القذافي البليونير
اللص .... وثورة الفقراء
بقلم: محمد
خليل
" هدد القذافي في شهر سبتمبر 1997 بانه سوف يقود ثورة للفقراء
من ليبــيا، ثم عاد القذافي الى هذا الموضوع مجدداً في خطابه الذي القاء يوم
الثلاثاء الموافق 14 من نوفمبر 2006م
"
الحلقة الثانية
القذافي، إذاً، وفقا لما أوردناه
في الحلقة السابقة لا يملك أي صفة تجعله مؤهلاً بأن يتكلم بإسم "فقـراء
ليبيـا" الذين اعترف بأن عددهم يصل الى المليون مواطن، كما أنه ليس مؤهلاً
بأن يقود ثورة بإسم هؤلاء الفقـراء او نيابـة عنهم ..
السؤال الذي يعنينا في هذه الحلقة
وما يليها ونحاول الاجابة عنه هو مالذي يفسر أن يوجد فقـر في ليبيا "
الجماهيرية العظمى" والتى ينفـرد شعبها بأنه " الشعب الوحيد السيد في العالم
" و" الذي بيده السلطة والثروة والسلاح " كل هذا العدد الهائل من الفقـراء
على الرغم من تعاظم عائدات البلاد النفطيـة دون توقف ؟
وأشدد هنا اننا سنحاول البحث عن
تفسير لهذه " الظاهرة المعجزة " وليس عن تبرير لها ذلك اننا على يقين بأنه لا
يوجد من كل ما كتب عن السياسة والحكم والاقتصـاد والإدارة والاخلاق والطغيان
ما يبرر مثل هذه الظاهرة الجريمة .
وقبل ان ننطلق في محاولة تفسير هذه الظاهرة نرى
ضرورة الإشارة الى :
-
ان عدد من التقارير الصادرة عن
المؤسسات الدولية قد اشار الى هذه الظاهرة بشكل مباشر او غير مباشر على
امتداد السنوات الماضية.
-
وأن عدد " الفقـراء " في
الجماهيرية السعيدة هو اضعاف هذا الرقم الذي اعترف القذافي بوجوده ، بل يمكن
القول بأنه ينسحب على الغالبية الساحقة من الليبيـن وبخاصة اذا قسنا " الفقـر"
بمعني الحرمان من الحد الادني الضروري من الغذاء والعلاج والتعليم والسكن
والمياه والكهرباء ووسائل الموصلات والاتصال والرعاية الاجتماعية فضلا عن
الأمن والأمـان .
-
إن التفسير الذي يقدمه القذافي
لهذه الظاهرة هو قاصر ومغلوط وكاذب ومضلل عن عمد .. وهو ما يدعونا الى تسليط
الضوء على ما نتصور ان يقدم التفسير لهذه الظاهرة المأساوية.
ولنبداء من البدايـة..
فتعداد سكان ليبيا في عام 1969
عندما وقع انقـلاب سبتمبر المشؤم لم يكن تجاوز مليوني نسمة.
كما ان ليبيـا كانت قد تحولت منذ عام 1963 (تاريخ الشروع في انتاج
وتصدير النفط) الى بلد نفطي يحصل من عائداته النفطية على ما يكفيه لتمويل
ميزانياته الادارية والإنمائية وتكوين احتياطي متنام من الذهب والعملات
الصعبة. ومنذ الاسابيع الاولي لوقوع ذلك الانقلاب
البائس المشؤم وقف معمر القذافي، الذي تحول فجأة من ملازم اول الى عقيد ورئيس
مجلس قيادة ثورة وقائد عام للقوات المسلحة الليبيـة ليقول في بنغازي يوم
16/09/1969 مستنكرا :
"لقد ارادوا لهذا الشعب ان يكون
شحاذاً متسولاً .. وأن يكون فقيـرا وثروته تحت أقدامه"
ومع هذا الاستنكار استنكار اخر
اطلقـه بطبرق يوم 5/11/1969:
"كيف يكون المواطن الليبي فقيراً
متسولاً .. وهو يملك ثروات طائلة من البترول" .
ومع هذه الاستنكارات اطلق الملازم
القذافي وعوداً تتلوها الوعود، يعنينا منها في هذا المقام:
"لقـد قررنا ان نقضي على ظاهرة
التسول في ليبـيا .. ولا يمكن ان يكون في ليبيـا الثورة، ليبيـا الجمهورية
شخص يتسول او يمد يده"
"هناك خط يسمونه خط الفقـر .. اناس
واقعة تحته واناس فوقـه .. كان لدي أمل في القدرة على ان نرفع مستوى هؤلاء
الناس الذين تحت خط الفقر أن نرفعهم فوق خط الفقـر.."
لا أشك في ان احداً من الليبين لم
يرحب بتلك الوعود .. كما لا أشك ان تلك الوعود كانت من الاسباب التى جعلت
شعبنا الطيب يرحب بزمرة الانقلابيين حيث اعتبر تلك الوعود الكثيرة البراقة
التى اطلقوها أهم بنود "العقد الاجتماعي" الذي قام بينه وبين حكامه الجدد.
ثم بدأ شعبنا بكل تفاؤل في انتظار
وفاء القذافي وزمرته بوعودهم. وفي الواقع فإن
التفاؤل بمستقبل زاهر وواعد للشعب الليبي لم يقتصر على الليبين بل شمل كافة
المراقبين الدولين بالمعنيين بليبيا. على سبيل المثال فقد اورد محمد حسنين
هيكل بمقالة نشرها بمجلة "الشراع" اللبنانية:
"ان اليكسي كوسيجين رئيس الوزراء
السوفياتي في زمن مضي2 سألني مرة: ماذا يفعل
القذافي ببتروله ؟. ثم امسك كوسيجين بورقة وقلم وراح يحسب حجم الانفاق الليبي
ثم يحسب دخلها من البترول ويوزعه على عدد سكانها ، وكان اعتقاده انه في عشرين
سنة فإن كل موطن (ليبي) لا بد وان يكون مليونيراًُ"
وبعيدا عن هذه التوقعات والتكهنات
المفرقة في التفاؤل " لنسأل انفسنا ماذا جرى على ارض الواقع في ليبيا منذ
استيلاء القذافي وعصابته على الاوضاع فيها (أرجو الايغيب عن القارئ اننا
معنيون في هذا المقال بأوضاع ليبيا المالية دون غيرها).
تفيد الوقائع تواصل انتاج النفط
وتدفق عائداته، وتعاظم اسعار بيعه دون انقطاع. ووفقا لأكثر التقديرات تحفظا
فقد بلغ اجمالي عائدات ليبيا النفطية حتى عام 2005 مالا يقل عن (420) مليار
دولار. كما تفيد الوقائع بأن الزيادة السنوية
لسكان ليبيا بقيت في معدلاتها الطبيعيـة ، فبلغ اجمالي عدد السكن في عام 1974
نحو (2,5) مليون نسمة، وفي عام 1991 نحو (5,1) مليون نسمة وفي عام 2000 نحو
(6,5) مليون نسمة.
ومن جهة ثالثة فلم تسجل السنوات
منذ عام 1969 وقوع اي كوارث او نوازل طبيعية بالبلاد (عدا نازلة وكارثة
انقلاب سبتمبر التى هي ليست طبيعية وإنما من فعل " الانسان" سواء أكان هذا
الانسان ليبيـا او غير ليبي).
إذن ووفقا لهذه المعطيات والحقائق،
فمن المفترض ومن المتوقع ايضا، ان يكون الشعب الليبي قد تمكن خلال عدد قليل
من السنوات من حل جميع مشاكله وفي مقدمتها مشاكله المعيشية والحياتية
والاقتصادية، وحقق تقدماً هائلا من الانجازات التي تحققت على امتداد سنوات
دولة الاستقلال الاولي الثمانية عشر، وتوفر اعداد متنامية من الخريجيين
والخبراء الليبين الذين كانوا قد تلقوا تعليمهم وتدريبهم في شتى جامعات
ومعاهد العالم.
فهـل حدث هذا ؟ وهل تحققت هذه التوقعـات
المشروعة ؟
وبإختصار شديد ... فالذي حدث هو
النقيض لهذه التوقعات .. فلعدة سنوات متواصلة ظل فيها القذافي هو صاحب الكلمة
الاولي والوحيدة في تصريف شئون البلاد الداخلية والخارجية سواء بإسم مجلس
قيادة الثورة حتى 1977 او بإسم النظام الجماهيري منذ ذلك العام، وبعد سنوات
متواصلة من الادعاءات الكاذبة بتحقيق الانجازات العملاقة، والتحولات
التاريخية، اذا بالقذافي – وتحت ضغوط – الامر الواقع يظهر بوجهه الصفيق على
شاشة تليفزيونه معترفا بوجو مليون ليبي يعيشون تحت خط الفقر في جماهيريته
العظمى السعيدة ومتوعدا بإفتراش حصير في احد الميادين كي يقود ثورة الفقراء
في ليبيا على سارقي ثروتهم وموحيا بأنه وأبناءه ليسو ضمن اولئك اللصوص..
وقبل ان نختم هذه الحلقة نرى
التذكير القراء بما ورد على لسان القذافي في عدد من المناسابت بشأن الامكانات
التى تملكها ليبيـا.
المناسبة الاولي
كانت في عام 1976 عندما اكد أمام مؤتمر الشعب العام بأن ليبيـا سوف تتمكن من
حل جميع مشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال عشر سنوات على الاكثر
..
اما المناسبة الثانية
فقد كانت خلال خطاب القاه في 7/10/1989 عندما قال وبالحرف الواحد: "أنتم (الشعب
الليبي) لستم فقراء، عندكم بترول وامكانات مناسبة جداً لأن تصبحوا شعباً لا
مثيل له في العالم من ناحية التقدم والرخاء والاخلاق .."
اما المناسبة الثالثة
فقد كانت خلال الخطاب الذي القاه أمام مؤتمر الشعب العام يوم 2 مارس 1990
المصادف للعيد الثالث عشر لقيام الجماهيرية السعيدة لقد قال وبالحرف الواحد:
" إن ليبيـا تقع على بحيرة من الماء والغاز والنفط تكفي لملايين العرب.. لقد
كنا في الماضي نخشي على اربعة مليون ان يعيشون (؟) فيها والان ندعو الىمجئ
ملايين العرب وأن يأتوا بسرعة .."
وللحديث بقية
محمد خليل
راجع الحلقة الأولى المنشورة بموقع الجبهة
الوطنية لإنقاد ليبيا |