15/11/2007
 

فلندق أجراس الخطر... طبخة في السر لدستور مشبوه

بقلم: د. سامي عبد السلام العربي


 
لقد أخذت في الآونة الأخيرة تتردد أقوال، وتتناقل الألسنة أحاديث، حول مشروع لدستور للبلاد، يقال إن لجنة مكونة من عدد من الأساتذة الجامعيين، من المختصين في علوم السياسة والقانون والشريعة، تعكف في سرية تامة على إعداده. وقد وضعنا تحت عبارة (سرية تامة) خطاً، للفت أنظار هؤلاء الأساتذة الذي ربما يظنون أنهم يعملون في السر، بأننا تعلمنا أنه لا يوجد في ليبيا سر، وأن المرء يكاد يفاجأ بأن ما يعتمل في نفسه من هواجس وأفكار في الليل سوف يجده غداً على أفواه الناس، يرددونه ويتناقلونه، ولا أحد يدري من أين صدر أو من وراء إشاعته.
 
نقول هذا الكلام لكي ننبه أبناء وطننا من هؤلاء الأساتذة، ونحن نعرفهم واحداً واحداً، ونكن لبعضهم، ولا نقول لهم جميعهم، كثيراً من التقدير والاحترام، إلى خطورة ما هم عاكفون على صنعه، ونتمنى أن يراجعوا أنفسهم وضمائرهم، ليروا ما إذا كان ما يصنعون يصب حقاً في مصلحة وطنهم وأبناء شعبهم، أم أنه يصب أولاً وآخراً في مصلحة النظام المستبد الذي جثم على صدر الوطن والشعب ثمانية وثلاثين عاماً، وهم يعكفون الآن لمساعدته على إيجاد صيغة يواصل من خلالها بقاءه وهيمنته المطلقة على مقدرات الوطن والشعب.
 
ولا يظنن إخواننا في لجنة "الدستور" أن ما يعكفون على فعله قد بقي أو أنه يمكن أن يبقى سراً. فالحديث يدور حول طبيعة الدستور المشبوه الذي يتم الآن "طبخه"، من حيث إن أهم محورين من محاوره هما:
 
1ـ ابتداع موقع من مواقع السيادة، يتم تفصيله تماماً على مقاس العقيد القذافي، بحيث يمنحه "شرعية" خاصة، تسمو على شرعية الشعب نفسه، ومن ثم يمنحه "حصانة" ضد النقد والمساءلة.
 
2ـ إحداث ردة عن وحدة البلاد، أرضاً وشعباً، بإعادة النظام الفيدرالي، الذي اعتبر الليبيون إلغاءه في أوائل ستينيات القرن الماضي هو الاستقلال الحقيقي للبلاد، بعد أن أزال ذلك التقسيم الكريه إلى ولايات منفصلة مستقلة.
 
وإننا لا نهدف من وراء هذه الكلمة القصيرة إلى التطرق إلى رؤيتنا للمسار الوطني السليم الذي ينبغي أن تأخذه عملية إعداد دستور للبلاد، يكون بالفعل ثمرة توافق وطني شامل، بين مختلف النخب والقيادات الفكرية والسياسية، فلذلك الحديث المفصل مجال آخر، ومناسبات أخرى، ولكننا أردنا فقط دق أجراس الخطر، والتنبيه إلى أن هذه اللعبة سوف تكون لها أبعاد خطرة على مستقبل الوطن وقضيته، أقلها شأناً أنها سوف تساعد على الالتفاف حول مطلب "الدستور" الذي يقع بالفعل في قمة أولويات العمل النضالي الوطني.
 
ومن هنا فإننا ندعو كافة الوطنيين في الداخل والخارج لرفع أصواتهم الرافضة لمثل هذه اللعبة، ولمثل تلك الطبخة التي يقال إنها تتم في السر. فالدستور الذي يحلم به الليبيون يجب أن يتم إعداده في النور، وأن يكون موضع تشاور وتبادل للرأي والفكر بين مختلف أطياف الشعب الليبي ونخبه الفكرية والسياسية، وأن تكون الكلمة الأخيرة لإقراره لجماهير الشعب كلها، عبر وسيلة الاستفتاء الحر المباشر.
 
كما أننا نهدف من وراء هذه الكلمة القصيرة إلى تنبيه إخواننا، الذين نجلهم ونقدرهم ونحرص على الإبقاء على احترامنا لهم وثقتنا في وطنيتهم، إلى أن عملهم في هذه اللجنة يكاد يكون تواطؤاً، إن لم نقل إنه بالفعل كذلك، مع سلطة القمع والاستبداد، لتفصيل دستور يكون على مقاس استبدادهم وتفردهم بالحكم، ويلتف حول مطلب الشعب الحقيقي في الانتقال بالوطن من حقبة الحكم الفردي الاستبدادي الشمولي الإرهابي، إلى حقبة الحكم الشرعي المبني على دستور ديمقراطي يضعه ويقره الشعب بملء إرادته الحرة، لا يكون فيه موقع لـ"قيادة" تاريخية، أو لـ"مرشد أعلى" معصوم وغير مسؤول، وإنما تكون فيه السيادة للشعب، يمارسها عن طريق ممثليه الذين يختارهم بإرادته الحرة بأسلوب الاقتراع الحر المباشر، ولا يكون فيه لأي فرد، مهما كان، سمو على الدستور أو القوانين، بل يكون فيه كل المواطنين سواء أمام القانون، ولا يسمو أحدهم ويتقدم إلا بمقدار جدارته وكفاءته في تحمل أعباء المسؤولية التي يختاره لها أغلبية دستورية من أبناء شعبه.
 
فهل يربأ إخواننا الأجلاء في لجنة "الدستور" بأنفسهم عن هذه الخطيئة؟ وهل يراجعون أنفسهم فيما هم فاعلون ؟
 

د. سامي عبد السلام العربي

samisallam@hotmail.info
 

 

 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:

 
نورالدين السيد الشريف: مع احترامى لك يااستاذ سامى وللنقاط التى اثرتها فى مقالك المقتضب والمفيد الا انه لدى تسائل يتمحور حيال الكيفية التى ترى انه من خلالها يمكن اقامة استفتاء حر للشعب .انت تعرف جيدا الوضع الذى عليه الوطن وتعلم بحال المواطن الليبي النفسية وما يعانيه من تبلد واضح الى حد انه فقد الاحساس بالوطن وبانتمائه اليه. اما الجانب الاخر للمعادلة فانت تعرف ايضا بحال ووضعية المعارضة الليبية التى انتها بها المطاف الىة ان اصبحت معارضة لاسقاط النظام من خلال النت . نحن فى ليبيا نطمح فى ان نعيش داخل وطننا بكرامة ونضمن لابنائنا التعليم الجيد ومدارس صحية لائقة ومتنفس للتعبير والنقد من خلال صحافة حتى لو كانت نصف حرة .ياسيد اسامة انت تتكلم فى الواسع وانا اقول لك من الداخل انه لامجال لسبيل اخر قد يبدر الى ذهنك لاقامة دستور بالطريقة التى تطمح اليها .وانما الواقع والمنطق والمعطيات والظرف العام ونسبة الوعى لدى رجل الشارع العادى البسيط وهذا يتطلب من ان نكون واقعيين وان نسلم بالامر الواقع المفروض وان نسعى فى البحث عن الوسائل "المتاحة والممنوحة لنا من قبل الدولة الحاكمة" التى من خلالها نستطيع ايجاد متنفس سياسي واقتصادى وثقافى يستطيع المواطن الليبي ان يحسن من وضعه وان يعيش حياة نطمح ونسعى ان تكون فى صورة احسن مما هى عليه الان. ان من تصفهم وتضعهم فى خانة المتواطئين هم من اخلص ما انجبت ليبيا وهم من الاوائل السباقين عندما تنادى الوطن زمناً ما وكانوا من السباقين فى كل الميادين وانا اعرفهم جيداً واعرف جيداً ما تختلجه صدورهم من معاناة ومكابدة من اجل الوطن وايضاً اعرف واتابع ما يعانونه وهم على خشبة مسرح الصراع فى الداخل من تهديدات ومخاطر تاتيهم من اطراف متزمتة ومتطرفة. يا اخى سامى مع احترامى الشديد لغيرتك الوطنية وما تطمح الى ان يكون عليه الوطن الا اننى اتاسف كثيرا على ما يختلج به صدرك ودهنك من معلومات ومن هواجس مئة فى المئة انها خاطئة. ثم اننا لو تطرقنا الى النقاط التى ذكرتها والمتعلقة بسيادة خاصة للعقبد القذافى تسمو به الى مكانة لايسمح بها بلنقد ولا المسائلة. هذا وان كان الامر كما ذكرت فان حالنا لن يبتعد كثيراً ولن يكون مختلفاً اومغايراً لاوضاع شعوب المنطقة العربية بالنسبة لحكامها فهم ايضاً فوق القانون ويسمون على دساتيرهم . اما ما يتعلق بالنقطة الثانية وهى البحث عن نظام فدرالى "برقة ، طرابلس، فزان" فانا لم اسمع قط انه هناك طرح يراد به تقسيم البلاد خاصة وان خطاب الاخ سيف الاخير يضع وحدة التراب الوطنى وامن الوطن فوق كل الاعتبارات" ثم استسمحنى بتسائل بسيط ما هو الافضل و الاحسن للشعب الليبي ان يكون له دستور ناقص او به هفوات تحتاج مستقبلاً الى اعادة نظر او يكون من غير دستور على الاطلاق. ثم ان نظرية الحرس القديم للمعارضة "على غرار الحرس القديم للنظام" التى طواها الزمن ولفضتها المعطيات والمعادلات الدولية والمبنية على وهم ان النظام يحتضر وان ما يقوم به الاصلاحيون فى الداخل ما هو الا اعادة بث الحياة فى جسم النظام المريض. وانا من الداخل اقول ان ما نقوم به كاصلاحيين هو بعث الحياة والامل من جديد فى دماْ الشعب الليبي واشعاره ان له وطن يسمى ليبيا وان علينا التزامات وواجبات تجاه هذا الوطن الجريح يتطلب منا وقفة جادة وصريحة وصادقة بعيدةعن اساليب الاقصاْ ء والتخوين التى تضر اكثر مما تفيد. استسمحنى اخى سامى لربما اكون قد توسعت فى حديثى ولكن فى حقيقة الامر ان الذى استوقفنى هو اتهامك لمن اعتبرهم رفاق المحنة والتجربة المريرة القاسية وهم صدقنى لايختلفون عنك فى ولائهم للوطن ولا يزايدون عليك بعطائهم لوطنهم الام. لدى قول اخير وهو ان اردنا لوطننا ان يسير الى الامام وينتفض من حالة الغيبوبة التى نحن بصددها علينا ان نبعد انفسنا قدر المستطاع عن اساليب التخوين وان نقبل التعايش تحت سقف ليبيا الوطن الذى يجمع الكل من اجل الكل ،وخلاف ذلك نصبح فى خانة واحدة مع من ننتقدهم ونعيبهم فى تصرفاتهم وفى اساليبهم.
 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com