أعلم جيدا
أن المطروح على المسلمين اليوم في مشارق الأرض
ومغاربها هو "اعادة تشكيل العقل المسلم" على حد قول
العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى.
اعادة تشكيل
عقول المسلمين وفق الأولوية القرانية الواردة في أول
اي القران الكريم في سورة العلق "اقرأ باسم ربك الذي
خلق,خلق الانسان من علق ,اقرأ وربك الأكرم الذي علم
بالقلم ,علم الانسان مالم يعلم"...اعادة تشكيل عقلية,
ليست بالأمر الهين في زمن علت فيه أصوات حكومات قهرية
وتفشت فيه أعاظم المغريات الدنيوية وانقادت فيه الشعوب
الى سلطان التواكل على الفتوى الفضائية السهلة.
وفي موازاة
كل هذا الانهيار الداخلي الذي تعرفه بلاد المسلمين
نتيجة أوضاع سياسية وتعليمية وثقافية واجتماعية
واقتصادية معلومة ,فان اعادة تشكيل العقل الاسلامي
لازالت هي الأخرى تصطدم بمحاولات وأد معالم نهضة العرب
والمسلمين في اطار من المطامع والطموحات الدولية
الخارجية.
ان الحديث
المركزي الذي كان لزاما علينا الخوض فيه عربيا
واسلاميا ,هو ذاك المتعلق بسبل تقوية أجهزة مناعة هذه
الأمة وسط تحديات العولمة الزاحفة بثورة رهيبة في عالم
الاتصال والمعلومات,علاوة على سبل النهوض العلمي
والتقني في مختلف مجالات وحقول المعرفة...غير أن رداءة
جزء من حكوماتنا وتسلط بعضها الاخر دفع الاف الأقلام
الى تحبير عشرات الاف الصفحات حول موضوع زي المرأة
المسلمة وماتتعرض اليه هذه الأخيرة من حملات استهداف
معرفي وفكري وثقافي...
عالمية الحملة ضد الحجاب:
لم تكن
الحملة ضد الحجاب هذه المرة حملة تونسية فقط ,ولكنها
كانت بكل المعايير حملة شبه عالمية حاولت الصمت على
مافعلته الايديولوجيا القهرية المتسلطة بنساء تونس في
عز شهر رمضان المعظم,وامتدت لتثير قضية الحجاب على
نطاق فكري وسياسي عالمي ,وذلك من خلال الترويج الى
أساخيف جريدة الحدث التونسية المشبوهة ومقولات صاحبها
الذي يكتب تحت يافطة أسماء مستعارة.
لقد تسربت
الى الاعلام العربي والدولي على مدار الأسابيع الأخيرة
أدبيات وتصريحات وصفت الحجاب بزي العاهرات ,وحكمت
محكمة بتبرئة باحثة اثار تركية حرصت على توثيق هذا
القول وابراز حجيته التاريخية,وتنادى زعيم حزب فرنسي
يميني الى المطالبة بمنع ارتداء الحجاب في الأماكن
العامة ,وشرعت على مايبدو حكومة كردستان شمال العراق
في تمرير مشروع شبيه بمنشور تونس الفضيحة فيما يخص
حرمة ارتداء الحجاب في المؤسسات العمومية,كما أثير جدل
سياسي قوي حول الموضوع في ايطاليا حسم مؤقتا لفائدة
رئيس وزرائها...
أما في
هولندا فقد شرعت بعض الولايات في تمرير مشروع قانون
يحظر ارتداء الحجاب في المدارس والمعاهد ,وهو ماحدث
ويحدث منذ مدة في ألمانيا في بعض ولايات الاتحاد
الفديرالي.
ولن نتحدث
فيما هو معلوم عن سن هذا القانون والشروع في تطبيقه
منذ أشهر فوق التراب الفرنسي ,غير أن السؤال يبقى
مطروحا حول السر في اختيار هذا التوقيت تحديدا من أجل
عولمة الحرب على المحجبات , ثم ماهية السر الذي يكمن
وراء عملية خلط مقصود بين الحجاب والنقاب ؟ والى أي
مدى يمكن أن تنجح هذه الحملة "العولمية" في تجريد
المسلمات من لباس تأسس على الخصوصية الثقافية والدينية
؟
السر في اختيار توقيت
الحملة عالميا :
يبدو أن
تداعيات لعنة الحادي عشر من سبتمبر لازالت تلقي
بظلالها على الوجود العربي والاسلامي في الساحات
الدولية ,كما يبدو أن حجم الجرأة والطاقة التي أمد بها
صانعو هذا الحدث الارهابي الشنيع اعداء العروبة
والاسلام فاقت كل توقع,فلم يكن حجم الكارثة متداعيا
فقط على العراق وافغانستان ثم الحملة الحربية الشرسة
على الفلسطينيين فيما تبقى من أراضي ذات سيادة منتهكة
أو على أرض ومياه وسماء لبنان , بل ان هذه التداعيات
لحقت المسلمين في الساحة العالمية لتصادر مستحقات
العمل الاغاثي والخيري البعيد عن أجندات الايديولوجيا
السياسية ,ثم تطور الأمر الى تضييق الخناق سياسيا على
شعوب المنطقة العربية والاسلامية عبر غض الطرف عما يقع
في حق هذه الشعوب من ظلم وقهر واستبداد ,وتشجيع بعضها
الاخر على التلكؤ في مسارات الاصلاح أو حتى تعطيل
الاستحقاق الانتخابي وتزويره والتحايل اللادستوري عليه.
وضمن نفس
السياق حاولت بعض الأطراف الحكومية العربية وتحديدا
النموذج التونسي التغطية على تعطل قطار الاصلاح
السياسي وفساد عرباته ,وازدحام فضاءاته بالضغوطات
النخبوية الداخلية والاكراهات الخارجية نتيجة الارتباط
بتطورات الوضع المتوسطي والاقليمي,فكان أن سارعت الى
تقديم ورقة سياسية خاسرة تمثلت في اعلان حملة غير
مسبوقة على المحجبات اللواتي وصل تعدادهن الى مايقارب
ثلث نساء تونس.
كانت حملة
النظام التونسي حينئذ رشوة سياسية وايديولوجية قدمتها
أطراف حكومية نافذة في أجهزة الحزب والدولة من أجل
تمرير مشروع سياسي يهدف الى وأد انطلاق عربة الاصلاح
في بلد بات معزولا سياسيا في نطاق المنطقة
والاقليم,وذلك على خلفية مايحدث من تطورات كبرى في دول
الجوار العربي والمغاربي.
الخلط المقصود بين النقاب
والحجاب والسر الكامن وراء ذلك :
المتأمل في
تفاصيل هذه الحملة المعولمة ضد الحجاب ,يلحظ حرص بعض
الأقلام على الخلط الكبير بين من رمز لهن الدكتور سعد
الدين ابراهيم بتسمية "أم حمزة" وهن المنقبات في بلاد
الغرب واللواتي لم يفهمن خصوصية الواقع الأوروبي الذي
يشكل النقاب بالنسبة له صدمة ثقافية عميقة تلمسها في
نظرات الاستهجان والاستغراب العميق لدى الغالبية
العظمى من الأوربيين والأوربيات حين رؤيتهم لامرأة
منقبة ...وبين المحجبات اللواتي يشاركن بشكل طبيعي
وسلس في مناشط الحياة العربية والاسلامية والغربية
واللواتي لايثرن على الاطلاق تحفظ أو قلق المواطن
الغربي ,فمابالكم بالمواطن العربي والمسلم ذي العقل
الرشيد...
وبين ثنايا
هذا الحديث عن المحجبات والمنقبات يمكن ملامسة خلط
مقصود يمارسه البعض بين الألفاظ الواضحة في تمايز
المعاني والدلالات ,حيث أن الحجاب زي يستمد معالمه من
حديث النبي صلي الله عليه وسلم لأسماء حين دخلت عليه
في لباس شفاف فأعرض عنها بوجهه وقال لها قولا مشهورا "ان
المرأة اذا بلغت المحيض لايصلح ان يرى منها الا هذا
وهذا ,-وأشار بيده الى وجهه وكفيه-", أما النقاب فهو
اجتهاد فقهي ارتاه بعض كبار أئمة المذاهب الاسلامية
السنية في حالة الجمال الغلاب الذي يذهب بالعقول
والألباب...
ان المطروح
اليوم تحديدا في تونس ليس منعا للنقاب وحظرا له,انما
هو منع بالقوة وحظر بالجبر والقسر للحجاب المذكورة
معالمه في ايات سورتي النور والأحزاب والحديث النبوي
الشريف المشار اليه انفا, وهو مايعني أن الحدث يشكل
بكل المعايير اعتداء على النصوص الاسلامية المجمع
عليها من قبل أكبر فقهاء الأمة ,ثم بعد ذلك اعتداء على
المعايير العالمية والمواثيق الدولية لحقوق الحيوان
والانسان !
اننا بلاشك
امام خلط مقصود في الألفاظ هدف الى ابراز الحجاب على
انه نقاب يعود بالمرأة التونسية الى عصور الظلام
والاستعمار كما حن للبعض قول ذلك.
غير أنه
تجدر الاشارة الى أن مسألة النقاب تعد أمرا غير مطروح
في الأوساط الثقافية والفكرية التونسية ,اللهم الا
فيما شذ وندر,ولكن رغم ذلك فان القانون لابد أن يحمي
الاختيارات الشخصية والدينية ولايعتدي عليها بسطوة حزب
الدولة والبوليس!
افاق هذه الحملة العالمية
على الحجاب والمحجبات:
ان أساليب
القسر والقهر والتحايل على نص القانون عبر تشريع نصوصه
بسبل غير دستورية وغير متوافقة مع روح الميثاق العالمي
لحقوق الانسان, فمابالكم بفطرة الله التي فطر الناس
عليها, من شأنه أن يقود بلا أدنى ريب أو شك الى فشل
هذه القوانين أو مشاريعها التي هي قيد الطبخ والانجاز
أو التطبيق الجائر والظالم والمتخلف كما هو حاصل في
تونس ..
ان نموذج
الاتحاد السوفياتي كدولة قهرية مازال ماثلا للعيان في
مفارز نظر النخب العالمية والعربية والاسلامية
والمسيحية,حيث تدخل هذا النموذج القهري والمنهار في
أساليب اعتقاد الناس وحياتهم الشخصية حتى وصل الأمر
الى ابادة جماعية لما لا يقل عن ستة ملايين مسلم في
بخارى وسمرقند وطشقند ومدن مازالت أسماؤها تحمل اشتقاق
أكبر علماء الحديث ورواته عبر المكان والزمان,ولكن
مالات هذا النموذج "الكاجيبي" لم تفلح في وأد مسيحية
شرق أوربا ولا اسلامية جنوب الاتحاد السوفياتي السابق
,حيث جمهوريات قازان وكازاخستان وأوزبكستان وتاتارستان
واذريبجان وأفغانستان والشيشان وأنغوشيا وغيرها من
الجمهوريات المتدفقة اليوم بعودة الروح الهادئة وحتى
الثائرة للاسلام.
ان النظام
العالمي الجديد لابد أن يكون متدفقا باتجاه مزيد من
الأنسنة والعدالة الثقافية والفكرية والسياسية ,التي
تعبد الطريق واسعا نحو التعايش السلمي بين الشعوب
والأعراق ومختلف أصحاب الديانات والثقافات ,وبالتالي
ضمان انسياب هادئ داخل القرية الكونية لثقافة التعايش
السلمي والتسامح والتاخي بين البشر على ارضية البناء
والتشييد والتنمية المستديمة الصادقة لكل شعوب
المعمورة وبلدانها على اساس من العدل في العمران
والعدل في الادارة والحكم وقواعد التفاعل الثقافي
وركائز التسيير الاقتصادي والسياسي العالمي.
|