|
|
|
المشروع الوطني والحوار أولاً .. (2)
سبق الحديث عن اهمية الحوار .. وهذا في الأصل كان غنيا عن القول والتفصيل فيه، ولكنها ضرورة اضطرتنا الظروف للخوض فيها كمقدمة لما سيأتي من الحديث عن المشروع الوطني أمل الكثيرين، وحلمهم الشاغل وعلاقة ذلك بالحوار الجاد البنّاء المسؤول ..
إنَّ المشروع الوطني – الذي يجب أن تكون صياغته أو رسم معالمه الأساسية هي غاية الحوارات الوطنية المنفتحة وثمرتها الفكرية والحركية – هو تلك الخطوط العريضة التي ترتضيها الأطراف الوطنية وتقرر أن تلتف حولها، تتعاهد على إنجازها في مرحلة زمانية أو بقعة جغرافية معينة، يسعى كل طرف أو ذو فكر ناضج قد أكمل بلورة فكرته وفق مجموعة أسس ومبادئ يؤمن بها ويعتقد جديتها وتأثيرها، ولو خالفه فيها آخرون، ويرى الجميع في تلك الخطوط العامة والأهداف الإجمالية حلاً لمشكلاتهم، ويؤمنون جميعاً بتعيّن تحقيق هكذا أهداف للصالح العام في تلك المرحلة. أما الاتفاق التام والدائم فهو متعذّر وهو مخالف للسنن، كما أن من المهم جداً عند صياغة مشروع وطني وبخاصة في ظروف مأزومة مثل التي تعيشها بلادنا ومعظم بلدان المنطقة، إن المشروع الوطني يعني البحث عن كيفية المحافظة على التوازن التجميعي بين المكونات المختلفة والطوائف المتعددة في سياق ظروف متغيرة، وأوضاع متحركة، هذا لا شك يقتضي مرونة كبيرة في صيغ ذلك التجميع، وإلا فإنَّ بعض سياسات الأنظمة المتحكِّمة تجاه بعض الأطراف دون البعض - من باب "فرق تسد" مثلاً – سيكون لها تأثير كبير على ذلك التوازن المأمول والتوافق المطلوب، وبالتالي – غذا مانجحت مثل تلك السياسات – هذا يعني القضاء على استمرارية الحوار ومن ثم صياغة المشروع نفسه، وغياب الأطر السياسية والاجتماعية التي ينبغي أن يتحرك من خلالها العمل الوطني الجاد الهادف للمحافظة على مقدرات المجتمع وبنائه وتقليل خسائر الانتقال من مرحلة إلى أخرى من مراحل العمل الوطني. فالمحافظة على توازن التجميع، مع المحافظة على كيفية الصياغة السياسية بخاصة قد يمثلان أكبر تحدٍّ لاستمرارية ذلك الحوار فضلا عن نجاحه.
أيّها الأخوة إن ما يطفو أحياناً على سطح الأطياف الوطنية المختلفة من حب للتفرد أو رغبة في السيطرة على الدّفة والقيادة، أو الاحتكار للحق والصواب سوف لن يجد له مكاناً إذا ما سادت روح الحوار الوطني الحر، وغلبت قواعده وآدابه، كما أنه لن يجد المقتاتون على دم المواطن البعيدون عن نبض الشارع وظروفه وأحواله وحاجاته سوف لن يجدو لهم مكاناً في هكذا أعمال وطنية كبيرة، إنها أعمال تحتاج للمتجردين عن الأغراض، المتحررين من التبعيات، ولذلك لا يحق وليس بإمكان أحدٍّ كان مَن كان فردا أو جماعة أو هيئة أن تتفرد بصياغة ذلك المشروع الوطني، وإنما كلٌّ يساهم في ذلك بما لديه من أرصدة، فالمشروع الوطني يُستخلص من واقع الحركة الفكرية السياسية والاجتماعية من خلال الأُطُر الثقافية السائدة، فهو لا يُوضَع أو يُصَاغُ كصياغةِ الدساتير، ولكنه يُستخلَص من أرصدة ثقافية وحركات سياسية واجتماعية، فعلى من أراد أن يُساهم في ذلك حقّاً لا دعوى، عليه أن يُثبت وجودَه أولاً، وأن يَحظَى بالتأييد المُعتبَر المُؤثِّر وجوده على الأصعدة المختلفة، ويثبت جديّة ما يتبناه ومدى صموده أمام المرحلة ومتغيراتها. تلك هي الأطراف المرشحة بقوة للمساهمة في صياغة مشروع الوطن، لما تملكه من مقومات التأثير والتفعيل على أرض الواقع وعلى الصُعُد العملية الحركيّة، وما عدا ذلك سيبقى فقعات هواء ما تلبث أن ترتفع حتى تتلاشى وتُنسى، فعلى أصحابها ألا يتعلقوا بها كثيرا، وعليهم أن ينظروا أين هم واضعون أقدامهم، وعليهم ألا يستهلكوا جهودنا وأوقاتنا وأعمارنا في دوائر مفرغة ونقاشات بيزنطية ومتاهات فكرية لها أول ولا آخر لها. وعليهم أن يتعاملوا مع الواقع الماثل لا مع الصور الذهنية المصنوعة، وعليهم أن ينظروا بمنظار المصالح العليا للوطن وأهله، وأن يُقدِّموا ذلك فوقَ كل مصلحةٍ شخصيَّةٍ أو تنظيمية، متوهّمة أو حقيقية.
لعلي لا أكون متشائماً حين أقول إن ما أفرزته المراحل الأخيرة من العمل الوطني – والتي ينبغي أن تكون أكثر نضجاً لدروس التاريخ والواقع القائم في دول الجوار والمنطقة - وبخاصة على صعيد المعارضة التي دخلت مرحلة بحث الخيارات ورسم الخرائط العامة للعمل الوطني ومشروعه - على اختلاف بينها في ذلك - والتي كانتْ تُهيئَ نفسَها بديلاً فكريا وسياسيا وثقافيا وخلقيا للنظام القائم، من خلال متانة العرض ورصانة الأسلوب وجدية الطرح وكمال التعاون والتزام آداب الحوار والتعاطي مع الأفكار والآراء المختلفة بإيجابية واعية وبانفتاح فكر وسعة صدر، لا أن تُكرِّس بلسان حالها ومقالها ما يبثه أذناب النظام وزبانيته من تهم وأباطيل لها!.. المُعارضة بمنهجها الذي تسير عليه تضع نفسها – للأسف - في الكفّة نفسها مع النظام، وهذا فضلا عن عدم جدواه للعمل الوطني والمشروع الوطني المأمول فإنه يقضي على آمال المعارضة في كسب مواقع متقدمة داخل المجتمع، فضلا عن ثقتها بنيل الدعم الجماهيري الذي لا نجاح ولا يتصور عاقل مشروعا وطنياُ لا يأخذه بعين الاعتبار ..
ختاماً إنَّ الحوار الجاد والبّناء لاشك يتضمن معاني التضحية والإيثار لأنه ولابد يعني التنازل حتى عن بعض ما قد نعتقد أنه نهائيٌّ غير قابل للجدل تنازلاً مؤقتاً للوصول من خلال ذلك لمصلحة أعلى من تقريب الصفوف أو تنظيم الآراء وتأطيرها إلى حين تسنح الفرصة وتتقارب الأفهام لتناوش ذلك المعنى لاحقاً، ذلك فضلا عن التنازل عما هو مازال في مراحل النظر وتحت مجهر البحث!.. [1] ولا ينبغي حمل مثل هذا التنازل على أنه تخلٍّ عن القضية أو بيعٍ لها في أسواق النخاسة أو غير ذلك من الدعايات الترهيبية التي نسمعها أحياناً وفرقعات تُطلق حول بعض الأطروحات الجريئة، وإنما الغرض والمقصود من هكذا تنازلات إن احتيج إليها هو إيجاد أرضية مشتركة مع الآخر منطقة حياد تصلح لتبادل الرأي والنظر في الأمور دون أحكام مُسبقة مرفوضة سلفاً، ودون استجلاب صور ذهنية أو تاريخية أو شخصية للتأثير على الحوار، ولذلك ومن خلال الواقع المشاهد في العديد من القضايا نجد أنه لا يبتعد عن الحوار ويهون من شأنه إلا خائف من الحوار لضعف موقفه، أو مُستخفٍّ به لا يدرك قيمته؛ فتجده يسعى لتجذير الخلاف وتأصيله – إدعاء أنه خلاف في الأصول – فيينظر إلى الحوار ويزينه للناس على أنه مضيعة للوقت، واجترار للأفكار البائسة!.. ويُصرُّ إصراراً حتى لا يدع للبدائل والتوافيق الجديدة بينه وبين الآخرين أيّ سبيل، فعلامَ الحوار إذن؟!.. وبالتالي نقول لمثل هذا فلتبحث لك عن حرفة أخرى أما العمل الوطني فهو صنعة أخرى لها متطلباتها وأهلها ولست منهم ..
حقيقةً الحديث يطول، ولا أسترسل فلست من محترفي فن الكتابة ومُتقنيها، ولكني أكره أنْ أرى ما أرى وأسكت، وإني أرجو الله تعالى أنْ يُوفِّق الجميع ويُلهمهم معرفة أقدارهم والوقوف عندها وألا يسيروا وراء الحسابات الخاطئة والمبالغات والتشنيع على الآخرين، وتقبيح الآراء والكيل بميكيالينِ مهما رأى أحدنا من شناعة وجهات النظر أو بعدها عن القبول، وإلا فإن هذا التشتيت والتمزيق والله لا يخدم قضية ولا وطنا، ولا فردا ولا جماعةً، ولا مصلحة عامة ولا خاصة، فالإنصافَ الإنصافَ والعدل العدل، والتجرد التجرد عند تناول تلك القضايا الكبيرة، فالوطن ليس حِكْراً على أحد، والعمل الوطني وتقديم المصلحة الوطنية على ما عداها ليست محل مزاديات من أحد، الجميع شركاء، ولا أحد له سلطان القدم أو التقادم، إلا بما قدّم ويُقدِّم حقاً، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارمُ.
وإلى لقاء قريب أستودعكم الله .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
د. فتحي خليفة عقوب (أحمد عبد الله Ahmad_lah@maktoob.info )
[1] لا يُفهم هذا فهما ذرائعيا أو ميكافيلياً "الغاية تبرر الوسيلة" ولكنه بحسب ما جاء في قوله تعالى " قل من يرزقكم من السموات والأرض، قل الله، وإنا أو إيّاكم لعل هدى أو في ضلال مبين" (سبأ 24) فرغم يقيننا أحيانا ببعض الأمور إلا أننا قد نتنازل عن التمسك بها عند المحاورة للوصول إليها من طرق أخرى أو للوصول بالآخر إلى منطقة تقارب يمكننا التعامل معه على أرضية مشتركة أوثق ولتحقيق أعلى المصالح أو درء أعظم المفاسد، ولا يعني ذلك بحال التنازل عن الثوابت العقيدية والمبادئ الوطنية تنازلاً كاملاً، بل ذلك تنازل حواريّ مؤقّت!..
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()