17/11/2007
 

 

دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح... (4)

 

من حرب التحرير إلى حرب الاستقلال

 

بقلم: حسام أبو حامد *


 
في المنفى، وبعيد الخروج الأول ثم الثاني لقوات الثورة الفلسطينية من لبنان، حاولت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الاستمرار في تنظيم النشاط المسلح ضد إسرائيل من مواقعها الجديدة في تونس. واعتمدت في إدارة شؤون الشتات على مؤسساتها المدنية وشبه العسكرية التي تفرقت هنا وهناك وعلى بنيتها التنظيمية المحكومة بهذا المناخ العربي أو ذاك. لكن تشتت المنظمة وحركة "فتح" على مساحة جغرافية واسعة وفقدانها لاحتكاك مباشر مع الاحتلال الإسرائيلي سوف يؤثران على الكفاح المسلح ويضعان عقبات كثيرة أمام استمراريته. وبالرغم من ذلك لم تسلم المنظمة من عمليات انتقامية إسرائيلية، فكانت مجزرة حمام الشط 1985 التي حاولت فيها إسرائيل اغتيال ياسر عرفات وعدد من القادة العسكريين لحركة "فتح" وراح ضحيتها 68 مدنياً تونسياً. وكان قد سبق ذلك حركة انشقاق واسعة في صفوف حركة "فتح" قادها كل من أبو موسى وأبو خالد العملة وبغطاء من أحد أعضاء اللجنة المركزية وهو نمر موسى (أبو صالح) ، لتشكل هذه الحركة ما عرف في حينه بـ "فتح ـ الانتفاضة". لكنها سريعا ستعرف بأسماء أخرى على الصعيد الشعبي الفلسطيني كـ "المنشقين" و"جماعة أبو موسى"، وبقي اسم "فتح" مرتبطاً بالمجموعة التي قادها ياسر عرفات.
 
اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في كانون الأول 1987، وبفضل الخبرة الطويلة في النضال السري للمنظمات الجماهيرية التابعة لحركة "فتح" والجبهتان الشعبية والديمقراطية، أصبح بالإمكان تحويل حدث عفوي إلى سيرورة نضالية. وبدا أن الانتفاضة الفلسطينية في حينه هي الحل الأمثل للإشكاليات التي حالت دون استمرار الكفاح المسلح المنطلق من الشتات الفلسطيني. ومنذ الانتفاضة سيصبح الداخل الفلسطيني المحتل هو المنصة التي ستوضع عليها بوصلة الثورة الفلسطينية.
 
كان الداخل الفلسطيني المحتل يسير على إيقاع مد وجذر الكفاح المسلح في الشتات، واستطاعت فصائل الثورة الفلسطينية لاسيما حركة "فتح" زرع خلايا المقاومة السرية فيه، ولكن باستثناء انتفاضة يوم الأرض عام 1976، لم يشهد الداخل الفلسطيني مقاومة منظمة وشاملة حتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. وقد شهد الداخل الفلسطيني المحتل عدة محاولات لزرع بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو على الأقل فصم عرى العلاقة بين قيادة م.ت.ف في الخارج وجمهورها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فأنشأ شارون في السبعينات من القرن الماضي ما يسمى الإدارة المدنية تحت إشراف مناحيم ميلسون، وعندما رفض رؤساء البلديات الانصياع لإدارته المدنية ورفضوا التعاطي معها، أقال شارون معظم رؤساء البلديات المنتخبين عام 1976 وشن حملة اغتيالات لبعض رؤساء البلديات وأبعد العديد من قادة العمل الوطني الفلسطيني إلى خارج الأراضي المحتلة، ونصب ضباطاً إسرائيليين على البلديات، كما أقام ما عرف آنذاك بروابط القرى محاولا فرضها قيادة بديلة عبر ربط الكثير من الخدمات اليومية الحياتية للمواطنين بها، لكنها فشلت واندثرت سريعاً. ولم يلق نفوذ المنظمة في الداخل محاولات التقليص والعزل من جانب الاحتلال الإسرائيلي وحسب، بل واجه منافسة حادة من قبل الاتجاهات الإسلامية، ولم تخل هذه المنافسة من مصادمات في بعض الجامعات والنقابات. لكن منظمة التحرير ظلت محتفظة بنفوذها القوي في الداخل كما في الشتات. وسيواجه هذا النفوذ منافسة جديدة منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي بعد انطلاقة كل من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي".
 
كان الراحل خليل الوزير( أبو جهاد) المسئول الفتحاوي المباشر عن الانتفاضة الفلسطينية، واستطاع الوزير أن يؤسس تنظيماً سرياً موحداً نسبياً بالإضافة إلى الهيئات شبه العلنية وحركات الشبيبة وأن يديرها من تونس بنجاح وفعالية. وكان الراحل فيصل الحسيني (أبو العبد) بمثابة ضابط الارتباط في الداخل المحتل، وكان له فضل أساسي في أن تأخذ الانتفاضة الفلسطينية طابع اللاعنف، أو العنف في حدوده الدنيا. و قد استطاعت الانتفاضة بكافة الأساليب النضالية المتبعة فيها أن تفّعل داخلها كافة فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني، لدرجة أن المشاركة في فعالياتها اليومية أصبحت واجباً يومياً على الجميع. واستطاعت منظمة التحرير الفلسطينية أن توظف الانتفاضة الفلسطينية إعلامياً بدرجة ناجحة جداً عبر نشاطات مختلفة من معارض ومسيرات وندوات في أكثر من عاصمة أوروبية. فكسبت الانتفاضة الفلسطينية تعاطف الرأي العام الدولي. و كان للأسلوب السلمي الغالب على فعاليات الانتفاضة دورا أساسيا في شل يد سلاح الجيش الإسرائيلي عن المبالغة في استخدام العنف المسلح ضد المنتفضين من المدنيين الفلسطينيين ولجمه حتى حدوده الدنيا. وبالرغم من محاولة حكومة رابين كسر إرادة المقاومة الشعبية عبر تكسير عظام المنتفضين أمام شاشات التلفزة فإن محاولاتها لم تفلح. هكذا بدت الانتفاضة الفلسطينية حرب استقلال هدفت إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وحلت محل الكفاح المسلح الذي أريد له في البدايات أن يكون حرب تحرير شعبية. وستستمر الانتفاضة الفلسطينية أعواماً أخرى قبل أن تبدأ جذوتها تخمد تدريجياً بدءاً من لحظة اندلاع حرب الخليج الثانية عقب الاجتياح العراقي للكويت في 2 آب 1990.
 
شكلت الانتفاضة الفلسطينية ثورة شعبية وجماهيرية عامة في وجه الاحتلال الإسرائيلي وأثبتت فعالية كبرى في الضغط ليس فقط على إسرائيل بل وعلى المجتمع الدولي واقتناع غالبية الأطراف بضرورة انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة عام 1967. وكانت الانتفاضة مناسبة أكد من خلالها عرفات قيادته للشعب الفلسطيني في وجه منافسيه سواء من المعارضة أو من داخل حركة "فتح" نفسها، لاسيما بعد اغتيال الوزير على يد الكوماندوس الإسرائيلي في نيسان 1988 وتحول المسؤولية الكاملة والمباشرة عن الانتفاضة الفلسطينية لتقع على عاتق ياسر عرفات الذي مضى قدماً في محاولة تسخيرها من أجل الضغط على جميع الأطراف للاعتراف بالمنظمة في أي مفاوضات ممكنة وللقبول بحل الدولتين. كما كان لزيارة عرفات لدمشق التي ستصبح معقل المعارضة الفلسطينية وللحشد الجماهيري العفوي الذي تحلق حول موكبه قرب ضريح الشهيد خليل الوزير في مخيم اليرموك جنوبي دمشق، مناسبة همة لتأكيد هيمنة عرفات وقيادته للشارع الفلسطيني حتى ذاك الذي تسيطر عليه المعارضة. وفي العام 1987 تنقل عرفات بين بغداد وتونس، وأعلن المجلس الوطني الفلسطيني في15/11/1988 في الجزائر عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي لقيت اعترافاً دولياً واسعاً، ومثل عرفات بعد ذلك بشهر واحد أمام الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة التي عقدت اجتماعها في جنيف في 13/12/1988 بعدما رفضت الولايات المتحدة دخول عرفات إلى أراضيها. وأعلن عرفات من خلال كلمته أمام الجمعية عن لجوئه إلى السبل السلمية من أجل حل القضية الفلسطينية، فأطلق مبادرة السلام الفلسطينية لتحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط، والتي فتحت بناءا عليها الحكومة الأمريكية برئاسة الرئيس رونالد ريغان، حوارها مع منظمه التحرير الفلسطينية في تونس. لكن خطأ سياسياً فادحا ومكلفاً سيبعد منظمة التحرير الفلسطينية عن المفاوضات المقبلة في مدريد 1991.
 
اندلعت حرب الخليج الثانية في 16 كانون الثاني 1991 بعد رفض صدام حسين للإنذار الدولي للانسحاب من الكويت، وكان على عرفات أن يختار بين تأييد الموقف الدولي مخالفاً بذلك الإرادة الشعبية الفلسطينية المؤيدة لصدام حسين، وبين الانصياع للإرادتين الشعبيتين الفلسطينية والعربية وبالتالي الصدام مع المجموعة العربية النفطية والمجتمع الدولي. ولم تستطع قيادة المنظمة أن تخلق موقفاً يمثل طريقاً ثالثاً. اختار عرفات هذه المرة أن يكون أبو عمار. وستدفع منظمة التحرير وفلسطينيو الخليج العربي ثمناً باهظاً. فبالإضافة إلى العزلة الدولية، ستخسر المنظمة دعماً مالياً ضخماً كانت تقدمه لها الدول النفطية وستتكرر تجربة اللجوء مرة أخرى بالنسبة للفلسطينيين العاملين في دول الخليج العربي، أضف إلى خسارة المنظمة نسبة لا بأس بها كانت تقتطع من رواتبهم (بلغت أحياناً 5% من راتب الموظف الواحد) لصالح المنظمة، الأمر الذي سينعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي للضفة والقطاع، المتردي أساساً في ظل الانتفاضة الفلسطينية، والذي اعتاشت فيه عديد من الأسر الفلسطينية على التحويلات المالية لأقربائهم العاملين في الخليج، كما سينعكس أيضاً على حراك وعمل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في الشتات.
 
منذ التسعينات لا يمكن لنا الحديث عن ثقل تنظيمي فلسطيني كالذي شهده الشتات قبل ذلك وعلى مدى سنوات، إذ كان من نتائج حرب الخليج الثانية وموقف المنظمة الداعم للعراق، أن خسرت المنظمة دعماً ماليا هاماً كانت تقدمه لها دول الخليج العربي الأمر الذي وضعها تحت ضغوط مالية اضطرت على أثرها فصائل المنظمة إلى إغلاق عدد من مكاتبها وإلى تسريح أعداد ليست بالقليلة من كوادرها العاملة. ولم تخل عمليات التسريح تلك من البيروقراطية والانتقائية تبعًا للاعتبارات الفئوية والعشائرية ما أصاب قطاعاً واسعاً من الكوادر الأكبر سناً بالإحباط واليأس لاسيما وأنهم لم يعرفوا من المهن سوى مهنة "النضال الوطني" داخل صفوف منظمة التحرير، فخسرت بالتالي فصائل المقاومة جزءاً كبيرا من قاعدتها الجماهيرية. إلا أن عوامل أخرى كانت أكثر فعالية في ضعف الالتفاف الجماهيري حول فصائل المقاومة استمر فيها التداخل بين الذاتي والموضوعي، فالتحولات الإقليمية والدولية في الصراع العربي الإسرائيلي المتمثلة بانطلاق "مؤتمر مدريد" والاتفاقات الفلسطينية الاسرائيلة ابتداء من"أوسلو" وما شكلته من نقطة تحول جيوبوليتيكية في هذا الصراع كانت قد فرضت على الكفاح لمسلح المنطلق من الشتات باتجاه إسرائيل الدخول في سبات حتى إشعار آخر، وفي ظل غياب البدائل النضالية التي عجزت فصائل الثورة الفلسطينية، لاسيما المعارضة لـ"أوسلو"، عن تقديمها للجماهير الفلسطينية في الشتات واكتفائها بدور المعطل لـ"أوسلو" وعجزها عن بلوغ هذه الغاية، وسياسة الرفض والتأثيم والتخوين والاتهام وإعادة اجترار هذه السياسة طوال سنوات من دون طرح استراتيجية بديلة لاستراتيجية قيادة منظمة التحرير، فإن النتيجة الطبيعية لذلك كانت أن اتسمت هذه الفصائل بانعدام الفعالية إن على الصعيد السياسي والاجتماعي أو على صعيد الصراع مع إسرائيل. هذه الحال التي آلت إليها فصائل المقاومة قللت الجهد الذي كان على قيادة منظمة التحرير بذله لإحداث انشقاقات ضمن صفوف هذه الفصائل رغبة منها في إضعاف جبهة المعارضة، كالانشقاق في صفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الذي قاده ياسر عبد ربه. وبعد أن كان الشتات الفلسطيني مركز الثقل في عمل المقاومة الفلسطينية بات يشهد ومنذ سنوات حال لا حراك سياسي واجتماعي.
 
كان الكفاح المسلح أكثر الأساليب فاعلية في تحريك الشتات الفلسطيني المبعثر وفي منحه الوحدة اللازمة للحراك السوسيولوجي، إلا أن التوجه نحو عسكرة النضال الوطني الفلسطيني الذي هيمن على مجمل عمل فصائل المقاومة أدى إلى اختزال مفهوم العضو المناضل في مفهوم العضو المقاتل، وتم تهميش الفروع والمؤسسات المدنية والنقابات والاتحادات الشعبية وعجزت فصائل الثورة الفلسطينية حتى الآن عن خلق وتطوير أساليب مناسبة للنضال الوطني تستطيع الجمع بين العمل السياسي والشعبي من جهة وبين الكفاح المسلح من جهة أخرى، وغاب عن فصائل المقاومة بمختلف توجهاتها إعطاء هذا النضال البعد الاجتماعي اللازم وفي أحسن الأحوال تم اختزاله إلى مجرد خدمات اجتماعية في هذا المجال أو ذاك بحجة غياب وحدة اجتماعية وجغرافية وسياسية لفلسطيني الشتات. حتى الفصائل الفلسطينية من خارج منظمة التحرير لاسيما حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" اللتان نشأتا في الداخل المحتل وامتد نشاطها بشكل ملحوظ إلى الشتات كان عملها أشبه بعمل الجمعيات الخيرية. و لما لم تعد الظروف في الشتات تسمح باستمرار الكفاح المسلح كأحد الوسائل النضالية وفي ظل انعدام الوسائل البديلة بين أيدي فصائل المقاومة، فقدت هذه الفصائل دورها بين صفوف الشعب الفلسطيني في الشتات. وبدأ المجال السوسيولوجي لفلسطيني الشتات يعاني من التصدع ومن غياب التمثيل السياسي الفعلي.
 
في أحد أيام العام 1991 ستختفي طائرة ياسر عرفات من على شاشات الرادار وستمر ساعات عدة قبل أن تحدد الأجهزة المختصة التابعة للإدارة الأميركية مكان سقوط الطائرة في الصحراء الليبية. وخلال ساعات اختفاء عرفات وطائرته انطلقت التحليلات الصحفية والإخبارية تتكهن بالرجل الذي سيخلف ياسر عرفات في قيادة الشعب الفلسطيني. استبعد جورج حبش الأمين العام الأسبق للجبهة الشعبية بسبب ديانته، أما نايف حواتمة فاستبعد بسبب جنسيته. وفي غياب أبو جهاد و رحيل كل من صلاح خلف (أبو إياد) وهايل عبد الحميد (أبو الهول)، بعد اغتيالهما أيضاً في ظروف غامضة اتجهت فيها أصابع الاتهام إلى "المجلس الثوري" الذي يقوده (أبو نضال)، أجمعت التكهنات على محمود عباس (أبو مازن) باعتباره الرجل الأقوى والأوفر حظاً في خلافة عرفات. لكن عرفات سينجو مجدداً بإعجوبة وبفضل تضحيات الرفاق من حوله الذين احتضنوه بأجسادهم وما تيسر لهم من أغطية ووسائد.
 
سريعاً وبعد ما عرف بحرب "تحرير الكويت" سينطلق مؤتمر "مدريد" بناء على الوعد الذي قطعه جورج بوش الأب للدول العربية التي شاركت في الحلف الدولي ضد العراق. وعقاباً لها ستستبعد منظمة التحرير الفلسطينية من "مؤتمر مدريد" في تشرين الثاني 1991، ليختزل التمثيل الفلسطيني في وفد من فلسطيني 1948 مشترك مع الوفد الأردني. وهو الأمر الذي يغفله عبد الإله بلقزيز في كتابه:( أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: من فتح إلى حماس)، إذ يرى بلقزيز أن ((الذهاب الفلسطيني إلى تسوية مدريد، التي قادت إلى "اتفاق أوسلو" كان خطأ سياسياً فادحاً رتب على القضية الفلسطينية نتائج بالغة السوء" ويرى أنه خطا لثلاثة أسباب: " لأنه حصل في سياق شروط الجزر الوطني والقومي بعد "حرب الخليج الثانية" وتدمير العراق وتكريس الاختلال في التوازن الاستراتيجي الإقليمي لصالح "إسرائيل". ولأنه (ذهاب) ارتضى القبول بمبدأين... هما: المفاوضات على مسارات منفصلة، وتأجيل القضايا الأساس... إلى "مفاوضات الوضع الدائم". ثم لأنه ارتضى القبول بمبدأ الحكم الذاتي الانتقالي وإخراجه سياسياً في مفاوضات "أوسلو")) ص36 ـ ص37.
 
في البداية ،وكما قلنا، يغفل بلقزيز ـ ولا ندري لماذا؟ـ أن منظمة التحرير لم تدع إلى مؤتمر "مدريد"، وأن الظهر العربي الذي يتحدث عنه في كتابه لم يعبأ بمشاركة المنظمة وارتضى تمثيل الحد الأدنى للفلسطينيين في وفد مشترك مع الأردن، وأما المفاوضات على مسارات منفصلة فقد وافقت عليها بعض الدول العربية قبل منظمة التحرير الفلسطينية. أما الأسباب التي ذكرها بلقزيز واعتبرها خطأ فلسطينياً فهي في الحقيقة الأسباب الواقعية الموضوعية التي دفعت المنظمة لإحداث الاختراق في "أوسلو" بعد أن أقصيت عن "مدريد"، وهي الواقع الموضوعي العربي الذي حدد سقف أي مفاوضات أتت بعد "مؤتمر مدريد"، ولم يكن بإمكان المنظمة أن تقف مكتوفة الأيدي أمام "مدريد" الذي قفز عن تمثيل المنظمة للفلسطينيين باعتراف العرب والعالم. وكان ينبغي على بلقزيز أن يتعامل مع هذه الأسباب من باب حكم الوجود لا حكم القيمة. فالنظرة المعيارية القيمية هنا تغفل طبيعة التحولات الدولية والسياسة العربية وتوجهاتها بعد حرب الخليج. وربما كان ذلك نتيجة طبيعية بالنسبة للدكتور بلقزيز طالما أنه انطلق في كتابه من فكرة "وهم التسوية" لينتهي بها، الأمر الذي افقد كتابه قدرا من الموضوعية فهو يضع النتائج ليبحث لها عن المقدمات. أما المقاومة التي ينحاز إليها بلقزيز والتي نحن بدورنا ننحاز إليها أيضاً مع التحفظ على بعض أساليب العمل المقاوم التي قد لا تخدم أحياناً مصلحة الشعب الفلسطيني لاسيما حين لا تراعي الزمان والمكان والهدف، فيغيب عن بال عبد الإله بلقزيز أنها لم تعد ممكنة دون حاضنة اجتماعية سياسية وفرها اتفاق "أوسلو".
 
رأى عرفات أن اتفاق "أوسلو" مغامرة فلسطينية لعلها أشبه بحصان طروادة، لذلك حرص عرفات على أن يبقى لـ"فتح" وجودها في الشتات، فحافظ على وجود "فتح" خصوصاً في الساحتين اللبنانية والأردنية، ولا يزال مكتب التعبئة والتنظيم التابع لحركة "فتح" موجوداً في تونس بقيادة (أبو ماهر غنيم)، أما اليوم وبعد انقلاب "حماس" في غزة فإن المفاوضات والمشاورات تتجه نحو نقل كافة ثقل الحركة وقيادييها إلى الضفة والقطاع. ولم يقتصر نقل الثقل التنظيمي والنضالي على الداخل الفلسطيني على حركة "فتح" بل سعت جميع الفصائل الفلسطينية بعد أن أدركت أنها لم تعد ذات ثقل في الشتات إلى التوجه نحو الدخل الفلسطيني وإن تدريجياً، تاركة الشتات ومجاله السوسيولوجي يعاني من أزمات متفاقمة بسب غياب البرنامج السياسي لفلسطيني الشتات. فعلى سبيل المثال أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عقب اغتيال (أبو علي مصطفى) الأمين العام السابق للجبهة في غارة إسرائيلية على مكتبه، أن الأمين العام المقبل للجبهة سيكون من فلسطيني الداخل، وهو ما تم فعلاً حيث انتخب أحمد سعدات كأمين عام للجبهة الشعبية. واليوم يجري التمهيد لدخول نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية إلى مناطق الحكم الذاتي في الضفة والقطاع بعد أن تركز عمل ونشاط الجبهة الديمقراطية قبل ذلك بسنوات في الداخل الفلسطيني المحتل.
 
اتضح لاحقاً أن الوفد الفلسطيني المشارك في "مؤتمر مدريد" مسيطر عليه من قبل منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات. حيث عمد عرفات من خلال الوفد المفاوض إلى عرقلة المفاوضات على المسار الفلسطيني، وتأكدت سيطرة عرفات على الوفد الفلسطيني بعد اللقاء العلني بعرفات في عمان وأمام شاشات التلفاز وكاميرات الصحفيين، فكان على إسرائيل التي رفضت دائماً الاعتراف بمنظمة التحرير والتفاوض معها أن تتفاوض أخيرا ومباشرة مع الرجل. تمخضت المفاوضات السرية بين منظمة التحرير الفلسطينية والجانب الإسرائيلي عن توقيع اتفاق "أوسلو" في العام 1993 والذي تمكنت بموجبه منظمة التحرير الفلسطينية وحركة "فتح" من الدخول إلى ما عرف بـ"أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني"، وانتخب عرفات رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية في1996. ومنذ ذلك الحين ستدخل الثورة الفلسطينية مرحلة جديدة بدا أنها مرحلة بناء الدولة لكنها كانت أيضاً مفتوحة على احتمالات وتحديات عديدة.
 
* كاتب وباحث فلسطيني
 

مقالات سابقة:

 

  دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح (1)

  دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح (2)

  دولة وقدس ولاجئون وكفاح مسلح (3)

  أيديولوجيا الموت واغتيال عمر المختار

  أصحاب الرواق/ الجبرية العاقلة والسعادة الصارمة

  حركة "حماس": النضج السياسي المطلوب واحتمالات الربح والخسارة

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com