15/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

              

 

مصيبة المقرحي تلاحق القذّافي الى النهاية!

بقلم: مخضرم

 

تحت عنوان "خطّة سريّة من أجل مفجّر لوكربي" نشرت جريدة "هيرالد" اللندنيّة بتاريخ 12 أكتوبر الجاري تقريرا بقلم (لوسي آدامس) كشفت فيه عن محادثات سريّة جرت في لندن وجنيف بين رجال الإستخبارات في الدول الثلاث: ليبيا ومثّلها موسى كوسه ومعاونوه؛ وبريطانيا وأميريكا . وذلك لمناقشة مشكلة عبد الباسط المقرحي مدير جهاز الإستخبارات بشركة الطيران الليبيّة،وقد حُكم عليه بالمؤبّد أولا في يناير 2001 بسجن (بارليني) بمدينة جلاسجو الإسكوتلانديّة ،تمّ تأكيد الحكم في الإستئناف المرفوع عام 2003 بحيث لا يقلّ عن 27 سنة. ولسنا في حاجة الى سرد تفاصيل هذه القضيّة التى طبّقت الآفاق، واعتقد حاكم قذّافيستان أنه قد أبرأ ساحته وتخلّص منها، عندما سلّم عام 1999 الى محكمة أسكتلنديّة جرت في هولندا المتهمين الليبيين: فحيمة الذي حكم عليه بالبراءة والمقرحي بالإدانة. واضطرّ القذّافي الى الإعتراف رسميا للأمم المتحدة بمسئوليّة دولته عن الجريمة ودفع ألفين وسبعمائة مليون دولار الى أهل ضحايا التفجير المائتين والسبعين، حتى ترفع العقوبات.

 

ويقضي المقرحي الآن فترة العقوبة في سجن آخر هو (جرينوك). وهناك تظلّم مرفوع الى ما يسمّى (اللجنة الأسكتلنديّة لمراجعة القضايا الجرميّة) يستند على عوامل تشكّك في الأدلّة التي قُدّمت للمحكمة واعتمدت عليها في إصدار أحكامها . وقد بيّنت صحيفة "الأوبزيرفر" البريطانيّة الغنيّة عن التعريف هذه العوامل في مقال لها بتاريخ 9 أكتوبر الجاري عنوانه "تشويش قضائي يلقي ظلالا من الشكّ على لوكربي" وملخّصه : أن بصمات المقرحي على حقيبة المتفجّرات وعلى أجزاء من أشرطة راديو توشيبا،وكذلك على قطع الملابس التي وُجدت مع بقايا التفجير والعائدة اليه،قد طعن فيها محاموه كأدلّة دامغة قائلين : "إن أمثال هذه المواد من المفترض أنها دُمّرت إذا ما كانت داخل الحقيبة التي احتوت القنبلة،بينما هي الآن قد نجت من التفجير"! كما قُدّم للمحكمة رباط أطفال متفحّم لأن المتفجّرة كانت ملفوفة به، بينما اكتشف مؤخّرا أن هذا الرباط عُثر عليه سليما،والمتفحّم الذي قدّم للمحكمة كدليل إدانة،كان الرباط الذي استعمل في التفجير التجريبي..وكانت شهادة التاجر المالطي الذي قيل إن المقرحي اشترى منه الملابس متذبذبة في التعرّف على شخصه، كما اعترف القاضي بذلك. غير أنه رغم ذلك اعتمدها قائلا: "في بعض المواقف فإن الشاهد الذي يشتبه في التعرّف هو أصدق من ذلك الذي يجزم مائة في المائة" وهناك عامل شكّ جديد أثارته شهادة بالقسَم مكتوبة من قائد شرطة اسكوتلندي،لم يُكشف عن إسمه، وقُدّمت لمحامي المقرحي في الشهر الماضي أكّد فيها أن الأدلّة الرئيسيّة كانت مزيّفة،وأنه أحجم عن الإدلاء بشهادته تلك آنذاك لاعتقاده أن الإستئناف سيبريء المقرحي، ولأنّ هذا لم يقع فهو يتقدّم بها الآن.. ومن المعروف أن الأحكام حين صدرت أثارت عدم ارتياح لدى كثير من المراقبين،والقانونيّين منهم بالتحديد،حيث حامت الشبهات أكثر على أن مدبّري العمليّة كانوا من أعضاء (الجبهة الشعبيّة- القيادة العامّة) المدعومة من سوريا و إيران . وظهر من وثائق تسرّبت من وكالة الإستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأميريكيّة،بعد سنتين من دمغ الليبيين الإثنين بالعمليّة،أن الجبهة الشعبيّة المذكورة استمرّت مشبوهة بارتكابها. ومن هنا برزت المخاوف من أن عرض الحكم على اللجنة الأسكتلنديّة للمراجعة،ومن المرجّح أن يبتّ فيه في العام المقبل،قد يدعوها الى إعادة المحاكمة في إستئناف جديد، وهو ما جعل الدول الثلاث تسارع بالمشاورات لتفادي التداعيّات المقيتة لمثل هذا الإجراء .

 

ومؤدّى هذه المشاورات هو نقل المقرحي الى سجن في ليبيا أو الى سجن في دولة أفريقيّة مجاورة لها يكمّل فيه مدّة العقوبة،وبذلك تُفوّت الفرصة على لجنة المراجعة وتسقط إجراءات الإستئناف. وهكذا وحسب تعبير النائب البرلماني السابق (تام دالايل): "يبدو أن الحكومة تريد تحاشى الهلع الذي سيصيبها إذا ما وجدت لجنة المراجعة أن الحكم لم يكن سليما .. أي أن تحفظ ماء وجه العدالة الإسكتلنديّة."!

 

وفي إفتتاحيّة جريدة (هيرالد) بنفس العدد قالت تحت عنوان (ورطة بغيضة): "إذا ما أثبت الإستئناف الجديد تورّط الدولة الليبيّة،فإن هذا سيضع العقيد القذّافي في حرج كبيروهو يشاهد بلاده تصعد بثبات الى سدّة إعادة الإعتبار الدوليّة إضافة الى تنكّره لماضيه الإرهابي الذي لا يريد أن يُعرّض له مجدّدا". وبعد أن أشارت الى قيام الرئيس الأمريكي برفع العقوبات مقابل تسليم القذّافي لبرامج أسلحته النوويّة وتبرير هذا التحوّل كضربة قاسية ضد شبكة الإرهاب، مع أنه لقي فشلا مروّعا في العراق، قالت: "إن واشنطن لا تريد أن يُقوّض هذا النجاح القابل للجدل في ليبيا بواسطة الضرر الذي سيلحق بصديقها الجديد نتيجة التفاصيل التي ستظهر عن الإرهاب. "! ثمّ تحدّثت عن "المصالحة" التي سعت إليها الدول الثلاث: "وعلى الرغم من أنها كريهة،إلاّ أنها- مثلما جرى في إيرلاندا الشماليّة- مقبولة حين تجعل العالم أكثر أمنا ،على أن صفقة المقرحي يُشتمّ منها أغراضا سياسيّة أكثر منها رغبة أصيلة للتصالح. وبما أن ليبيا ما تزال دولة حكم الفرد المطلق وكان لزعمائها دور رئيسي في وضع القنبلة على الطائرة، فعلينا معرفة ومواجهة كلّ هذه القضايا قبل حتى أن نتكلّم عن أي تحرّك مقبل. فالعدالة تتطلّب الشفافيّة،ولم تعن مطلقا النفعيّة"!

 

وبدا أن الموضوع استفزّ الكثيرين من أهل ضحايا الكارثة،(فجيم سواير) المتحدّث باسمهم والذي فقد إبنته فلورا بينهم،وقام بدور مكثّف حتى استسلم القذّافي ورضخ للمطالب،سارع بالكتابة الى الجريدة بتاريخ 13 أكتوبر الحالي مستعرضا الجهود التي بذلها طيلة السنين الماضية في القضيّة. وكان همّه منصبّا على معرفة مرتكبي الجريمة وإصدار حكم العدالة بحقّهم: "غير أنه للأسف حين الإستماع بانتباه الى الدليل المقدّم الى المحكمة جعلني،كشخص غير مختص،استخلص أن الإدعاء المعترف به أنه ظرفي لم يلبّ لا مقتضيات الفطرة السليمة،ولا الشكّ المعقول،وهو الأهم . والكثيرون يشاركونني الرأي أن نفس الدليل يعرّي جملة أسباب وراء رغبة الحكومات المتورّطة ربما في تحقيق أهداف خاصّة من المحاكمة" وبعد أن بيّن سواير "أن هذا الدليل استند – بشكل دامغ- على نتائج ما قدّمته الإستخبارات الأمريكيّة والبريطانيّة بالتحديد وهي قصدت خدمة أهداف حكومتها وقرّرت من يقوم بالشهادة،وأية حجج قانونيّة تقدّم وتكييفها قبل المحاكمة" استشهد بإنذار نيلسون مانديلاّ الذي أطلقه في اجتماع الكومونويلث بأدنبره حين قال :"لا يحقّ لدولة واحدة أن تكون المشتكية والمدّعية والقاضي في الوقت نفسه." وهنا اتهم سواير بريطانيا بتحمّل مسئوليّة أمن الطائرة حسب ما توصّل اليه المحقّقون،وأمريكا أيضا كونها مالكتها وغالبية الضحايا منها،أمّا مسئولية السلطات القضائيّة الأسكتلنديّة فاعتبرها جسيمة. واستطرد في رسالته مصرّا على ضرورة إعطاء لجنة المراجعة الفرصة لتقرير ما إذا كان أستئناف جديد له ما يصوّغه . ومع اعترافه أن هذا قد يطيل فترة سجن المقرحي سواء كان مذنبا أو بريئا،إلاّ أن الضرر الذي سيلحق بسمعة القضاء الأسكتلندي سيكون أعظم إن لم يُستكمل الإجراء وسُمح للحكومتين البريطانية والأمريكيّة بإيقافه في الطريق. أمّا بالنسبة للمقرحي "فهو إن تمّ نقله الى ليبيا فربّما تحوّل الى بطل ولكنّه سيخسر تعويله الشديد على الإستئناف ." وهدّد في الختام بأنه كطرف مولّج بعمق في القضيّة لن يسمح بحدوث ذلك،ومصمّم على ضرورة قيام لجنة المراجعة بمهمّتها بمنأى عن تدخّل الحكومات . وسرعان ما لقي هذا التهديد صدى إيجابيا،إذ أن لوسي آدامس محرّرة الجريدة ثنّت عليه بأن أشارت الى الفصل 194 من لائحة قانون لجنة المراجعة  الصادر عام 1995 والذي يقرّر أن على اللجنة أن تنظر في أي طلب مراجعة وأن تستمع الى أي عرض يقدّم لها. وأيّد هذا روبيرت بلاك الأستاذ بجامعة أدنبره والذي كان له باع طويل في القضيّة منذ بدايتها، إذ صرّح: "إذا مارغب المقرحي في عدم الإستمرار في إجراءات الطلب،فسيتعيّن على اللجنة أن تصغي باهتمام الى من يتقدّم اليها من العائلات." ومن جانبها صرّح ناطق باسم اللجنة،أن الطلب يمكن – نظريّا – متابعته في غياب المتقدّم به . ولكن على المحكمة التي سيحوّل اليها أن تقرّر . واكتسى الأمر الآن صفة رسميّة لأن (هاري كوهين) النائب عن حزب العمّال في مجلس العموم طرح إستجوابا يوم 12 الحالي على وزارة الخارجيّة يتساءل عن النقل المحتمل للمقرحي . واستشاط "سواير" غضبا من سماع خبر النقل ووصفه " بمناورة ذات رائحة كريهة من السياسيين لإخضاع العدالة ولكنني مصمّم على الوصول الى الحقيقة ".

 

ولم تخف الصحفيّة في تعليقها ما يجري وراء الكواليس عندما قالت: "إن أجهزة الإستخبارات في بريطانيا وأميريكا وليبيا تفضّل جميعها عدم إعادة فتح القضيّة على الملأ ،لاسيّما مع تحسّن العلاقات بين البلدان الثلاث، إذ أن واشنطن ولندن ربطت صلات بالعقيد القذّافي كعامل في الحرب ضد الإرهاب في بلدان أخرى!". وهو تلميح لا يحتاج الى تصريح  (راجعوا مقالنا على هذا الموقع منذ أيام قليلة بعنوان حذارِ أيها العراقيّون). وما رصدناه اليوم من تطوّرات في هذه القضيّة لا يدع مجالا للشكّ في أن كلّ ما فعله القذّافي من انبطاح مهين ودفع آلاف الملايين من الدولارات (دفع أيضا بصفة سريّة في بداية السنة 130 مليون دولار كتعويض لشركة بانام مالكة الطائرة التي أفلست) ومنح عقود إمتياز البترول الليبي بسخاء لم تحلم به الشركات الأمريكيّة.. كلّ ذلك سوف لن ينجيه يوما ما من وضعه في قفص الإتهام،فالذين ابتزّوه لا يعدمون عشرات الوسائل والأحابيل في مواصلة ملاحقته. وحتى لو أرضى الحكومات والمسئولين بصفقاته السريّة في الخيمة، وحتى لو أفرج عن الممرّضات البلغاريّات مقابل عودة المقرحي،وما سيثيره من ضجيج الإحتفالات والمفاخر الكاذبة بالإنتصار،فلن يهرب من قبضة العدالة، لأن عائلات الضحايا،قبضت الملياردات وها هي الآن تنبري له وتلاحقه، فأين المفرّ؟

 

مخضرم

                                                                                                     


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع