|
|
|
عيسى عبدالقيوم
" عشية يوم رمضاني "
كان أحدنا ـ أيام زمان ـ عندما يشعر بشيء من الضجر فى خواتيم عشية أحد أيام رمضان .. خاصة الصيفية منها .. فما عليه إلا أن يلبس " جلبية " .. ويقصد الهواري لجلب الميه الحلوه .. أو يتسلل الى جوار حائط المينا لممارسة هواية صيد السمك أو مراقبة من يمارسها .. أو يهرع الى أقرب ساحة بها دوري " أستاك " لكرة القدم السداسية ويصطف الى جانب طوابير المشجعين الذين حولتهم عشية رمضان الى محترفين يمارسون فن الأستاذية من على خط التماس .. وجميعنا يحمل فى جعبته جوابا واحدا لسؤال كان أيامها جزءً من تقاليد العشية .. فجرت العادة عندما يسأل أحدنا الأخر : ماذا تفعل هنا ؟!.. أن يجيبه وهو ينظر الى ساعته : اهو انقصرو فى الوقت .
ومن المفارقات المضحكة هنا أن تقصير وقت العشية خصلة رمضانية لا يشترط أن يكون ممارسها صائما !! ( وستر الله باقي ) .. بل وأراهن لو كان فى ليبيا مسيحيين أو يهود لربما ضبطوا وهم يقصروا فى عشية رمضان جنبا الى جنب مع مسلمي ليبيا .. الذين لا تتفق تضاريس وجوههم نهارا مع ما يرددونه من عبارات عن شهر الصيام .. كقولهم : " يا ريتك عام يا سي رمضان " !! .
ولكن هنا فى بلاد العم توني ( بريطانيا ).. أصبحت عشية رمضان مختلفة تماما.. فأهل البلد غير معنيون بالفارق بين عشية رمضان أو عشية أكتوبر.. فكلها عندهم سواء .. وبالمناسبة ـ والكلام لمثقفي الجناح الثوري من نُزلاء قناة المستقلة ـ فلا أحد فى الكون يعلم شيئا عن قصة شهر التمور والحرث وهنيبال .. برغم من أن العالم يعيش حقبة ثورة المعلومات .. وبات أطفاله يعلمون أسماء بعض الثقوب على كوكب المريخ .. والكثير من أسماء حيوانات حديقة دزني لاند.. وحتى أرقام أحذية مشاهير كرة القدم ... مثلا يعني !.
عموما وبالإضافة الى إنصرافهم عن هكذا تفريق وبالتالي فلا تغيير فى أوقات الدوام .. ولا فى برامج التلفزيون .. ولا فى مواعيد فتح أو قفل الأسواق (1).. فان الظروف المناخية هنا لا تساعد أصلا على التفكير فى الخروج الى اي متنزه .. أو الى ملاعب كرة القدم مخافة العودة برفقة فيروس الزكام .. أما المجازفة بالاقتراب من شاطئ البحر فتلك فكرة يُعتبر ورودها فى غير شهر ( يوليو و اغسطس ) قمة التهور .. فلم يبقى لليبي صائم مثلي إلا بوابة العولمة التى يبدو أنها ستحل حتى مشاكل الشوق الى الماضي .. فما عليه إلا أن يلبس " جلبيته " ويتسلل الى الواقع الافتراضي " الانترنت " إذا ما أراد ممارسة هوايته .. أو قل إذا ما أراد المحافظة على تقليد رمضاني قديم إسمه " تفويت عقاب العشية ".. بعد أن تحول الجلوس أمام الاذاعة الليبية الى عقوبة (2) .. ولا أستبعد أن أسمع فتوى تساوي بين حكم من يلقي بنفسه الى التهلكه .. وبين من يُصر على البقاء أمام شاشة الفضائية الليبية لفترة طويلة .
على أي حال خلال التسكع بين أزقة الشبكة العنكبوتية .. وجدت أنها مليئة بالمطبات التى تذكرك ببعض شوارع بنغازي .. فلا أتصور أن هناك فرق بين أن يتغير مزاجك نتيجة لصدمة من مطب " صيدلية الشعب " الذى قيل أنه مازال يؤدي مهامه على أكمل وجه .. أو أن يصدمك خبر فيحدث عندك ذات الأثر الذى يحدثه المطب الأرضي .. الذى يتضاعف أثره إذا ما ساقك حظك السيء لتكون ضمن ركاب سيارة بيجو " قلع " من ذوات المقاعد الخشبية العاملة على خط " السلماني ــ الفندق " .. فالعامل المشترك بين المطبات الأرضية والمطبات الإخبارية ـ إن جاز التعبير ـ هو التنكيد على الصائم وجعله يُخرج " ما في ذيل الشوال " !! .
ومن المطبات الإخبارية التى وقفت عندها عشية الأمس .. وذكرتني بحكاية المطبات الأرضية المُعمرة ... الأتي :
" الرئيس بوش يأمر بلغة خالية من الدبلوماسية بوجوب اطلاق سراح البلغاريات ".. خبر يجعلك تشتط غضبا .. وتستشعر الظلم المسلط على رقاب الدول الصغيرة .. وقد تعلق بينك وبين نفسك بالقول : أنا مع القاضي .. ومع أسر ضحايا الايدز .. ومع الدولة الليبية .. وليذهب المستر بوش الى الجحيم .. ولكن قبل أن تستمتع بوطنيتك تلك يصدمك المطب ـ أقصد ـ الخبر الثاني الذى يقول " مواطن ليبي يُمنح اللجوء السياسي فى بريطانيا لانه لأول مرة منذ الولادة يشعر بانسانيته " .. صدمة تنبهك الى أن المظلوم الذى كدت أن تذرف عليه الدمع فى الخبر الأول تحول بقدرة قادر الى ظالم متجبر لا تهمه كرامة المواطن .. وقد تجرك ليبيتك إذا ما كانت لا تزال تعمل على القول " أتفوووو " حشا السامعين .
ثم تقرأ خبر يقول " إفتتاح قصور للثقافة على إمتداد تراب الوطن الليبي ".. فتتنهد وتقول أخيرا سيُمنح مثقفو ليبيا شبرا من وطنهم المترامي الأطراف لإقامة حائطا للمبكى .. ولكن قبل أن يرتد اليك طرفك يأتيك الخبر ( المطب ) التالي " منظمة الشفافية تؤكد : ليبيا فى قائمة أسوأ الدول فسادا وإنعداما للشفافية ".. فتقول : عن أي قصور للثقافة يتحدثون إذن ؟.. فما هي ـ وفق هكذا إحصائيات دولية ـ إلا مُركبات أمنية ستحيطها حقول ألغام البيروقراطية القاتلة .. فتعيدك الصدمة الى المربع الاول .. ولربما ساهمت فى رفع ضغطك وتحرير شيطانك المقيد .. الذى بدوره لن يعدم وسيلة لتزويدك ببعض الكلمات أو الإشارات لترسلها الى من يهمه الأمر .
وخبر يقول " إقامة موائد رمضانية لعابري السبيل ومن قصرت بهم الحاجة فى مدن ليبيا " .. يجعلك تقول الدنيا مازلت بخير .. ولو كنت فى ليبيا فلن أتاخر عن المشاركة فى هكذا مناشط .. ثم تأتيك خبرية على شكل مطب تقول " مواطن ليبي يعيش فوق شجرة بجوار مكتب للأمم المتحدة بالمغرب فى إنتظار منحه حق اللجوء السياسي " .. فتلعن أبوالكذب وشراء الذمم .. فليس بالخبز وحده يعيش الانسان .
وهكذا يحيلك كل مطب الى الذى بعده .. وتتنازعك مشاعر وأحاسيس متناقضة .. المهم ما تكمل العشية إلا وأنت متغشش أو محشش (3) .. وتترحم على أيام زمان حيث تمّشي العشية وانت رايق .. عموما وبعد قفل جهاز الكمبيوتر .. وارتفاع نداء الحق لصلاة المغرب .. تجد أن أول دعاء يتبادر الى ذهنك هو الدعاء للمواطن الليبي .. ولعلك ستقول متمنيا (.. أتمنى من الأخوة المسؤولين أن لا يرحمونا ، فقد نكون لا نستحق الرحمة ولكنني أطلب منهم شيئا واحدا فقط ، وهو إذا نزلت علينا رحمة الله من السماء أن لا يحاولوا إيقافها ..) (4) .
هكذا هي عشية المنفى.. تبدأ بمحاولة كسر الوقت.. لتنتهي بمفارقة كسر الخاطر.. ويبقى المهاجر يعيش حتى حين على فتات من الذكريات أصبحت بمثابة القطرة التى تبل الريق .
عموما ونحن نقترب من العيد الـ 1426 .. وإطلالة العيد 1427 .. من أعياد الفطر المباركة .. نهنئ كافة الأهل والأصدقاء فى الوطن والمهجر على أمل أن نسمع قريبا صوت مضيفة الطائرة وهي تقول " أربطوا الأحزمة نحن على وشك الهبوط فى مطار طرابلس .. وعلى الأخوة المسافرين الى مدينة بنغازي البقاء فى مقاعدهم " .. فمن هنا الى هناك سنبقى نتذكر الفارق بين عشية يوم رمضاني بين أحضان الوطن .. وعشية يوم رمضاني فى المهجر .. ونحاول أن نقنع أولادنا بأن عشية من عشية تفرق .. وإللي ما عنده شاهد كذاب .
والسلام
عيسى عبدالقيوم
1ـ لعل الشيء الوحيد الموجود فى الاسواق البريطانية يماثل ما لدينا فى شهر رمضان .. هو الزلابيا .. وبالمناسبة هي ذات الحلوى وقد أدخلها الهنود .. ويسمونها بنفس الاسم " زلابي " وهنا قد نسمع من الدكتور اخشيم ما يفيد حول التسمية .. أهي هندية أم عربية أم عبرية .
2ـ البرامج الرمضانية لهذا العام أسوأ ما يمكن الحديث عنه .. من ركاكة الأداء عند البعض .. الى غياب النص الجيد فى غالبية البرامج .. مرورا بالتشابه فى المضمون المكرر أصلا .. والذى لا يخرج عن أسلوب المدح والردح .. برغم من أنها برامج موسمية أي من العام للعام .
3ـ التحشيش مفردة من مفردات شهر رمضان الليبي .. وتعني احتمال إنفجار اي ليبي صائم لآتفه الاسباب تحت ذريعة أنه محشش .. أي صائم ولا يرغب فى اي ازعاج .
4ـ الكلمات مقتطفة من مقالة للأستاذ صلاح الدين الغزال ..بعنوان " شعيب والهذيان على الركح " ومنشورة على موقع ليبيا اليوم بتاريخ 18 اكتوبر 2005م .
|
![]()