09/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

              

 

د. جاب الله موسى حسن

 

شهودا عليه لا شهداء فيه!!

 

"أن كل ماله دراية بالاتصال الغير لفظي  يكتشف أن...  القدافى يحرك رجليه وينظر إلى أعلى كلما كدب!!"

 

حياتنا على أوجه كثيرة لا تحصى. وتبدلت أيضا المعاني، والأماكن والأسماء.أحوال غني لا تعرف مصادرها وأحوال فقر نتيجة لذلك.أخبار موت ومداهمات وإعتقالات وبتر أصابع ومصائب متتالية لا تتوقف ، وكأن عاصفة طويلة الأمد تمر علينا!!

 

وللحقيقة فأن قمعا أو نقل اضطهاد هو الذي جال و أدار زهاء ثلاث عقود ونيف من الزمن،كان من حسن حظنا أن نصبح شهودا عليه لا شهداء فيه،بغض النظر عن ذكر اسم من ورطنا في هذه المحنه و أهدر عمرنا واهلك أعصابنا وشردنا وافقدنا أناسا و أقارب وبيوتا وفرص عيش كريم وطمأنينة لم يعد في المستطاع نيلها في مستقبل قريب.حيث أصبحت حياتنا لم تعد من الممكن أن يستقيم سردها إلا على نحو واحد.وهو :إزاحة هده الجثامة أولا ومن بعدها  بناء البنية الفوقية التي  كانت هدفا  للتخريب والدمار من  قبل نظام طرابلس الطغيان ومن بعدها نبدأ مسيرة  الإصلاح أن شاء الله متضمنا بناء دولة القانون والمؤسسات ،صحافة حرة،وحرية الرأي مكفولة لكل فرد في المجتمع وكل محاولة للانحراف عن هذا السياق في اعتقادنا ستكون لفترة مديدة فاسدة وخاطئة ولا تختلف عما نحن به ألان!!

 

وفي هذا المناخ شديد الظلمة الدى يحدثنا عنة أهلنا في الوطن السليب ازدادت فجوة التناقض بين الشرائح الاجتماعية كنتاج طبيعي للفوضى الاجتماعية التي عملت على تخريب بنية المجتمع وتفكك أواصره.أن تدمير البنية الاجتماعية والنفسية أدي إلى تدمير الفرد الليبي وإذلاله بحيث اصبح غريباً عن ذاته وعن الآخرين،بل وعن طبيعته الاجتماعية مما ساعد شريحة كبيرة من المجتمع إلى الانكفاء والعودة إلى الماضي،تقضي الوقت الأكبر في أحاديثها اليومية في التذكر في الماضي وعقد المقارنات واسترجاع ماضي لا يمكن أن يعود، والسعي لاستعادة زمن ولى،بل تقوم هذه الشريحة بتأليف صور كثيرة تؤلفها من بقايا ذكرى وأحاديث تجعلها ملاجئ حب و أمل مزدهر، ومكاننا للعيش الرغيد والكرامة المفقودة.فاصبح الحاضر التي تعيشه هذه الشريحة نسجه مبتكره وتقمص ومحاكاة. وعلى هذا النحو التراجيدي أصبحت هذه الشريحة تتصرف في يومياتها بالاحتكام إلى المقارنة بين حاضرها وماضيها،بل إفراطها في المقارنة بين ثقافة الماضي وثقافة الحاضر. والأمثلة لا تحصى هنا،إذا أنها تطال كل شئ إلى درجة أن جيل الحاضر اصبح يتحسر على الحياة التي كان يحياها جيل الماضي ،ماضي  يستعيره من آبائه ويعطيه دفعا جديدا واستثنائية سيكولوجية يائسة لا مرد لها إلا القنوط ونبش المورثات!!

 

وفي ظل هذا الحقل الثقافي المفعم بالقنوط واليأس تزداد فجوة التناقض بين القيم،فجيل الحاضر والذي هو في تصرفاته وعبثه ،يحاول الإبقاء على ما هو عليه.إلا أن خيبة أمل مؤلمة أصابت وتصيب كل محاولة من محاولاته ، فالاثلام والصدوع والكسور والتحولات التي حصلت من جراء الاحتقان الاقتصادي والاختناق السياسي والامتعاض الشديد من تصرفات أبناء القدافى وتبذيرهم لثروة الوطن  في العواصم الأوربية والتي كان أخرها العرس الأسطوري التي أقيم في مدينة البندقية الإيطالية  وحضرة كل من "الأمرين" الساعدى القدافى وأخيه المعتصم بملابسهم الخنثوية!!

 

ونود أن أوكد  للقدافى وأبنائه بأن البقاء على ما هو علية أمرا خارج دائرة الممكن. ولا ضرورة لسرد الأسباب.ويكفي أن نذكر التفسخ السياسي وغياب القانون والانحدار الأخلاقي  واندثار المؤسسات…الخ أن ما يحرك الليبيين ليس الحنين إلى الماضي واتساع فجوة التناقض بين الأجيال،إنما الفقدان والخسارة وهم في أي حال لا يفلحون في النسيان، ولا في التذكر،فغبار كثيف ولده دمار المؤسسات اصبح يحجب رؤيتهم،وهم في صمتهم عما يجري من أحداث واختراقات يتعثرون في الجري والسير في زمنهم الحاضر.إذ يكفي أن نراقب بؤس أغنياء اليوم في ليبيا في سياق عجزهم المكشوف عن مجاراة أغنياء الماضي وهو عجز ناتج عن عقدة الذنب من جراء عدم مشروعية ثروتهم التي تفتقد إلى تقاليد ووسائط وأقنية كانت تنتج وتؤلف صورة الثري النـزيه ورجل الأعمال الملتزم،قواعد كان يوفرها لهم مشروع دولة القانون والمؤسسات،وفق نظام اجتماعي ـ اقتصادي مرسوم ومستقر. أن بؤس جيل الماضي،ينتج ببساطة لأنهم يضعون نصب أعينهم ليبيا الأمس ليبيا الوطن الذي ذهبت شروطه ودعائمه وفكرته في مهب الريح،و مهب نظام عشائري داعر لا يميز بين الأمانة والخيانة. وهذا الأمر وان كان مدعاة شفقة ،إلا انه أيضا يجدد ويبعث الشاعرية التي تغلف لغُة الليبيين وانفعالاتهم وسلوكهم على نحو تراجيدي ويائس!!

 

أنها نزعة تقيم المثال،الذي تجسد في الانطباع المتولد عن الماضي،بدلا من أي راهن وواقع ،فهم يتعاملون مع المؤسسات مثلا، لا كما هي عليه الآن،بل كما كانت عليه من قبل ، وبالتالي فانهم يسقطون المعاني والانفعالات في غير محلها،فمعنى الأمانات يستمر بغض النظر عن خراب هذه الأمانات وتفسخها السياسي. كل هذا مدعاة للتأمل في المستقبل الثقافي للوطن المكلوم ، وللتواضع أقول أن هذا مدعاة للتأمل في حاضر ليبيا فحسب ،وباختصار ثمة مبرارت كافية للخوف على دور ليبيا في ظل نظام عالم المعلوماتية الجديد،إذا أن حلقة الوعي بما يدور في العالم تكاد تكون ضيقة إلى درجة الاختناق.بل أن هذا البلد اصبح بلا دور تقريبا مع غياب أي مشروع نهوضي ثقافي يستطيع أن يصوغه لنفسه وللأخر (للعالم).والمذهل حقا هو بروز  ثقافة عشائرية سلفية انبعثت تحت عباءة الفاعليات الشعبية. فلا شئ تقيمه هذه الثقافة إلا وكان محاكاة لسلوكيات وعقلية جيل ما قبل ثورة المعلومات،وبهذا المعنى أصبحت تشوب حركة الثقافة أزمة نستلجيا, بل أزمة هوية ،وشعور بالذنب تجاه ما فرطت به خلال هذه المدة ولذلك فهي تسعى لتنصيب صور خرافية تعويضية عن معارك وملاحم وهمية!! تُمجد وتُبجل من خلال الشعر الشعبي.!!

 

وبغض النظر عن صحة هذه الملاحم وصحة ما قيل عنها وفي حقها!! فنحن كمواطنين نشعر أن التغني بالماضي ونبش المورثات في إطار عادة عربية سيئة قد يعني أحيانا التفسخ والانحطاط،أو على الأقل القليل الانكفاء والسلفية.أن البؤس الذي نستشرفه لمستقبل هذا الوطن الجريح ليس  سببه نزعة الحنين إلى الماضي،بل أيضا من ما أصاب هذا الوطن من عزله ثقافية وفكرية،أو بالأحرى عزل الوطن وتهميشه في صياغة مشروع غريب اسمه "الجماهيرية العظمى" والتي أصبحت بعظمتها وبحمد قيادتها الرشيدة! ليست في حاجة للتفاعل الثقافي والانفتاح على الغير.إذا أن إنجازات الثقافة والفكر في صياغة دولة مفتوحة وجمهور معلمن معقلن ،وعادات وتقاليد مدنية تم تجاوزها!! وبالأحرى نسيانها مع قيام ثقافة المثابات الثورية،والفعاليات الشعبية التي هي في احسن الأحوال اقتسام جهوي عشائري واكتساح بدائي للمدنية.!! 

 

لقد تدهور التعليم وتدهورت تبعا لذلك بقية المؤسسات .تبدل الجمهور ،ورحلت أو أوشكت على الرحيل النخبة المثقفة. وهاجرت الأدمغة واضمحلت الطبقة النزيهة كحبة سكر في فنجان شاي ساخن.واصبح  المثقفون شريحة منعزلة و عزلاء فاقدة البصر والبصيرة في نظام يتجه حثيثا إلى درجات أعلى من القمع الفكري والتعمية والتعتيم وتأميم الثقافة وتفتيت النسيج الاجتماعي .هذه الشريحة البسيطة تسلل إليها القرف والغثيان من الأدب الوقور! الذي يهيمن على الساحة وحيدا مثل ديك رومي! متزعما  سلطة مستبدة ما زالت تعتمد  أسلوبا فاشلا من أساسه في فرض الوصاية،واختيار الكتاب للناس، ولا تريد أن تقتنع بفشل أسلوبها. وفي ظل هذا المناخ السياسي الملوث والمفعم بحوامض وأسمدة الأحكام المسبقة،حتما تزداد هوة التناقض في (معرفة الذات والأخر) بين جيل الماضي وجيل الحاضر،وهذا بدوره ساعد على ظهور قيم الثأر و الغلبة والشطارة وترسيخها وتدمير القيم والمعايير الاجتماعية والقانونية والأخلاقية التي كان يعرفها جيل الماضي وتنساها جيل الحاضر قصداً  أو بغير قصد. مما له اثر كبير على وحدة المجتمع وتفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي. وصادف كل هذا غياب المؤسسات القانونية  والجمود الفكري المفروض على التفكير بقوة الرقابة!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع