18/11/2007
 

ليبيا... مفاجأت جديدة أم تكرار للفشل؟
 
بقلم: فضيل الأمين

 
على أبواب انعقاد ما يسمى بمؤتمر الشعب والذي يعتبر نظرياً السلطة العليا في ليبيا، يتساءل الليبيون عن المفاجأت المتوقعة إذا كان ثمة شئ من هذا القبيل. طبيعة المفاجأت وآثارها على التركيبة السياسية الحالية والسياسات ومن ثم على التشريعات الحالية وأية تشريعات جديدة تعزز أو تقلص من حالة الحراك السياسي والإقتصادي الوليد والمحدود الذي تعيشه البلاد اليوم سيكون هو مربط الفرس. فما يسمى بالإصلاح في ليبيا يصطدم يومياً بالممارسات العملية لأجهزة الدولة والجدار البيروقراطي السميك، وبكل التشريعات والقوانين الشمولية والمعرقلة التي تراكمت عبر عقود من الزمن، إضافة إلى الفساد المزمن المستشرئ في كل مفاصل الدولة والمجتمع على حد سواء. ففي وجود المراسيم الثورية والحكومية التي تتعارض مع أبسط التوجهات الإصلاحية تجد الجهود والمبادرات الإصلاحية على بساطتها مقاومة (تشريعية) أفرزت واقعاً قانونياً وممارسة عملية وسلوكاً بيروقراطياً إضافة إلى جهود تخريبية من عناصر تعارض أي انفراج ذي معنى.
 
وهذا يقودنا إلى القول بأن الإكتفاء بحل اللجنة الشعبية العامة الحالية واستبدالها بأخرى جديدة، أو ما يسمى بلعبة الكراسي الموسيقية، والذي قد يترافق مع فتح المجال لنوع من تفريغ الشحنات العاطفية عبر الإعلام فقط، أمر لا يمكن أن يقود إلى تطور حقيقي للبلاد. فعملياً، تعيش البلاد حالة من الفوضى والترقب. فالنظام القديم (Order) وحراسه وحرامييه لم يعد مسيطراً على مقاليد الأمور كما كان الحال في السابق بعد المبادرات الإصلاحية الأخيرة المحدودة، وفي نفس الوقت لم يتبلور بعد نظام بديل أو حتى بوادر نظام جديد ليحل محله. وفي خلال هذه المرحلة التي يمكن أن نسميها (انتقالية) تختلط الأوراق وقد تنزلق البلاد إلى حالة من الفوضى (اللاخلاقة) وإن كنا كليبيين قد اعتدنا عبر عقود من الزمن على ما يمكن أن نطلق عليه (الفوضى المنظمة).
 
وليس لنا أن نذهب بعيداً حتى نرى مظاهر الإرتباك الذي هو أحد مقدمات الفوضى. قرارات غربية مفاجئة تصدر وتطبق ثم تلغى فجأة كما صدرت دونما تبرير لصدورها وبالطبع لا تبرير لإلغاءها سوى أنها قرارات غبية وغير منطقية أو تتناقض قانونياً مع التشريعات التي ذكرنا أو مع سياسيات الدولة المتغيرة بإستمرار.
 
أمثلة على ذلك، قرار منع أبناء الليبيات المتزوجات من غير الليبين من الدراسة المجانية، قرار منع الليبيات دون الأربعين من السفر دون محرم، وقرارات جوازات السفر الأخير، وغيرها من القرارت اليومية والأسبوعية التي تصدر بلا دراسة ولا سند ولا مرجعية. وأحيلكم إلى المقال الجيد لمدير تحرير صحيفة ليبيا الوطن الأخير "ما بين مطرقة سياسة التخبط والقرارات العشوائية".
 
المشكلة الحقيقية لم تكن في اللجنة الشعبية السابقة وليست في الحالية أو التي ستأتي مستقبلاً.
 
المشكلة أن ليبيا تمر بمرحلة انتقالية هامة وخطيرة في نفس الوقت. من الفوضى المتفشية في أجهزة الدولة الليبية التي تشعر بعدم الإستقرار ترقباً لتغيرات مستمرة غير مبرمجة، وأباطرة الفساد الذين يتمعشون على الفوضى وغياب النظام، وجهاز تشريعي ممثل في مؤتمر الشعب العام "لا يهش ولا ينش" كما يقولون سوى التدخل في جزئيات محددة ترتبط بالصراع المستشري بين أجنحة النظام. ولا يجب أن ننسى المتربصين الذين يرغبون في زعزعة الأمن ونشر الإرهاب.
 
فنحن أمام جهاز تشريعي فاشل تتنازعه الصراعات لا يستطيع أو لا يملك تحديد الأولويات وإقرار الخطط والبرامج التنفيذية، ومن ثم ينتج جهازاً تنفيذياً تائهاً يعكس حالته، وكما قيل "إذا اختلف الأقوياء اتفقوا على ضعيف". وجهاز قضائي يعمل في دائرة المتناقضات التشريعية والتجاذبات التنفيذية والسياسات المتباينة.
 
ما تريده البلاد اليوم هو قيادة تنفيذية حكيمة ذات صلاحيات تتناسب مع ظروف المرحلة الإنتقالية الصعبة. قيادة تنفيذية تملك الصلاحيات وتخضع في نفس الوقت للمحاسبة والمتابعة من جهاز تشريعي مصغّر. قيادة تنفيذية تفهم الواقع والمطلوب والممكن. قيادة تحدد عدة أولويات أساسية لا تتجاوز اصابع اليد، بعيداً عن الوعود الكثيرة والفارغة في نفس الوقت.
 
مشاكل ليبيا كثيرة ولا يمكن حلها كلها في يوم واحد ولا شهر واحد ولا عام واحد. مشاكل تراكمت عبر عقود، أدت إلى هدم كل ما يمكن أن تنهض عليه البلد. وإذا كان الهدم قد استمر عقوداً وهو اسهل بكثير من البناء فيمكننا أن نتخيل ما نحتاجه من وقت للبناء.
 
يجب أن نحدد الأولويات. هل هي تحرير الإقتصاد شبه الميت وإنعاشه؟ هل هي الإصلاحات التشريعية والقانونية الأساسية التي تحل مشكلة التناقض بين القرارت والقوانين الحالية؟ هل هي الإصلاحات السياسية مثل إعادة هيكلة ما يسمى بسلطة الشعب وتفعيلها أو إلغائها بما يضمن نظام حكم تتفاعل فيه السلطات التشريعية والتنفيذية بطريقة تضمن تسييراً ناجحاً لشؤون البلاد مع استقلال كامل لقضاء فاعل ونزيه؟ هل هي فتح المجال لحرية الصحافة الإعلام؟ هل هي حل مشكلة السكن؟ أم حل مشكلة البطالة. أم مشكلة المجاري والبنية التحتية، أم منع من يسافر بدون محرم، أم مشكلة الجريمة، أم مشكلة الفساد؟ أم... الطبع كثير من هذه القضايا متربط بعضها ببعض.
 
في مجال الإدارة وعند تحديد الأولويات هناك ما يسمى بجدول المهم والمُلح.
 
الجدول يشمل:
 
• المُلح والمهم.
• المهم وليس مُلح. وهذا عادة هو الإستراتيجي.
• المُلح وغير المهم.
• غير الملح وغير الملح.
 
والإدارة الناجحة هي تلك التي تستطيع أن تتعامل مع هذه القضايا وتوزع الموارد الأساسية، الوقت والمال والجهد عليها دونما الوقوع في فخ المٌلح وغير المهم ومن باب أولى غير المُلح وغير المهم واستهلاك الجهد والوقت والمال فيه دونما طائل.
 
إن أخطر المراحل في حياة الأمم هي المراحل الإنتقالية، لأنها تفرز المراحل التي تليها سلباً أو إيجاباً. فهي قد تكون المعبر الآمن إلى بر الأمان أو الجسر الخطر الذي ينهار بما فيه ومن فيه في النهر.
 
ولهذا فإن التخطيط الجيد والتعامل الجاد مع هذه المرحلة الإنتقالية الحرجة هو مفتاح مستقبلنا، كما الإرتباك والتردد والتأرجح والإرتجال سيكون مكلفاً أيضاً.
 
ومع احترامي وقناعتي بالتخطيط بعيد المدى وخطط ليبيا 2025 وغيرها، والمطالبات بالإصلاحي الدستوري وغير ذلك من المطالبات والخطط ذات الأثر البعيد، إلا أن حسن إدارة هذه المرحلة سيكون هو الحاسم لمستقبل أي اصلاح دستوري حقيقى أو خطط مستقبلية بعيدة المدى ذات أثر استراتيجي.
 
المراحل الإنتقالية هي لحظات تاريخية لها ما بعدها، وإدراك النخبة الحاكمة اليوم في ليبيا والإصلاحيين سواء كانو من داخل النظام أو من المعارضة لهذه اللحظة التاريخية وإلتفافهم نحو اهداف انتقالية عملية جادة يمكن تنفيذها هو الإمتحان الحقيقي لإخلاصهم للوطن والمواطن وللمستقبل.
 
ودون ذلك ستستمر لعبة الكراسي الموسيقية القديمة بالكراسي المهترئة واللاعبين الذين تجاوزتهم المرحلة، حتى وإن تغيرت النوته الموسيقية أو تغير المغنّون.
 
ونحن في الإنتظار...
 
فضيل الأمين

 


أرشيف الكـاتب


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com