11/11/2007
 

الارهاب والفساد وجهان لعملة واحدة..
 
بقلم: د. شعبان علي ابراهيم

 
قد يستغرب المرء في العلاقة الطبيعية فيما بين الارهاب والفساد,وما مدى تاثير احدهما على الأخر؟ فرغم الاختلاف والتباين في تحديد مفهوم كلآ منها,الا انهما وبالتاكيد الجازم من التاريخ وجهان لعملة واحدة.حتى كاد البعض ان يظن أن احدهما قد خرج من صلب الأخر!غير ان كلاهما افرازآ طبيعيآ من صلب الأستبداد..مما يعني وجود روابط علائقية بين المصطلحين من الأساس.إن الإرهاب كلمة لها معنى ذو صور متعددة ، يجمعها : الإخافة والترويع للآمنين بدون حق ، وإزهاق الأنفس البريئة وإتلاف الأموال المعصومة ، وهتك الأعراض المصونة، وشق عصا المسلمين وتفريق جماعتهم والخروج على النظام وتهييج الشباب ضد بلادهم والزج بهم في مواجهات ومصادمات مع الدولةوالعلماء في صور من الإرهاب الفكري .واحسب ان الارهاب لا ينحصر فقط في العمليات التفجيرية، او محاولات ضرب أمن المجتمع، فهذه نتيجة فكر، لكن المهم مصادر هذا الفكر، ومنابعه، والمروجون له، ومن يقدمون على تكفير الناس، وقمع كل فكر استشرافي، نهضوي، رؤيوي. ينشد التسامح، ويسعى الى الحوار، والعقلانية، والفهم الواعي المدرك..العمل الإرهابي عمل قديم يعود بنابالتاريخ مئات السنين ولم يستحدث قريباً في تاريخنا المعاصر...ولاننسي حقبة الثورةالفرنسية الممتدة بين الاعوام 1789 إلى 1799 والتي يصفها المؤرخون بـ"فترة الرعب"، فقد كان الهرج والمرج ديدن تلك الفترة إلى درجة وصف إرهاب تلك الفترة "بالإرهاب الممول من قبل الدولة". فلم يطل الهلع والرعب جموع الشعب الفرنسي فحسب، بل طال الرعب الشريحة الارستقراطية الاوروبية عموماً....
 
ويرى البعض ان من أحد الأسباب التي تجعل شخص ما إرهابياً أو مجموعة ما إرهابية هو عدم استطاعة هذا الشخص أو هذه المجموعة من إحداث تغيير بوسائل مشروعة، كانت إقتصادية أو عن طريق الإحتجاج أو الإعتراض أو المطالبة والمناشدة بإحلال تغيير. ويرى البعض أن بتوفير الأذن الصاغية لما يطلبه الناس (سواء أغلبية أو أقلية) من شأنه أن ينزع الفتيل من حدوث أو تفاقم الأعمال الإرهابية. مما ورد في القران الكريم في سورة المائدة " إنما جزآؤُاْ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي ٌ في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) "....
 
ولكي نلمس الفرق بين الحرب وبين الارهاب يمكن الاستعانة بتعريف غاستون بوتول للحرب حيث يقول انها نزاع مسلح ودموي بين جماعات بشرية منظمة .ان الحرب تتضمن خاصة قانونية وتنظيمية، حيث تخضع لقواعد معينة وقوانين مكتوبة او عرفية تحركها وتوجهها، الامر الذي يجعل الحرب شكلاً منظماً ومقنناً لاستخدام العنف، اما الارهاب فلا يخضع لأية قاعدة قانونية، بل انه يستمد قوته ويكتسب فعاليته من كونه غير مقنن، ولا يخضع لقواعد ثابتة متفق عليها ومعترف بها...ولازالت هناك اشكالية عالمية حول تحديد مفهوم عام للأرهاب,ولعل من أوائل المحاولات الحديثة في هذا الصدد ما اقترحته الولايات المتحدة من تعريف للارهاب في الدورة الثامنة والعشرين للامم المتحدة علي اساس كونه فعلا منسوبا الي كل شخص يقتل شخصا آخر وفي ظروف مخالفة للقانون او يسبب ضررا جسديا بالغا او يخطفه او يحاول القيام بفعل كهذا او يشارك شخصا قام او حاول القيام بفعل كهذا.
 
ويلاحظ ان هذا التعريف يتحدث عن اعمال فردية ويتجاهل الصفة السياسية للارهاب الامر الذي يجعله ينطبق علي مبادئ القانون الجنائي دون غيره. كما انه يتجاهل ارهاب الدولة الذي يستوفي بصورة كاملة الشروط الاساسية للارهاب..اما عن ديدنه الفساد, كما عرفته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003 بأنه الرشوة بجميع وجوهها، والاختلاسات في القطاعين العام والخاص، والمتاجرة بالنفوذ، وإساءة استغلال الوظيفة، والإثراء غير المشروع، وغسل العائدات الاجرامية، إخفاء الممتلكات المتأتية من جرائم الفساد، وإعاقة سير العدالة، زيادة على أفعال المشاركة والشروع بكل ما سبق ذكره ويركز هذا التعريف على الممارسات الفعلية للفساد التي تعكس الجانب الاقتصادي والتنموي للممارسات التي تدينه من جانب براغماتي....على الرغم من أن الفساد الإداري والمالي ظاهرة لها أبعاد سلبية أخلاقية واجتماعية، عادة ماتحاط بالكتمان والسرية، الأمر الذي يجعل من الصعب معرفة أسباب هذه الظاهرة، فإنه وبصفة عامة يمكن إرجاع نشأة ونمو الفساد الإداري والمالي إلى سببين رئيسيين هما: الرغبة في الحصول على المنافع غير المشروعة، ومحاولة التهرب من الكلفة الواجبة، فالحصول على المنافع غير المشروعة تتمثل في تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية حيث تدخل الدولةفي الأنشطة الاقتصادية أشكالاً متعددة منها: قيام الدولة بدعم بعض السلع والخدمات الأساسية لمساعدة ذوي الدخل المحدود، يفسح المجال أمام بعض الفئات غير المستحقة للدعم لتقديم الرشاوى والهدايا للحصول على هذه السلع والخدمات، مما يساهم في رفع مؤشرات الفساد في المجتمع. وسيطرة الدولةعلى المؤسسات المالية، يخلق الحوافز أمام المقترضين بدفع الرشاوى للحصول على التمويل بشروط ميسرة، إضافة إلى انخفاض أسعار السلع عن سعر السوق لأسباب اجتماعية وسياسية، تخلق مناخاً ملائماً لدفع الرشاوى للمسؤولين من أجل الحصول على نصيب غير عادل منها، أو للحفاظ على تدفقها، كما يسهم تعدد أسعار الصرف الأجنبي، وقواعد منح القروض في خلق هذا المناخ الموبوء للحصول على أسعار تفضيلية.
 
ولاننسى في هذا المقام إشراف الدولةعلى بعض المشروعات بصورة تؤثر بكفاءة الدولة في ممارسة وظيفتها الاقتصادية في المجتمع بهدف أن تكون إحدى المؤسسات المقبولة في المنافسة، أو لتفوز بالمشروع بالتلاعب في العطاءات ودفع المتنافسين خارج النشاط التجاري، أو للتواطؤ في تحديد أسعاره، أو للتنصل من بعض مواصفات الجودة للمشروع قيد التنفيذ. وخصخصة المؤسسات العامة تخلق قوة اقتصادية قادرة على مخالفة القوانين والوقوع في الفساد من خلال احتكار البيانات والمعلومات ومواصفات العقود ومواقع الاستثمارات الرأسمالية الجديدة للمؤسسات المرشحة للتخصيص، زيادة على الحصول على الأوليات في الشراء وتخفيض الأسعار، إضافة إلى انخفاض الأجور والمرتبات أو تأخر صرفها في مواعيدها نتيجة سوء استخدام الميزانية العامة أو لتأخر تنفيذها، تُشعر الموظف بالظلم وتدفعه إلى تعويض النقص في مرتبه عن طريق الحصول على الرشاوى والعمولات لتدبير احتياجاته المعيشية..وهذا قليل من كثير,مما يؤكد على ان كلاهما(الارهاب والفساد)يعملان في الظلام تحت ظل الضبابية المفروضة من الأستبداد(اي التفرد بالسلطة والقرار في غياب المشاركة الشعبية), ولكي نصل الى العمل بمبدأ الشفافية..يجب أن نتسلح بالعلم ونسعى إلى الحرية و نغيير من سيكولوجيتنا الرديئة الذليلة وما يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".... والشخصية العربية فى هذا السياق، تمثل بنية سيكولوجية ذات خصائص وملامح وسمات معينة؛ هذه الشخصية هى محصلة تكوين اجتماعى يحوى أنماطاً للإنتاج، وطبقات اجتماعية، وأيديولوجيات، وأطر ثقافية، وهذا يتسق مع ما أشار إليه كل من "جيرث وميلز" ومؤداه: " أن الإنسان مخلوق تاريخى، ويمكن أن يدرس فى ضوء الأدوار التى يقوم بها ويندمج فيها. وتتحدد هذه الأدوار من خلال نوعية النظم الاجتماعية التى ينتمى إليها الفرد والتى ينشأ داخلها. فذاكرة الفرد وإحساسه بالزمان والمكان وإدراكه ودوافعه وصورته عن ذاته .. ووظائفه السيكولوجية تتشكل وتصقل بفعل مجموعة الأدوار التى يتعلمها من مجتمعه.
 
د. شعبان علي ابراهيم
 

الهوامش:
موسوعة ويكيبيديا عن الارهاب (1), سورة المائدة الاية (33), محمود عودة، التكيف والمقاومة .. الجذور الاجتماعية والسياسية للشخصية المصرية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1995م،

 

 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com