|
|
|
النظرية بين الخيال والواقع* - نقد الكتاب الأخضر(2) بقلم: احمد عبدالباقي
الحلقة 1 الحلقة 2 الحلقة 3 الحلقة 4
"ان أسوأ ما يؤذي النظام الحالي في ليبيا هو الطعن في الأيديولوجية التي يبنى عليها ويتبجح بها و كأنها آتية من السماء, أو كأنها غير قابلة للنقد مع ان النظرية المجسدة لتلك الأيديولوجية تبدو واهية و غير قابلة للصمود أمام النقد. ان المقربون من القذافي يقولون أنه مستعد للتنازل عن أي شيء ما عدا النظرية التي تجسد أفكاره, أو الفكرة التي ابتدعها ليمارس مطلق السلطة دون ان يكون مسئولا عن الأخطاء الفادحة التي يقترفها. وهذه محاولة منا لنقد نظريته و انني أتحدى, و كما ذكرت في الحلقة السابقة, العقائديين في النظرية ان يردوا و يقنعوا الجمهور بصحة النظرية و يبقى الحكم لجمهور القراء."
تمهيد:
ذكرت في الحلقة السابقة, النظرية بين الخيال والواقع(1), "ان الليبيين رجالا و نساءا على اختلاف مهنهم مروا بدورات عقائدية مهنية و هم يستمعون الى مقتطفات هذه النظرية قبل كل نشرة أخبار وما يسمى بالمقولات تجده مكتوبا تقريبا على كل شيء من الحيطان الى علب الكبريت, وبهذه الكثافة وأسلوب التلقين فكثيرا من الليبيين يحفظون المقولات عن ظهر قلب و لكن هل يعني هذا اقتناعهم بهذه الأفكار؟ والاجابة طبعا لا و ألف(1000) لا.. حتى أبناء القذافي نفسه لا يقتنعون بأفكار أبيهم, وصاروا ينقلبون عليها, و السبب ان هذه الأفكار ليست منطلقة من معاناة مفكر و لا هي واقعية و لا أكاديمية علمية وبالتالي هي غيرعملية التطبيق". و سنكمل في هذه الحلقة النقطة الثالثة من الموضوع و هي عدم علمية و أكاديمية النظرية, و نذكر القارئ بما حوته هذه النقطة:
" 3- النظرية غير علمية وغير أكاديمية, فهي خلت في صورتها النهائية في الكتاب الأخضر من جميع مظاهر انتماءها الى العلم والفكر والتنظير. فعلى سبيل المثال خلا الكتاب الأخضرمن المراجع و المصادر, و هذا يقودنا الى أمران احداهما ان الكاتب نسج نظريته من الفراغ و الخيال واذا سلمنا بذلك فان النظرية غير موضوعية, و الأمر الآخر ان الكاتب اقتبس هذه النظرية من آخرين و نكرهم و تجاهل ذكر مصادرهم ما يعد جريمة يعاقب عليها القانون في أصول الكتابة والبحث و التنظير, ثم لماذا يتجاهل هؤلاء الآخرين؟ و لو عرض اقتباساته لكان للنظرية بعد أكاديمي و هذا سؤال محير و اجابته ربما لجهل الكاتب بأصول التنظير وأصول الكتابة. النظرية غير موضوعية ففيها عيوب كثيرة, على سبيل المثال, بها الكثير من التعميم و التطرف المطلق ..... كل مقولات الكتاب الأخضر تبدو واهية أمام أي باحث مبتدئ, فأين أكاديميتها ليحضر فيها الآخرين الدرجات العلمية و أين صلاحيتها لتكون دستورا يحكم بلاد؟"
النقد:
مقولة شركاء لا اجراء مبنية على مقولة ان الاجراء مهما تحسنت أجورهم هم نوعا من العبيد أي ان كل من يتقاضى أجر مقابل قيامه بعمل ما مهما كان أجره فهو عبد, هل يعقل هذا؟ أعيد كلمة كلمة: كل من يتقاضى أجر, مبلغ مالى أو عيني, مقابل قيامه بعمل ما, من التدريس الى الانتاج الى القضاء, مهما كان أجره, ولو بلغ الملايين, فهو عبد!!! و ما علاقة العبودية بالأجر؟ نعود لمقولة شركاء لا اجراء, الفكرة يراد منها ان يقوم العمال في المصانع بالزحف على ادارات المصانع و يعلنوا أنهم شركاء في الانتاج ضاربين بعرض الحائط بملكية أصحاب المصانع, دعنا نتصور ببساطة مصنع للقطن الطبي يملكه فرد و أسرته و يشغل فيه 10 عمال, مالك المصنع وفر المبنى واشترى الآلات و اشترى مواد خام وأحضر العمال لينتجوا له انتاجا يبيعه في السوق و يدفع أجر العاملين و هو ملزم قانونا بدفع أجرهم حتى ولولم يتمكن من تسويق انتاجه, يقترح الكتاب الأخضر ان يقوم هؤلاء العمال بالزحف على المصنع ليصبحوا شركاء مع مالكه وفوق ذلك يقسم الانتاج بالتساوي على العشر عمال +1(المالك), أين العدل هنا؟ الدعوة للزحف تبدو دعوة لممارسة الجريمة! فوق ذلك الكتاب الأخضر لا يعترف كثيرا بالتعامل بالمال فلكم دعى منظره الى التعامل بالمقايضة ولولا رحمة من الله لعاد الليبيين الى غابر العصور, لنستمر في المثال ولنفترض ان العمال أنتجوا في اليوم 33 صندوق من القطن الطبي (لمساواة الحساب), الكتاب الأخضر يقر ان يقسم الانتاج الى ثلاث: ثلث للعمال الشركاء بمن فيهم المالك, و ثلث لللآلة أو الآلات, و ثلث للمواد الخام. في هذا المثال سيحصل كل عامل بما في ذلك المالك على عدد 1 صندوق من الانتاج (11), والآلات نصيبها 11 صندوق, و المواد الخام نصيبها 11 صندوق, و بتطبيق المقايضة على كل عامل و كذلك المالك للمصنع بعد الانتهاء من عمله ان يستلم الصندوق الخاص به و صندوق من نصيب الآلات و صندوق من نصيب المواد الخام و يباشر عملية التوزيع فيجوب الاحياء بحثا عن اللاتي يرغبن في القطن الطبي و يقايض انتاجه, فواحدة تعطيه بيض مثلا و أخرى تقايضه بدجاجة و أخرى بتين شوكي و أخرى بعنب و أخرى بشعير و بقمح و بصل و جوارب وأقلام و خبز و لحم وووو و ربما عليه ان يقايض مجددا لأن ربة بيته تحتاج الى ملح وفلفل و لم تقايضه احداهن بالملح والفلفل فيقضي يومه يقايض و يعود بهذه المقتنيات الى المصنع ليأخذ الثلث و يترك الثلثان للآلة و للمواد الخام, فيعقد الاجتماع و يتم الاتفاق على الاتصال بالمزود بالمواد الخام ليتم تسليمه البيض و الدجاج و التين الشوكي و الجوارب ووو... ليستلمها بسرعة حتى لا يموت ما يموت و يفسد ما يفسد, بسرعة ليتم الحصول على المواد الخام و حتى لا يتعطل انتاج اليوم التالي, و لا أدري ماذا سيصنع المزود بالمواد بعد ان فات النهار في نفخ النار, ربما يعتقد البعض ان هذا هزارا او من باب المزح, أبدا هذه هي فكرة شركاء لا اجراء, و على سبيل الطرافة انني مرة سألت أحد العرابين الكبار للنظرية المدعو أحمد ابراهيم, بعد القاءه لمحاضرة عقائدية, سألته عن سر تقسيم الانتاج بالتساوي على ما يسمى بعناصر الانتاج, و سقت له مثال ان عاملا يقوم بقطع الخشب بمنشار او فأس و يقوم ببيع انتاجه فلماذا يعطي حصة الثلث للفأس؟ فأجابني بأنه شرط ان يترك مبلغ الثلث من الانتاج في حساب الفأس و علل ان الفأس لن يدوم طويلا و يحتاج الى عملية تحديد (ليصبح حادا) و لربما احتاج العامل الى استبداله, فهل يعقل ان فأسا يتقاضى مثل ما يتقاضى حامله؟ حاولت اقناعه بان الآلات تختلف و مواد الخام تختلف, و أخيرا حك رأسه و أتهمني بانني لم افكر في الامر جيدا!!
يبدو ان المنظر الزاعم يجهل تعريف الأجر و يفسر في شروحه الاختلاف بين الأجرة والايجار و الاتجار, و لغويا أعتقد ان كلها واحد و مصدرها أجر يؤجر ايجارا, الأجرة مثلا ان تدفع لصاحب سيارة مقابل ان يوصلك الى مكان ما, و ما تدفعه هو ثمن الخدمة, و المعروف ان صاحب السيارة يستعمل و قود و زيوت و قطع غيار و يعطي من جهده ووقته لكي تصل أنت الى مكانك, فهل يعقل ان يوصلك بالمجان؟ و أين الاستغلال في ذلك؟ و جميع الوظائف التي يتقاضى أصحابها مرتبات هي يتقاضون أجور على ما قدموه من خدمات أو انتاج, الايجار هو الحصول على أجر-مبلغ مالي أو عيني- مقابل أستعمال مبنى أو أرض أو آلة أو أداة أو غيره و هذا الأجر مقابل لذلك الاستعمال, فأين الاستغلال هنا؟ الجانب المهم هو ان تكون الأجور مقننة بحسب قيمة الجهد المبذول و المال المستثمر و تحديدها بقوانين تمنع الاستغلال, و ليس بوضع كل نشاط اقتصادي أو مهني أو حرفي في قفص الاتهام. ومن الآخر فاننا لم نرى أي تغير في المجتمع من حيث القضاء على الاستغلال بعد تطبيق مقولات الكتاب الأخضر, فالعمال هم نفس العمال الفقراء الكادحين و الأجور نفسها بل بالعكس صار الطبيب الذي يجري العمليات الجراحية و الأستاذ الذي درس الى أن اشتعل رأسه شيبا كلاهما متساوي في الأجر مع شرطي فاشل في تحقيق الأمن أو مع بواب ترهل من كثر الجلوس, و صارت المهنة الأسرع هي الأفضل مما قتل روح التعلم و التطور عند الناس, وقتل روح الابداع و الكدح و التفاني والاخلاص و نشرت بدلها روح الاتكالية و التراخي و أصبحت الوظيفة اتكاء(تكية) لأن المواطن تساوى لديه ان بذل جهد أو لم يبذل جهد فالنتيجة واحدة.
مقولة البيت لساكنه, تعني ان البيت يجب ان يملكه ساكنه؟ فهو يسوق في مواضع أخرى: فلا ينبغي ان يكون بيتك ملكا لغيرك... اذا لم تدفع الايجار... يلقي بك مالكه على قارعة الطريق! و هذا لم يحدث في أشد البلدان قساوة, أولا الغريب ان يتم استعمال كلمة البيت بدل المنزل, و أعتقد ان أصل كلمة بيت تأتي من المكان الذي يبيت فيه الانسان, و المنزل هو المكان الذي ينزل فيه الانسان, و يبدو ان كلمة منزل أقرب الى معنى المسكن من البيت وقد وردت كلمة المنزل في الشعر القديم للتعبير, ربما, عن المسكن في مثل:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الأول كم منزلا في الأرض يعشقه(2) الفتى وحنينه أبدا لأول منزل
وكذلك في معلقة امريء القيس الشهيرة:
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب و شمأل
مع العلم ان الكتاب الأخضر استعمل كلمة منزل في: المنزل يخدمه أهله, ومن يخدم البيت يا ترى؟ و اذا عدنا الى تعريف البيت بأنه المكان الذي يبيت فيه الانسان فان الشخص قد يبيت في الفندق أو عند أقاربه أو غيره!! أيضا معنى البيت في اللغة المستعملة يميل أكثر الى المجاز منه الى المبنى الواقعي, فنقول ربة البيت, و يقصد بأي بيت, و لا نقول ربة المنزل, و نجد في الشعر:
رباب ربة البيت تصب الماء في الزيت
و هذا ربما ما يفعله مؤلف الكتاب الأخضر فهو يصب الماء البارد على الزيت الساخن, فالكتاب الأخضر يدعي بأنه يقف في صف من يتصورهم بالضعفاء الذين يؤجرون البيوت لأنه يتصور أنهم لا يستطيعون تملك بيوت, و يقف ضد الأقوياء الذين يملكون البيوت الزائدة عن حاجاتهم و يقومون بتأجيرها, مع ان هذه ليست قاعدة فكثير من أغنياء العالم يقومون بتأجير منازل لتنويع مناطق سكناهم, ثم ان تأجير البيوت هي شبه مهنة و استثمار شرعي, المعلوم ان تطبيق هذه المقولة سبب مشاكل في ليبيا, حيث ان الحذاق صاروا يستولون على منازل الغير (ينقزوا في منازل الغير) و يبيعونها ثم يعاودون الكرة مرات و مرات, و سبب ذلك في هدر و استباحة ممتلكات و أموال و حقوق, و ربما أرواح, الناس, و مشاكل مادية وأمنية و اجتماعية و عداوات و تزوير و وساطة و تحايل ووو... لا حصر لها, فهل هذا أكثر شرعية من الايجار؟ صارت بسبب تطبيق المقولة أزمة حادة في السكن, و تراجع في الاعمار, و انتشار أفقي في البناء, ثم ان تطبيق هذه المقولة سبب عبودية (عكس حرية) للناس, فالمواطن لا يستطيع الخروج في نزهة أو السفر لمدة طويلة خوفا من الاستيلاء على بيته, و غالبا ما يترك أحد أفراد الأسرة حارسا على البيت, و غالبا ما أقفلت كل الأبواب والشبابيك بالحديد و بالطبع استفادت من هذا الوضع ورش السباكة و اللحام, و من الطريف ان البعض يترك جهاز الاذاعة المسموعة او المرئية مفتوحا ليوهم الحذاق(النقازة) بأنه موجودا في البيت, و أحدهم واجهه هؤلاء في المحكمة بأنهم كانوا يترصدون البيت و تحججوا بأنه من الغير معقول أن يبقى الجهاز مفتوحا ليل نهار و لذلك اقتحموا البيت و ملكوه, و الأسوأ من ذلك ان المحكمة حكمت لصالح المقتحمين!! تطبيق هذه المقولة سبب مشاكل أخرى منها مثلا ان المواطن مجبرا على ان يتأقلم مع نفس الجيران حتى و ان بدت منهم المشاكل, و مجبرا اذا كان لديه بيت مجاور ان يفتح البيتان على بعضهما و يسكن في بيت أكبر من حاجته, و مجبرا على ان يتصبح و يتمسى في أناس أستولوا على بيته عنوة و تحت وطأة القانون الجائر.. بيته الذي كان حلمه و حلم استثماره (والذي صب فيه اللي فوقه واللي تحته.. و قوت أصغاره) يصير ينظر الى بيته و يتمنى ان تهد أركانه أو ان تفتح الأرض فتبتلعه بمن فيه. الغريب ان الكتاب الأخضر غفل ان يحدد من يملك البيت عندما تصل أسرة الى مرحلة ما كوفاة الأب و الأم أو انتقالهما فأي الأخوة والأخوات محقا في وراثة البيت و هم كلهم ساكنون و مالكون؟ أم عليهم ان يطبقوا مقولة الغرفة لمن يسكنها ثم السرير لمن ينام فيه؟
"خلاصة القول ان النظرية التي يتشدق بها النظام هي لا شيء, و الناس في ليبيا لم يقتنعوا بها لأنها واهية ولم تبنى على خبرات سابقة و هي غير عملية و غير علمية و أثبتت فشلها في حل مشاكل مجتمع بسيط قليل العدد مثل المجتمع الليبي."
أكرر – "مع ملاحظة أنني أسر جدا لو واجهني من يدعون بأنهم عقائديين في النظرية و ان يردوا على ما كتبته, مع العلم أنني حضرت الكثير من الدورات العقائدية وكنت من البارزين فيها و كنت من المطلعين على الكتاب الأخضر وشروحه و لم أقتنع يوما بها و قد حاولت مناقشة من كانوا يديرون حلقات النقاش و عجزوا عن الاجابة وأتذكر ان أحدهم قال لي مرة ان أسئلتي هي أقصر الطرق الى السجن, كما أتذكر آخر الاجابات كانت تكون على شكل ايماءات للتعبير ممن كنت اسألهم بأن أسئلتي فهمت و هي لم تكن لها اجابة لضعف في النظرية."
و للحديث بقية .... عاشت ليبيا حرة أبية
أحمد عبدالباقي
* تم تسبيق كلمة الخيال عن كلمة الواقع قصدا للتأكيد على بعد النظرية على الواقع. (1) راجع المقالة السابقة بعنوان النظرية بين الخيال و الواقع و التي نشرت على هذا الموقع في الايام القليلة الماضية. (2) ورد في بعض مصادر الشعر "يقطنه" و "يألفه" و " يسكنه", مع الأسف لعدم ذكر المصدر.
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()