|
|
|
تنبيه لكارثة... فليحذر شكري غانم! مخـضـرم
عندما أُعلنت المناقصات لمنح عقود إمتياز النفط الليبي تحت إتفاقيّة ما أطلق عليها EPSA 4 (الإستكشاف وتقاسم الأرباح الرابعة) رصدنا تطوّراتها في سلسلة مقالات توضيحيّة موثّقة،الى أن أعلنت قائمة الفائزين بالعقود؛ فتناولناها بما يلزم من النقد والتحليل (1) . والآن جاءت دورة أخرى من المناقصات فمُنحت عقود جديدة الى طائفة واسعة من الشركات خلال الأسبوع الماضي،ولاشك أن المهتمّين بشئون النفط الليبي،وهو عصب الحياة الوحيد في البلاد، قد اطلّعوا على قائمة الفائزين وشروط فوزهم . ونقول "المهتمّين" إذ ليس كلّ الليبيين- بما فيهم النخبة المثقّفة وحتى غالبيّة القادرين من المعارضة الوطنيّة- مهتمّين بما يجري لعصب حياتهم هذا،الذي أصبح مصيره نسيا منسيّا يتصرّف فيه حاكم قذّافيستان وأولاده كيفما يشاءون،ممّا شجّعهم على الإمعان في إشباع أهوائهم في التملّك والإهدار والفسق والإفساد (2) مقابل حرمان شعبهم من ثروته،بل إفقاره وإذلاله.
وعلى الرغم من أن الإعلام القذّافي لا سيّما المتمثّل في وكالة أنبائه لم ينوّه إلاّ بكثرةعدد الشركات المتقدّمة للمناقصة وجنسيّاتها وضخامة المساحات التي ستستغلّ،كما اقتصر بيان المؤسّسة الوطنيّة للنفط على نشر قائمة الشركات الفائزة ومواقع الإمتيازات الممنوحة لها،في محاولة للإيهام بالشفافيّة التي اتبعت. غير أننا نميط اللثام هنا عن بعض التفاصيل،لافتين الإنتباه إليها كما يلي :
وقد بلغ مجمل الإستثمارات المتوقّعة من هذه العقود نحو 480 مليون دولار،ولم تتجاوز المنح التي ستتقاضاها الحكومة الليبيّة عليها مائة وثلاثة ملايين وثمانية وثلاثين ألفا وثلاثمائة دولاربالتمام والكمال! وهكذا جاء الفائزون هذه المرّة من عدّة بلدان،وهي ظاهرة مستحبّة بدلا من أن تكون ثرو البلاد حكرا على الأميركيين والأوربيين،ولو أنها من ناحية أخرى تزيد الهمّ والحزن الذي يشعر به المرء حين يرى شركات بلدان من العالم الثالث وقد استوعبت التقنية والمهارة حتى تمكّنت من الدخول كمنافسة في صناعة النفط المتقدّمة في ميادين الإستكشاف والتنقيب والإستخراج،بينما انحطّ المستوى في جماهيريّة القذّافي حتى تأتي إليها شركات لتنتج نفطها من بلد كالإمارات استقلّت بعد (إنبلاج الفاتح العظيم)،أو من تركيا غير المصدّرة للنفط أو إندونيسيا التي دخلت فيها هذه الصناعة بعد ليبيا أو من الجزائر المجاورة والتي هدّتها الحروب الأهليّة . ولا غرو أن تصل الحالة الى هذا الحدّ ،عندما يأمر حاكم ليبيا الفوضوي المستهتر بتجنيد ذوي المهارات في هذه الصناعة من أبنائها لكي يحاربوا في أدغال أوغندا وصحارى تشاد،الى أن هرب معظمهم منها فتلقّفتهم أمريكا والسعوديّة وحتى الإمارات ليمارسوا فيها مهنتهم،والتي درسوها في أرقى المعاهد الأمريكيّة والأوربيّة،وطبّقوها في ليبيا قبل انقضاض قوى الهمجيّة والتخلّف عليها ..
ولا يخفى ممّا سردناه من العقود وبعض شروطها الواضحة،أن مجرّد إعلان المناقصات العالميّة وفتح المظاريف في اجتماع يحضره ممثلو الشركات المتنافسة وإعلان النتائج أمامهم،لايعني في حدّ ذاته الحيدة والنزاهة والشفافيّة .. لأن هناك أساليب للتلاعب والإتفاقات المسبّقة التي يقوم بها أزلام النظام وعملاؤه المأجورون المنتشرون في أصقاع الكوكب،بحيث يقدّمون العروض بالشكل الذي يضمن الفوز لها .(4) على أن ما أثار ثائرتنا وحفّزنا على كتابة هذا الموضوع هو ما صرّح به شكري غانم رئيس وزراء النظام للصحفيين بعد إعلان النتائج،إذ نقل عنه القول :"إنه سيسمح للشركات بتملّك النفط وأن تسجّل لحسابها الإحتياطيّات المخزّنة في باطن الأرض بموجب ما يسمّى اتفاقات تقاسم الإنتاج،لأن تطوير الإحتياطيّات المعروفة من شأنه إزالة المخاطر المرتبطة بعمليّات الحفر في مناطق جديدة . وأن النجاح الذي حقّقته سياسة التنافس المفتوح سوف يدفعنا الى التفكير في توسيع عمليّات التقاسم . وليس هناك قرار بذلك الآن،غير أن إمكانيّة التقاسم للحقول المنتجة والأخرى المكتشفة غير المنتجة،سيجري التفكير فيها." ومن البديهي أن يلقى هذا التصريح المتهوّر والذي سيفرّط في ثروة الشعب الليبي مهدّدا مستقبل أجياله القادمة،ترحيبا من دوائر الشركات النفطيّة،فعلى الفور صرّح (روس ميلان) الخبير النفطي في مؤسّسة (وود ماكينزي) الإستشاريّة المتخصّصة بادنبره،وقال :"إن الشركات متلهّفة لوضع اليد على الإحتياطيّات الراهنة لأن ذلك سيمنحها مدخلا سريعا الى الإحتياطيّات ليتمّ حجزها،ويحسّن توقّعات انتاجها.حيث أن الحقول القديمة التابعة لمؤسّسة النفط الوطنيّة في ليبيا تحتاج الى استثمارات جديدة تصحّح من تناقص إنتاجها." . ومثل هذه الفكرة الجنونيّة التي أطلقها شكري غانم-بكلّ عبثيّة واستهتار لا مثيل لها في بلدان (الأوبيك)،فدولة مثل الكويت،رغم أنها محتلّة عسكريّا من أمريكا،إلاّ أنها تمنع قانونا ملكية الأجانب لاحتيطيّات النفط والغاز فيها . بل إن مخطّطها الجديد لاستغلال حقولها الشماليّة،والتي تبلغ اسثماراتها 7 مليارد دولار،لاتطبّق فيه إتفاقية تقاسم الإنتاج،ولكن نظام إيجار للخدمات.
وفيما يلي نسوق هذه المخاطر المحتملة الى شكري غانم –الذي نسي حتى شخصه وسيرته عندما كان مسئولا نفطيّا في العهد الملكي،ذلك العهد الذي خاض نزاعات قانونيّة وماليّة يعرفها جيّدا حرصا على ثروة البلاد- لعلّه يرعوي عن المساس بمقدّرات البلاد وألاّ يجازف بتنفيذ فكرته المذكورة:-
1 – إن الشركات التي ستتمتّع بهذا الإمتياز سوف تنهمك في ضخ النفط بكلّ جهدها وفي أقصر مدّة ممكنة،فالعقود عادة محدّدة زمنيا ،وهي لاتتعدّى عشر سنوات في القانون الليبي،ناهيك عمّا يترتّب على استنزاف الآبار من تداعيات جيولوجيّة أبرزها تسرّب مياه البحر وضياع المتبقّي من النفط والغاز.
2 – ليست ليبيا في حاجة الى تكديس مزيد من الأموال،بعد أن أعلن حاكمها في مؤتمره الأخير أنها محسودة من جيرانها والعالم وبلغ رصيدها من الفوائض الماليّة 30 مليارد دولارا (ثلاثين ألف مليون!) . نقول ذلك على الرغم من مقالة شكري الأخيرة التي نشرها على موقع لجنته الشعبيّة العامة،والتي استكثر فيها على أبناء الشعب الليبي زيادة المرتّبات بل الإبقاء عليها كما كانت منذ ربع قرن،مع رفع الدعم على السلع التموينيّة،وكأنه يكذّب أقوال قائده ويسفّهها .
3 – إذا كان البرميل الواحد يوفّر الآن لخزانة آل القذّافي أكثر من 50 دولارا في الآبار التي تملكها الدولة،وأكثر من 25 دولارا بموجب اتفاقيّة تقاسم الإنتاج (ويزداد الرقم مع تصاعد سعر البرميل)، فإن المردود حسب الإقتراح العبثي الجديد سوف لا يتجاوز 6-5 دولارا .
4 – سيتفاقم الخطر حين ينعكس على الإحتياطي النفطي الليبي الذي يقدّر الآن ب 39 مليارد برميلا والعمر االإفتراضي له حسب وتيرة الإنتاج الحالية 50 عاما،بينما يصل في السعوديّة الى 82 عاما والعراق 95 ؛والإمارات 95 والكويت 94 وإيران 65 وفنزويلا 60 وروسيا 17 وأمريكا حوالي خمس سنوات والمكسيك 20 وكندا خمس سنوات وبقيّة أنحاء العالم يبلغ احتياطيّه 150 مليارد برميلون تحديد للعمر الإفتراضي . وهذه التقديرات التي أصدرتها منظّمة الطاقة الدوليّة نسبيّة وقابلة للتناقص على الأرجح بسبب زيادة اٌنتاج والإستهلاك العالميين . ومنها نرى مدى قصر العمر الإفتراضي للخام الليبي الإحتياطي قياسا ببقيّة البلدان،فإذا ما طُبّق مشروع شكري غانم لا قدّر الله فسيعجّل بوقوع الكارثة .
أمّا نحن فلا نملك إلاّ دقّ ناقوس الخطروالتوثيق للمستقبل. وعلى أمثال شكري غانم تلمّس موقعهم فيه! مخضرم
(1) ينظر مقالنا (حمّى التكالب وأعراضها) بتاريخ 17/12/2004 ومقال (حمّى التكالب أعراضها ونتائجه) بتاريخ29/1/2005 ومقال (الإنبطاح مستمرّ لاسترضاء أمريكا ولكن) بتاريخ 13/2/2005على المواقع الوطنيّة المعارضة. وعلى رأسها (ليبيا وطننا) .
(2) آخر دليل على ذلك ما جاء في مقال النشرة الإيطالية تحت عنوان (البندقيّة تشهد أضخم حفل يحييه الساعدي ومعتصم القذّافي] والذي نُشر بتاريخ 9 أكتوبر الجاري وترجمه مشكورا السيد توفيق القاضي . ولا يسعني إلاّ أن أحييه على جهده فقد ساند جهود كاتب هذه السطور الذي طالما تحمّل لوحده تقريبا أعمال الترجمة عن مشاكل ليبيا وهمومها وفضائح حكّامها والتي تفيض بها الصحف الأمريكيّة والأوربيّة بلغاتها الرئيسيّة . على الرغم من نداءاتنا المتكرّرة لمئات الليبيين بل والالاف من المثقّفين والأكاديميين في هذه القارّات حتى يساهموا في هذا الجهد لتوعية شعبهم . فهل من سميع مجيب منهم؟
(3) في إحدىزياراته لإيطاليا استخدم سيف القذّافي أسلوب الإبتزاز التهريجي بشكل صبياني ،إذ صرّح للصحافة وهو في روما مهاجما شركة أيني واتهمها بالقصور والعجز في الإمكانيّات في مواجهة الشركات الأمريكيّة . وها هي شركة (أيني) تحصل على نصيب الأسد في الجولة الأخيرة كما يرى القاريء، ونفس التمثيليّة قام بها حين هاجم قبل ذلك رئيس وزراء كندا لأن حكومته لم تمنحه تأشيرة دخول للدراسة زمن المقاطعة مهدّدا بعدم منح كندا عقود استثمار في جماهيريته، وإذا بالرئيس ذاته يأتي لزيارة الخيمة ،ثم تحصل شركاته على أثمن عقود امتياز التنقيب . وأخيرا يقوم سيف الذّافي هذا بزيارة لكندا ويعرض رسومه الزيتيّة المثيرة للسخريّة والهزؤ من النقّاد. وحين سأله الصفيّون هناك عن تغييره لرأيه،أجاب أن هناك تغييرا جرى في كندا متثّلا في وزير خارجيّتها الجديد!
(4) شرحنا بالتفصيل في مقالنا (الإنبطاح مستمرّ..) سالف الذكر أساليب التلاعب التي استعملت في الجولة الأولى . وفي المقالة الحالية شذرات من أساليب أخرى ،وثمة ما ههو خفيّ لا يعلن عنه. ولكننا بالرصاد لكشفه كلّما بانت لنا ملامحه.
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()