد حرّك مؤتمر المعارضة الليبية المنعقد في لندن منذ بضعة أشهر ركوداً سياسياً كان قد خيم على نشاط المعارضة الليبية منذ سنوات.. وربما يثير فتح هذا الملف بعض التساؤولات وقد يدفع آخرين ممن تعود في رؤيته للحقائق النظر من خلال نافذة النجاحات والقفز على التحديات دون الوقوف أمامها مليّاً.. سأضع بين يدي القارئ الكريم وجهة نظر قابلة للنقد هي الأخرى.. وسأحاول من خلالها تحليل الحدث ورسم المسار الذي ستتجه إليه بوصلة المؤتمر في الأيام القادمة.. وقبل ذلك أحب أن أبدأ بتسجيل النقاط التالية:
أولاً: جاء هذا المؤتمر بعد سلسلة من الحوارات التي تمت بين عدد من فصائل المعارضة الليبية كخطوة يُهدف من خلالها إحداث تغيير في حالة الإنفراد السياسي التي تعيشها البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ثانياً: جمعت أروقة المؤتمر شخصيات علمانية تؤمن أن لا دين في السياسة جنباً إلى جنب مع شخصيات ذات اتجاه إسلامي ترى الإسلام هو الحل.. كما جمعت من لايرى العمل الوطني إلا من خلال فوهة البنادق مع من يرى العمل السلمي أساسأ للتغيير.. وبين هؤلاء وهؤلاء مجموعة متباينة الأفكار والحضور السياسي من المستقلين.. وتوصل المؤتمر إلى مشروع يتلخص حده الأدنى في: تنحي النظام الليبي عن السلطة في ليبيا، وتكوين حكومة انتقالية، ووضع دستور جديد للبلاد.
ثالثاً: لوحظ غياب "جماعة الإخوان المسلمون" التي يعتبرها كثير من المراقبين أكبر فصائل المعارضة وأكثرها وترابطاً وتأثيراً.. جاء هذا الغياب للجماعة بالرغم من مشاركتها في أولى لقاءاته التحضرية، وقد بُرِّر غيابها أو انسحابها -إن صح التعبير- بارتفاع سقف مطالب المؤتمر وتحديد أجندته قبل موعد انعقاده.. كما بُرر أيضاً بأن الحد الأدنى الذي وُضع للمؤتمر لا يتوافق مع ما تراه الجماعة لحل الأزمة في ليبيا. كما تغيب عن المؤتمر بعض الشخصيات الأخرى المعروفة على ساحة المعارضة في الخارج..
رابعاً: حظي المؤتمر بتغطية إعلامية في أكثر وسائل الإعلام انتشاراً ومتابعة، وتابع الناس الحدث سواء كانوا في داخل ليبيا أو خارجها.
خامساً: في خطوة تعتبر بمثابة ردة فعل رسمية تم حشد جماهير الناس في تظاهرة سماها النظام "التظاهرة المليونية" داخل ليبيا لتقديم ما يعرف بوثائق العهد والمبايعة للقيادة الليبية والتنديد بما قام به المؤتمر.. وتنبئ هذه الخطوة عن حالة القلق التي شعر بها النظام إزاء الحدث.
والسؤال المطروح هو: ما هي التحديات التي تواجه المؤتمر في مسيرته القادمة؟ وإلى أين ستتجه بوصلته بعد هذه البداية؟ جملة من التحديات ستواجه المؤتمر بعضها داخلية ترجع إلى تركيبته وطريقة تناوله للقضايا في الفترة القادمة.. وجملة أخرى تتعلق بالمؤثرات الخارجية التي يفرضها واقع ومتغيرات الشأن الليبي المحلي والعالمي.
بدون عناء يستطيع أي مراقب أن يلاحظ الحضور الواسع لأهم شخصيات "الجبهة الوطنية للإنقاذ" التي خرجت بعد سنوات من العمل السياسي والإعلامي والعسكري بخبرة واسعة في كيفية التعامل مع الملف الليبي.. ولايقف ذلك عند مسألة الحضور بل يتعداه إلى التأثير في المسارات التي اتجه إليها المؤتمر فيما بعد بالرغم من مزاعم الكثير من تضائل شعبية الجبهة وتخلي الناس عنها بسبب إنحصار الأدوار القيادية فيها على عناصر معينة منذ نشأتها.. ونجد في تركيبة المؤتمر كذلك أحزاباً سياسيةً حديثة النشأة لم يتبلور لها مشروعاً سياسياً بعد، وتجمعات أخرى لا يتجاوز عدد أعضائها أصابع اليد الواحدة..
تركيبةٌ بهذا الشكل تجعل فرص طرح أجندة الأحزاب حديثة النشأة وقليلة التأثير غير متكافئة مع غيرها من الأحزاب.. بل ربما يجعل بعضها مجرد رقمٍ مضافٍ إلى قائمة المشاركين.. من جانب آخر يجعل المهمة أصعب على تيار قديم مثل تيار "الجبهة الوطنية" للاقناع بمبدأ تتساوى فيه مع مجموعة من المراهقين السياسيين وأحزاب ليس لها أي ثقل سياسي أو إعلامي وما يؤول إليه من فقدانها لهيبتها ومكانتها التي جنتها منذ أكثر من عقدين..
ربما يمكن اعتبار الإتفاق حول المطالب التي رآها المؤتمر خطوة جيدة في حد ذاتها.. لكن الأمر لن يكون بالسهولة حين يقدم المؤتمر في وقت لاحق على اتخاذ قرارات وخطط ومشاريع تترجم هذه الأهداف وتبدأ فيها مرحلة العمل الميداني الحقيقي.. فالخلفيات الفكرية وتباين الخبرة في ميدان العمل السياسي سيشكل عائقاً للتقدم نحو خطوات أخرى.. والذي لا يجعل مثل هذه القضايا غير مطروحة الآن هو أن المؤتمر لا يزال يسبح في بحر العموميات.. أما ما تقوم به اللجان المنبثقة عن المؤتمر-رغم تقديرنا للجهود المبذولة- لا ترقى إلى مستوى تطلعات المؤتمر وتحقيق مطالبه الثلاث فضلا عن تطلعات من يخالفونهم..
وأما عدم التوصل إلى انتخاب رئيسٍ للمؤتمر أو حتى ممثل أو ناطق رسمي "واحد" يعبر عن الجميع فقد أثار تساؤل لدي كثير من المراقبين.. ولهذا الأمر دلالات.. لعل من بينها تجنب أعضاء المؤتمر لصبغ المؤتمر بتنظيم من يقوم بالتصريح نيابة عنه.. وربما لتجنب التنازع على الزعامة في أول لقاءاته.. أو ربما كان ذلك لعدم تمكن المشاركين من الاتفاق على شخصية تكون لها قدرة على جمع أطراف هذه الفيسفساء يكون حيادياً وسط هذا التباين العددي والفكري والأيدلوجي..
وقد أثارت وسائل الإعلام تساؤلات حول غياب جماعة "الإخوان المسلمون" عن المؤتمر.. وجاءت الإجابة عن هذه التساؤلات واحدة من طرف كل كل من تحدث باسم المؤتمر عقب انتهائه.. تتلخص في قبول هذا الغياب باعتباره خياراً سياسياً آخر يحترمه المؤتمر ولكنه لا يتفق معه.. يرجع هذا الاختلاف إلى تباين القراءة السياسية للاحداث وهو ما حال دون مشاركة هذه الجماعة في المؤتمر.. وبالرغم من ظهور هذه التصريحات بشكل متناغم مع تقديرات المواقف السياسية للمخالفين واعتبارها تنوعاً يضاف إلى العمل الوطني إلا أنه لا يزال الكثير من أعضاء المؤتمر يرى بأن خيار الإصلاح الذي اتخذه الإخوان المسلمون سيقف حجر عثرة أمام مسيرة المؤتمر باعتباره سيطيل في عمر النظام.. وسنرى في المستقبل القريب تصعيداً وموجة قوية من التنديد وربما الاتهام بالعمالة لهذا الموقف إذا ما تم فعلاً إطلاق سراح معتقلي الإخوان المسلمين..
ويُعد الاتفاق على مطلب "تنحي النظام في ليبيا عن السلطة" كشرط لبدء عملية الإصلاح السياسي والأقتصادي والإجتماعي قضية ذات أهمية في مسيرة المؤتمر.. لكن نجاح هذا المشروع برمته سيكون رهيناً بتحقق هذا المطلب..
إنني في هذا المقام لا أناقش مسألة شرعية النظام من عدمها.. لأن هذا ليس موضوع البحث الآن.. ولكن أريد الإشارة إلى ما سيؤل إليه خيار المؤتمر وفق قراءة الواقع والمستجدات..
إننا نتكلم عن مشروع وطني عملي وواقعي ينتظره جميع الليبيين ليكون المنقذ للبلاد من حالة التدهور والفساد التي تعيشها البلاد .. ويجمع عليها الحاكم والمعارض والمواطن.. ولا نتحدث عن سلسلة من المطالب-وإن كانت شرعية- تنتهي إلى لا شيء..
لم يحصل في السابق -ولا أظنه سيقع في القريب المنظور- أن قام نظام ديكتاتوري في أي بلد عربي بالتنحي عن السلطة نتيجة لمطالبته بالتنحي وإن تظاهرت آلاف الناس وقدمت بين يديها المئات من الشهداء.. ولا أظن بأن لو كان أحد المؤتمرين مكان النظام الليبي فعل ذلك.. هذا تراث سيء من حب الزعامة والاستماتة عليها ورثناه منذ قرون.. أما وقت التداول السلمي للسطة في مجتمعاتنا المتخلفة لم يحن بعد.. وأما زمن ثقافة قبول الرأي المعارض واعتباره سمة من سمات المجتمع المتحضر الذي يكون فيه الجميع شركاء في البناء يحن هو الآخر..
معادلة التنحي عن السلطة تخضع لموازين القوة والضعف.. قوة لدى المطالب بالتنحي يستطيع من خلالها السير في اتجاه ما يريد.. وضعف يطرأ على الطرف الآخر يجبره على القبول بما يطلب منه..
وإذا أردت أن تحصر مصادر القوة التي بين يدي المؤتمر الآن أو التي نتوقعها في المنظور القريب فلا يمكنك رؤية ما يُدفع به عصى سليمان التي أكلها السوس.. ولا أعتبر ذلك نوعاً من التوهين أو الإساءة أو المبالغة أو نثر بذور اليأس.. لكنها قراءة منطقية ونظرة واقعية بعيدة عن جرجرة العواطف والاستسلام لأحلام اليقظة.. ولمن لا يتفق مع هذا فعليه أن يجيب القارئ الكريم عن هذا السؤال: ما الذي يملكه المؤتمر من قوة يمكنه بها (إلزام-إجبار-إقناع) النظام الليبي بالتنحي عن السلطة ؟!! وما الذي سيفعله المؤتمر ليصل إلى حالة التأثير تلك؟!!..
صحيح أن صاحب الحق هو الأقوى وأن الظالم هو الأضعف وإن بدى للناس عكس ذلك.. لكن لابد لانتزاع الحق من قوة.. ولابد للحق من قوة تحميه وتحافظ عليه.. تلك هي النواميس الكونية التي لا يحابى فيها أحد على حساب أحد وإن كان مظلوماً.. لابد من وجود حد أدنى يتحقق معه التكافؤ.. فما هو الحد الأدنى من القوة التي يعول عليها المؤتمر لبدء مسيرة العمل الحقيقي؟..
لا أظن بأن المؤتمر قد انعقد فقط للخروج بهذه المطالب والوقوف عندها!! .. ولا أظنه- إن كان ذلك هو السبب- سيضيف جديداً للمواطن الليبي الذي قسم ظهره الفساد الذي تعيشه البلاد طيلة سنوات عجاف.
لم تتمكن المعارضة الليبية في السابق من التأثير في النظام الليبي –فضلاً عن إسقاطه "تنحيته" وقد كانت تمر بأفضل حالاتها من الدعم المادي والإعلامي وحتى العسكري.. لم تستطع ذلك يوم أن كان النظام محاطا بعزلة محلية وعالمية شائكة.. يتربص به القريب والبعيد.. ويتخبط في تجربة طيش الشباب.. لم تستطع إزالته وقد بلغت مرحلة الغضب الشعبي نتيجة الاستهتار بحقوق الشعب وإذلاله ذروتها.. لم تتمكن المعارضة الليبية من إزالته وهي في تلك الظروف مجتمعة والتي لا يختلف اثنان فيها أنها كانت فرصة ثمينة من فرص التغيير لمن يرى التغيير بذلك الأسلوب.. أما اليوم فتهمة الإرهاب تلاحق كل من رفع للمقاومة شعاراً.. فمجرد التلويح بالسير في هذا المسار ينتهي بصاحبه إلى سجون هي أسوأ من سجون النظام الذي يعارضه؟!!.. وقد سوى النظام جميع ملفاته العالقة مع خصومه.. وقد أصبح غريمه بالأمس شريكه باليوم.. يتسابق الجميع لتحسين العلاقات وعقد الصفقات.. لقد خفف النظام من وطاة الضغط الشعبي بإصلاحات هنا وهناك يمتص بها الغضب وتشغل المواطن بمعاناة الحياة اليومية التي لا يجد معها وقتاً لمتابعة الترف الفكري الذي أتخمت به أروقة المعارضة ولا يلامس شيئاً من معاناته الحقيقية..
على أي شيء يُعوِّل المؤتمر بقوله "تنحي النظام"؟!!.. هل يعوِّل على تنحي النظام طواعية ؟!! أم يعول على إجباره خارجياً وإعادة مسلسل كئيب كمسلسل العراق؟!! أم يُعوِّل على ثورة شعبية؟!! وإن كانت الأخيرة فمن هم روادها؟!! ومن هم رجالها ؟!!..
سيواجه المؤتمر تحديات متمثلة في إمكانية المحافظة على شباب تجره عاطفة ويركض وراء نشوة الإحساس بالتفاني في ميادين العمل الوطني.. سيجد المؤتمر نفسه غداً أمام وابل من التساؤلات الجوهرية حول حتمية وعمليه هذا الخيار وتبعاته... أظن أن المؤتمر بحاجة إلى البحث عن مرتكزات أساسية قوية تقنع من يوجه لهم الخطاب بمساره ولايكتفي بمجرد قناعاته هو بها.. فالأحداث في ليبيا تتغير بشكل متسارع والمؤتمر بحاجة إلى التفكير في ضوء معطيات الواقع لا بعقلية السبعينات أو الثمانينات..
ربما يحمل هذا الكلام البعض-ممن يقف حائراً وعاجزاً عن الإجابة عن هذه التساؤلات- على الرد عن السؤال بسؤال.. فيقول: ما هو الحل إذن ؟!!..
أن من يريد التعامل مع الأزمة الحقيقية في ليبيا لابد له من أن يصوب بصره إلى ما هو أبعد من موطئ قدميه.. ولابد له أن ينظر إلى ما بعد زوال النظام الليبي.. فلا أعتقد بأن شكل المعادلة التي نعيشها اليوم ونحاول إيجاد تفسير لكيفية الخروج منها سيتغير كثيراً حتى بعد رحيل النظام الحالي الأمر الذي يعول عليه المؤتمر لاستئناف التغيير.. بل غالب الظن أن المعادلة ستصبح أكثر تعقيداً.. إن التعامل مع التركة التي خلفها النظام وراءه بعد هذه السنوات المليئة بالأحداث قد تشابكت خيوطها وخلفت آثاراً كبيرة على المستوى الثقافي والاجتماعي والنفسي لدى المواطن المعول عليه في التغيير.. تحتاج إلى تفكير أعمق والتخلص من أسر عقدة التفكير في الزمن الماضي الذي تغيرت معظم أبجدياته.. أما حصر موضوع التغيير في بقاء النظام أو في عدمه فهو تعامل مع العوارض التي لا تزول عادة إلا بزوال أسبابها.. ودامت مسيرة العمل الوطني الرائد .. وحقق الله آمال وأحلام أبناء ليبيا الأحرار..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مع تحيات ،، رؤوف المنتصر
|
![]()