04/11/2006


      


 
تزاحمتني الأفكار والخواطر على مدار الأيام الفارطة وأنا أتجول بين كثافة غير مسبوقة من القصص الاخبارية والمقالات والتحاليل عن الأوضاع في تونس,حتى توزعت مهجتى وعزائمي بين الرغبة في الكتابة الفورية عن هزيمة اعلامية نظامية للمتنفذين في الحكم ببلدي,وبين اكراهات مواصلة البحث العلمي والدراسة الجامعية ومواعيد التأهيل المعرفي بمجال الاعلام والاتصال حيث أخضع لمتطلبات مزيد من التتويج الأكاديمي بحقل طالما عشقته وانخرطت بمجالات العمل به منذ لايقل عن عقد ونصف ,وهي المسافة الزمنية التي قضيتها في أجواء النفي واللجوء تحت ضرورات القصف السياسي والأمني الذي تعرضت له تونس منذ بدية التسعينات.
 
وفي ثنايا وتعرجات وأزقة هذا التمزق بين الاشراف على ادارة صحيفة الوسط التونسية وطموح الى اكمال التتويج العلمي والأكاديمي ورحلة يومية مع أوجاع الوطن وأهله,تسللت الى بريد الوسط رسالة أو بيان تضامني من مجموعة من البرلمانيين الجزائريين لم يحصل أن صدر مثيل لها منذ سنوات الاستقلال الأولى كما حن لصديقنا وأستاذنا الفاضل والمناضل وجسر الأجيال الدكتور أحمد القديدي أن يصفها.
 
جاء بيان الاخوة الأعزاء من البرلمانيين الجزائريين الى صحيفة الوسط التونسية حاملا معه الوحدة المغاربية الحقيقية بين شعوب وبلدان المغرب العربي,حيث بادر عضو مجلس الشورى المغاربي وعضو المجلس الوطني الجزائري الأستاذ عدة فلاحي الى اصدار بيان مفتوح ممضى أوليا من قبل تسعة برلمانيين جزائريين أعلنوا فيه تضامنهم المبدئي مع الحركة النضالية السياسية التونسية على مستوى ثلاث ملفات رئيسية ألا وهي :
 
1- ماتتعرض له المرأة التونسية من حملة شعواء ضد حقها في ارتداء الحجاب انطلاقا من شهر رمضان الفارط ,هذا مع ادانة واضحة في البيان للمنشور العار 108.
 
2-ملف المساجين السياسيين ومعتقلي الرأي وموقف تضامني بارز ولافت وغير مسبوق مع معاناتهم ومعاناة عوائلهم ومن ثمة اعتراف بثقل ملف سياسي طالما أنكرته السلطة في تونس.
 
3-الوضعية التي بات يعاني منها المناضل الحقوقي والسياسي ورئيس المؤتمر من أجل الجمهورية الدكتور المرزوقي مع ادانة واضحة للممارسات التسلطية التي يمارسها النظام في حق الأعراض والحرمات.
 
لقد كانت رسالة الأشقاء الأعزاء والمناضلين الشرفاء من برلمانيي الجزائر ومجلس الشورى المغاربي حدثا وطنيا ومغاربيا بكل المقاييس لابد له أن يأخذ فضاء بارزا من كتاباتنا وتغطياتنا الاعلامية على غرار ماحدث مع قضية المحجبات وقضية قطع العلاقات بين تونس وقطر على خلفية برامج الجزيرة التي غطت في كثافة وحيوية مايحصل من تطورات لافتة في تونس.
 
مثل هذا الحدث الكبير لاينبغي أن يمر في صمت اعلامي وهو أقل مايمكن أن نقابل به الوقفة المغاربية والعربية والاسلامية المشرفة لاخواننا الأبطال في الجزائر تجاه مايحدث من مظالم في بلدنا تونس.
 
فالى أولئك الذين أمضوا هذا البيان التاريخي من أعضاء المجلس الوطني الشعبي الجزائري ألف ألف تحية الى احفاد عبد الحميد بن باديس وعميروش ومصالي بلحاج وصولا الى كل قادة الجزائر وبناة دولتها الحديثة المستقلة التي استلهمت مشروعها من روح بيان نوفمبر التاريخي ذاك البيان الذي رسم معالم جزائر حرة ومناضلة وعربية ومسلمة وذات سيادة وعدم انحياز الا الى القضايا العادلة في المنطقة والعالم...
 
الى هؤلاء الاخوة الأحبة في جزائر المليون ونصف شهيد والى كل برلمانييها المناضلين والى كل أعضاء حكومتها الذين خطوا طريق السلم والوئام المدني والمصالحة الوطنية والعفو العام لابد أن نرفع رؤوسنا اجلالا واكبارا نحن معشر التونسيين في منافينا القسرية أو داخل وطننا الذي لم يعرف طريقه بعد الى المصالحة والوئام,لابد أن نرفع رؤوسنا حبا ووفاء وتقديرا واجلالا الى رجالات مثل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعبد العزيز بلخادم وغيرهم من قادة وطنيين لم تغرهم قوة الدولة ونفوذها وهيبتها وجلالها باستعمال اساليب الاقصاء والتهديد والوعيد في حق المعارضين مهما اختلفوا مع القائمين على الحكم في اجتهاداتهم السياسية او الفكرية.
 
الى أولئك أهدي مقالي هذا وقد تجدد ايماني مرة أخرى بفضائل البناء والوحدة المغاربيين ,والى أولئك الفرسان التسعة وعلى رأسهم الأخ البرلماني عدة فالح أقف وقفة تحية واكبار للمجلس الوطني الجزائري والى قادة الجزائر العظام.
 
وعودة الى تونس وبعيدا عن هموم السياسة ,لابد أن تكون التحية الى رجالات تونس في كرة اليد وكرة القدم حيث رفع ابطال الفريق القومي التونسي لكرة اليد علم تونس عاليا في سماء السويد حين احتلوا الترتيب الثاني عالميا بعد المنتخب الكرواتي في تصفيات كأس العالم لهذه اللعبة ,وهو مايجعلني كمعارض وطني أشعر بالفخر أمام أيادي تونس التي تألقت في ملاعب "مالمو" أمام أعتى الفرق وأقواها عالميا...
 
ان فوارق السياسة بين أطروحات الحزب الحاكم أو ممارسات البعض فيه أو تنفذ البعض الاخر في أجهزة السلطة عبر ممارسات خاطئة لاينبغي أن يذهب ببصيرتنا في توجيه التحية الى أولئك الأبطال التونسيين الذين رفعوا الراية الوطنية في فترة سياسية عصيبة من تاريخ بلدنا الحبيب,وهو مايعني أن شباب تونس وأفراحهم وابداعاتهم لايمكن أن تجهضها مراحل "القحط" السياسي وأن جدارة التونسيين في وطن حر يقوده شباب تونس الصاعد والمبدع أمر حتمي لامفر منه حتى وان تاخر السياسي عن المنجز الرياضي أو الصحي أو التعليمي أو غيره من المنجزات التونسية المشرفة...
 
ومما هو مشرف أيضا وهو مفخرة بلا شك لكل شباب تونس وأبنائها هو التعادل الذي كان بحجم الانتصار على ملعب القاهرة الذي احتضن يوم أمس الأحد 29 اكتوبر 2006,تسعين ألف متفرج من أنصار النادي الأهلي المصري ,في مباريات جمعت هذا الأخير بالنادي الرياضي الصفاقسي الذي أثبت أنه من الأندية العملاقة وطنيا وعربيا وافريقيا...
 
المستوى المشرف والمثابر الذي بدى عليه زملاء أنيس بوجلبان وعبد الكريم النفطي في تصفيات كأس رابطة أبطال افريقيا ,كان حريا باهتزاز أفئدتنا في المهاجر بعيدا عن هموم السياسة ونكدها هذه الأسابيع في أرض الوطن ,حيث استطاع هؤلاء اللاعبون الكبار هز شباك الفرح والغبطة في منازل ومقاهي وأندية وساحات تونس العمومية وحتى ساحاتها المهجرية ...
 
فالى أولئك الشباب ألف تحية من كاتب هذا المقال الذي حن مع انتصارات شباب تونس الى معانقة أجواء الملاعب الوطنية بعيدا عن هموم النكسة السياسية والاعلامية والحقوقية التي تعرفها تونس منذ فترة ليست بالقصيرة وهي لعمري من متناقضات بلد يزخر بالطاقات والمبدعين في مجالات العلم والتقنية والرياضة والفكر والسياسة والاقتصاد وكل فروع المعرفة ومكامن الانجاز الابداعي لأحفاد عليسة وعقبة بن نافع وابن خلدون والسيدة منوبية والطاهر بن عاشور والشيخ الثعالبي والخضر حسين وعلي بن غذاهم وفرحات حشاد ومحمد علي ...وغيرهم من المبدعين .
 
كانت هذه الجزائر المناضلة التي تعالت عن سنوات الجراح لتعود الى عمقها المغاربي والعربي والاسلامي في بيان الفرسان والبرلمانيين التسعة,وكانت تلك تونس المتـألقة على الدوام برغم محن السياسة والاعتقال التعسفي الجائر والاخصاء السياسي والاعلامي الظالم ,فالى طرفي هذا البناء المغاربي الأغر نهدي هذه الكلمات ليسجلها التاريخ بعيدا عن منطق التصنيف السياسي والاعلامي الحزبي الذي ينغمس أحيانا في قراءة النوايا والخلفيات ويغرق في تفصيلات من يقف وراء ماذا؟!...
الى أولئك الأصفياء الأنقياء في كل من تونس والجزائر وكل بلاد العرب والمسلمين وكل بلاد العالم نهدي هذه الكلمات بريشة من ذهب مجددين النداء للجميع تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا يعلو الا صوت الحق والعدل والابداع بعيدا عما هدمه جور السياسة وتقسيمات خارطة "سايكس بيكو" وميراث الاستعمار وحزازيات منطق التصنيف القطري أو الحزبي أو الايديولوجي...
 

نشر المقال أيضا بصحيفة الوسط التونسية بتاريخ 30 أكتوبر 2006 http://www.tunisalwasat.info
 

أرشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com