09/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

              


 

أيلول الأسود

 

كل عام والليبيون الشرفاء جميعا بخير، بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم، وأخص من الجميع أولئك البسطاء العمالقة من الصابرين الصامدين، فى داخل ليبيا، من أجل شعبهم وأنفسهم، والذين ليس لهم أى معرفة سابقة بدهاليز السياسة وخزعبلات الإعلام، وأهم زادهم هو إيمانهم وحسهم الوطنى وثقتهم بأنفسهم وعدالة قضاياهم(*)، وبعد ...

 

طلب منى أحد الأصدقاء مؤخرا تفسيرا لإنقطاعى عن الكتابة طوال (أيلول الأسود) الماضى، فقلت له إننى كنت فى حالة ”تشنيف آذان“، وبما أن صديقى هذا من المقيمين فى أوروبا، فقد فهم قصدى ولم يعد لمضايقتى بالسؤال.

فتشنيف الأذن فى المنطقة العربية ربما يعنى الإستمتاع بالموسيقى والطرب، أما فى البلد الأوروبى الذى أعيش فيه، فعندما يقول شخص للآخر شنّف آذانك فإنه يقصد بذلك (إنتظر سماع الأخبار)، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقرب سماع أخبار محدّدة مثل فوز فريق فى مبارة لكرة القدم أو حدوث إنخفاض فى أسعار البنزين أو الضرائب، أو بحد أقصى، فوز حزب فى إنتخابات حرة ونزيهة، بنسبة قد تصل إلى 5% بالزيادة عن عدد الأصوات التى فاز بها ذلك الحزب فى الإنتخابات السابقة!

 

فما أبسط تلك الأخبار التى (يشنّف) الأوروبيون آذانهم لسماعها، قياسا بحجم الأخبار التى أدمن الليبيون على (تشنيف) آذانهم لسماعها ولمدة تزيد الآن عن سبع وعشرون عاما، أى على الأقل منذ أيام مسرحية أصبح الصبح فى مارس 1988، وما تلاها من وعود بإصلاحات تموت قبل أن تولد.

فمنذ ذلك الوقت أصبح همّ أغلب الليبيين الأكبر هو إنتظار الموعد (المنتظر) لإطلاق المساجين، فيسعد منهم من أطلق القذافى سجينه، ويسعد كذلك من سمع من أحد (الطلقاء) أن سجينه لم يفرج عنه، غير أنه لا يزال على قيد الحياة، وهذه الحقيقة وحدها، أى أن المحبوس لا يزال على قيد الحياة، تكفى عادة لجعل أهله يحمدون الله ويقيمون الولائم ويذبحون القرابين، ويقدمون الكعك والحلوى غالية الثمن، خلافا لما يقوله بعضنا عن أحوالهم (المترديّة) بسبب قانون 15 سئ السمعة، وقد يقوم بعضهم بإرسال برقية للـ(قائد) لشكره على عدم قتل سجينه حتى تاريخ البرقية، لأنه لا يوجد أى ضمان لما قد يحدث لذلك السجين بعد تلك البرقية! المهم أن يبقى السجين على قيد الحياة إلى أن يتم الإفراج عنه، أو تصعد روحه إلى بارئها فى السجن، وذلك كله بمشيئة الله، ولا دخل لمعمر القذافى بذلك، كما يقول البعض!

 

وفى كل مرة كان معمر القذافى، قبل أى شخص آخر، يتفنن ويتلذذ بإذلال الليبيين الذين يتوقعون الأخبار السارة، فيفرج عمن يشاء من السجناء، ويبقى من شاء داخل أسوار سجونه الجهنمية الرهيبة، وفى كل مرة ينجح فى دق إسفين جديد بين فئات الشعب الليبى، فمن أُطلق سجناؤهم، يفرحون وينسوا الماضى والآخرين، ويزداد بذلك حنق غيرهم على الفرحين بإطلاق محابيسهم، وذلك إلى حين مناسبة أخرى، يقوم فيها القذافى بقلب المعادلة رأسا على عقب، وهكذا دواليك، وهذا ربما ما يفسر ضرورة إستمرار حملات الإعتقال فى ليبيا، على الفاضية والمليانة كما يقولون، ومن ثم تقاسم الأدوار فى السلطة الدكتاتورية، أو القبيلة الحاكمة فى ليبيا الآن، بين سجّان و(طلاّق محابيس).

 

غير أن تصرف معمر القذافى فى هذا الأيلول الأسود قد فاق كل التوقعات، وأتى بالجديد، فقد إستغل ما يسمى بـ(مجلس القضاء الأعلى!) ليثبت للجميع أن مئات السجناء ممن أدينوا بالقتل والسرقة وتجارة المخدرات، بما فيهم غير الليبيين، هم أفضل حظًا فى ليبيا، فى الحصول على الإفراج، من أى إنسان ليبى صاحب فكر أو رأى، مهما كانت توجهاته، ومهما كانت (وعود الأمان الشفوية) التى منحها له بوزيد دوردة فى نيويورك، أو أحد موظفى (المكتب الشعبى) فى لندن، أو منحها له أى من الآخرين الذين لا عهد لهم، ولا مكان فى كادر الدولة، إبتداءا بالرائد عبدالمنعم الهونى وإنتهاءا بسيف إسلام معمر بومنيار القذافى!

 

ولكى أكون صادقا مع الجميع، فقد قضيت (أيلول ...) الماضى فى الدعاء والتضرع إلى الله لكى يخيّب ظنّى ويسقط توقعاتى من عليائها، وذلك بأن يقوم (سيف) بتنفيذ وعده الذى أعلنه فى 20 أغسطس الماضى بشأن الإفراج عن بعض السجناء السياسيين، ولكن، إما أن (الولد) قد (طلع) فعلا لأبيه، كما قال المطرب المصرى أحمد عدوّية، أو أن ليبيا يحكمها فعلا أحمد إبراهيم، كما قال الكاتب الليبى القدير عبد النبى بوسيف ياسين! وهذه طبعا تحتاج إلى تفسير إضافى من الذين (أوتوا العلم والحكمة) منا، خصوصا من حاول منهم مؤخرا أن يفسّر لنا ضرورة (التصالح) مع نظام الحكم فى ليبيا عملاّ بسنّة الرسول (صلعم) ولم يحدد لنا حتى الآن، أى فريق فى القضية الليبية يمكن إعتباره (محمدا) وصحبه، وأى فريق يمكن إعتباره قريش؟ وكيف لأحد منا أن يقول لمعمر القذافى وجماعته: عفا الله عما سلف! فيتنازل بذلك عن دماء وأعراض وأموال الليبيين والليبيات فى الداخل والخارج؟

 

فحتى (اليهود والنصارى) الذين يعتبرهم البعض أقل شأنا من المسلمين، لم يتنازلوا عن دماء أبنائهم وبناتهم، وفرضوا على القذافى أن يدفع (الديّات) من أموال الشعب الليبى التى يسيطر عليها بدون منازع أو رقيب، كما فرضوا عليه أيضا (لحس) طز فى أمريكا وغيرها من الترّهات، فهل دماء الليبيين والليبيات أقل قيمة من غيرها؟ ومن يملك التنازل عنها غير أصحابها الشرعيين؟ فسّروا لنا وأفيدونا أفادكم الله فى هذا الشهر المبارك!

 

أقول هذا الآن، بعد أن حاولت جاهدا، من خلال القراءة والمتابعة، طوال الشهر الماضى وجود أى تفسير يعيننى على فهم ما يحيط بقضيتنا الليبية من بعض السلبيات، غير أن (أيلول) أصرّ على أن يكون أسودا كعادته، فها هو مشروع البث الإذاعى لصوت ليبيا يتم تكميمه فى المهد، أعان الله الإخوة المشرفين عليه على وجود الحلول التقنية والقانونية اللازمة لإنطلاقه مدويا كما أريد له، وأعاننا جميعا على فهم، والعثور على (التفسير) الشافى لتداول بعض كتابنا الليبيين فى الخارج لموضوع الدستور، وأخص منهم أستاذنا الفاضل محمود الناكوع، والذى كاد أن يعيد بمقاله قبل الأخير هذا الموضوع إلى المربع الأول كما يقولون، وذلك عندما تحدث عن دستور (جديد) للبلاد، وذلك خلافا لنص وروح مقررات مؤتمر لندن، والذى أفخر بأنه أحد المشاركين فيه.

 

أما الكاتب أحمد بوعجيلة فإننى لم أستغرب منه، القيام بالخلط بشكل غير منطقى بين المطالبة بتفعيل دستور ليبيا ومأساة وضع دستور للعراق، وتجاهله لحقيقة أن المطالبة بتفعيل دستور ليبيا قد تم تبنيها مؤخرا، وبالتحديد، لتفادى ما يدور فى العراق الآن، وما دار فى السودان، لأن الحديث عن دستور (جديد) لليبيا، ووضع مقترحات بشأنه، سيدخل البلاد والعباد فى دوامة أسوأ من التى يعانى منها العراقيون الآن، خصوصا وأن من بيننا أناس مثل الكاتب أحمد بوعجيلة الذى أقترح فى أحد مقالاته أن يشمل الدستور (الجديد) مادة تنص على أن يكون الحاكم ذكرا، وليس أنثى!!! دعك من الذين يقولون أن دستور ليبيا قد أصبح قديما، بحكم إنقضاء أكثر من خمسين عاما على صدوره، ولا يكلفوا أنفسهم عناء السؤال، أو لا يريدوا أن يفصحوا عن (عمر) دساتير الدول التى يقيمون فيها، والتى منحتهم دساتيرها (القديمة) حق اللجوء والعيش فيها بحرية وأمان وكرامة!

 

فالدساتير ليست سيارات ركوب يتم تغييرها كل خمس سنوات يا سادة، كما لا يجوز إلغاؤها وإقتراح غيرها بهذه البساطة، وإنما يجوز تعديلها بإرادة شعبية حرة.

 

وفى هذا الجو القاتم، وبعد أن رأيت أن بعض (معارضى) القذافى فى الخارج يطالبون الكتّاب والرسّامين ومشرفى صفحات الإنترنت، بأن يكونوا جميعا (بردا وسلاما) عليهم، وإلا فالويل والثبور وجلائل الأمور، منافسين بذلك حكّام بلداننا الدكتاتوريين، فإننى لم أجد فيما قرأته خلال (أيلول الأسود الماضى) ما يعيننى على المسير إلى الأمام سوى بعض المحاولات الوطنية الصادقة لنخبة من أبناء وبنات ليبيا البررة، وأخص منهم بالذكر، وليس الحصر، كاتبنا القدير / فرج الفاخرى الذى بدأ فى تقديم سلسلة من المقالات الجريئة بعنوان (الفرص الضائعة)، والتى أتمنى على الجميع القيام بالإطلاع عليها ومتابعتها والعمل على وجود (تفسير) يقبله عقل المواطن الليبى حيال ذلك السؤال الكبير المطروح فى إحدى حلقاتها حول السر وراء عدم إلتفاف تنظيمات المعارضة الليبية حول الشرعية الدستورية طوال ربع القرن الماضى؟!؟!؟ ففهم ذلك، وشرحه لشعبنا فى الداخل، أهم لنا الآن كثيرا من الخوض مجددا فى تفسير مقدمة ابن خلدون، أو التنجيم والتنبؤ بنوعية قرارت الإدارة الأمريكية مستقبلا!

 

وفى محاولة جادة أخرى، حاولت أن أستفيد مما يكتبه ويقوله بعض من (أوتى العلم والحكمة) منا، ومن بينهم الأستاذ / محمد بويصير، والذى أكن لشخصه وتاريخ والده النضالى كل تقدير وإحترام، بل وأعتبره بمثابة (محمد حسنين) هيكل ليبيا، وذلك بالرغم من إختلافى معه فى الرأى حول مسألة العلاقة بالنظام وأقطابه، فتابعت أجزاء مقاله الثلاث، بالرغم من قناعتنى شبه المطلقة منذ قرائتى للجزء الأول، بأن الموضوع كله قد صيغ للوصول به إلى إجابة وحيدة تم تحديدها مسبقا، والتى أعلنها الكاتب فى الجزء الأخير من مقاله على أساس أنه (لا يمكن لغير "معمر القذافى "من خلال دوره وموقعه ان يتولى تدشين" نقطة البداية") وكأنه يردد بذلك، بقصد أو بدونه، الشعار الثورى القائل (تبّى وإلا ما تبّيش، من غير معمر ما فيش)، ففسّر لنا الماءَ بعد جهدٍ بالماء، ووضعَ أسس خطوبة وزواج غير شرعى بين سلطة (أيلول) فى ليبيا ومؤسسات الحكم فى أمريكا، وهو زواج ربما كان سيعلن على الملأ أثناء زيارة كونداليزا للخيمة فى نوفمبر القادم، غير أن الآنسة عائشة قد جمّدت هذا المشروع بما أطلقته مؤخرا من تصريحات حول الوضع فى العراق، وكأنها ترفض بذلك زواج أبيها بأمريكا التى تربّت على كراهيتها وقول (طز) فيها لمدة ربع قرن من الزمان، فهل سيستطيع الأستاذ / محمد بويصير إقناع عائشة بتغيير رأيها، أو إصلاح الدمار الذى ألحقته تصريحاتها بالعلاقات الأمريكية القذافية؟

 

ويا شعبى المغيّب لا تحزن، فها قد إنتهى الآن أيلولٌ أسودُ، وجاء رمضانٌ كريمٌ آخرُ، فإنتظر، كعادتك، ما يأتى لنا به المستقبل من نظريات ومشاريع!

  

حسين الفيتورى

Feitouri@Hotmail.info

 


(*) تحية تقدير لجمعية أصدقاء الكاتب عبدالرازق المنصورى على جهدهم الدؤوب فى العمل على إطلاق سراحه، والشكر والتقدير للزميل بوشوال المنصورى على مقاله الرائع (إنقلاب المواطن متموح)، والذى تجده على الرابط:

http://www.akhbar-libya.info/modules.php?name=News&file=article&sid=21322

وإلى كل (متموح) فى داخل ليبيا وخارجها أقول: إذا كان لديك مثل (سدّينا) فى البيت، فلا تستمع إليها، فهى قد شاركت بدون وعى فى إطالة أمد مأساتنا!

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع