10/11/2006


     


 
لا لثقافة الاعدامات... والتسامح مفتاح المستقبل
 
بقلم: فضيل الأمين - واشنطن
 
من المفرح أن يري الليبي تزايد عدد الاصوات الليبية المطالبة بإصلاح الشأن الليبي في ظل الاشارات المختلفة والمتناقضة أحيانا التي تصدر عن النظام الليبي. ولا يجب ان نفقد الأمل نتيجة هذه الاشارات المتناقضة أو المتصارعة لأنها تدل على حركة تدافع وتساجل بين الثو المختلفة في البلاد والتيارات العالمية التي تلقي بثقلها على صناع االقرار ومتخذية في نفس الوقت.
 
والإصلاح ككلمة أو مصطلح يتداوله الناس أمر سهل التلفظ به وكتابته إلا أن ممارسته والالتزام بأخلاقياته ومتطلباته أمر ليس بتلك السهولة. فالإصلاح عماية معقدة ومتشابكة لا تتعامل مع أسلوب حصرية ألوان الطيف في النقيضين الأبيض والأسود فقطز كما لا تتعامل مع تقافة الموت واخلاقيات الاقصاء والانتقام والبغض والكراهية.
 
ما دفعني لهذا الحديث هو ما يحدث اليوم في العراق، خصوصاً تلك التصريحات والمظاهرات التي خرجت عقب صدور حكم الاعدام على صدام حسين.
 
فعلى الرغم من رفضي واستنكاري لكل الممارسات التي قام بها الطاغية صدام حسين طيلة عهده الاسود وبالرغم من قناعتي بضرورة محاسبته وأزلامه على ما قاموا به تجاه الشعب العراقي إلا أنني اعتقد أن كل ذلك يجب أن يتم ضمن نظرة مستقبلية للعراق وليس ضمن بكاء على أحداث الماضي وعويل على ضحياه الابرياء.
 
المظاهرات التي خرجت تعبّر عن فرحتها بحكم الإعدام الذي صدر على الدكتاتور والتصريحات التي رافقتها على لسان رئيس الحكومة نوري المالكي والتي عبّر فيها عن فرحته بالحكم كل ذلك يدفعني إلى التحسّر على مستقبل العراق والتساؤل عن نوعية وأهلية قادة العراق الجدد.
 
كما يدفعني ذلم إلى استحضار تجربة جنوب أفريقيا بقيادة القائد الحقيقي نيلسون مانديلا عندما نقلت وسائل الإعلام خبر حضور هذا العملاق الأسمر جنازة غريمه السابق بي دبليو بوثا الذي قاد وطبّق سياسة الفضل العنصري Apartheid وتحدّث عن بعض محاسنه. ولم يفعل مانديلا ذلك من باب (اذكروا محاسن موتاكم) فقط بل كان ذلك نابع من ثقافة واخلاقيات الاصلاح التي يتحلى بها مانديلا والتي تدعو إلى التغافر والتغاضي والتطّلع إلى المستقبل. وجاء تصرّف مانديلا على الرغم من خلفية بوثا العنصرية والدموية في نفس الوقت. ومع ذلك كان ذلك جزء من عملية التسامح والتجاوز التي جرت بعد الاطاحة بذلك اللنظام العنصري حيث اصبح هم شعب جنوب أفريقيا هو التطلّع إلى المستقبل وتجاوز الماضي وجراحاته.
 
وكل من يريد ان يتعرّف على نتائج العيش في الماضي وأحزان الماضي والآم الماضي وجراح الماضي وإرث الماضي وحروب الماضي وطائفية الماضي ما عليه إلا الاستدارة والتطلّع إلى عراق العرب اليوم. في دولة يغرق قادتها حتى اذقانهم في الماضي يعيشون في زوايا المظلمة وبشربون حتى الثمالة من كأسه الآسنة. فمن التناحر الطائفي إلى التناحر العرقي إلى التناحر السياسي وكل ذلك يؤدي إلى نحر الشعب ومستقبل الشعب. وهنا فشل القادة العراقيون في امتحان القيادة. فالقائد، بناءا على معنى الكلمة، يقود إلى الأمام ولا يجر إلى الخلف وينقلب إلى الوراء. والقائد مهمته التطلع إلى المستقبل وبناء المستقبل وليس تصفية الحسابات.
 
هل يمكن أن يلتأم شمل امة بالانتقام والشنق والاعدام. العدالة النهائية تكون أمام العادل يوم القيامة. ودور القائد هو تأليف القلوب ومسح الدموع والتبشير بالمستقبل الباهر. كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو يكسر الحجارة عشية حصار المدينة من قبل الاحزاب يبشّر أصحابه بالمستقبل الذي ينتظرهم بفتح كسرى والشام وليس بقتل زعماء قريش والقبائل المتحالفة معها. كان ينظر إلى المستقبل الرحب ولم يكن هدفه الاول ولا الاسمى القضاء على خصومه ونصب المشانق وبناء الزنازين.
 
إنه ليزعجني أن يتشدّق المسلمون بقربهم من نبيهم في الوقت الذي نجد فيه نيلسون مانديلا أكثر تمثّلاً بتعاليمه من أي مسلم طويل اللحية قصير الثياب من أي طائفة كان، تحركه نعرة الانتقام ويحدوه العيش في الماضي المظلم بكل كوابيسه، متجاهلا سعة المستقبل وفرصه وتحدياته.
 
أرجو ونحن كليبيون يسيرون نحو الاصلاح أن نعي درس العراق ونتعلّم من خلق مانديلا وقيم شعب جنوب أفريقيا، ونترفّع عن العيش في زويا الماضي وأحقاد الساعة وانتقام اللحظة. فالحقد والبغض والانتقام عواطف تهدم ولا تبني وتفرّق ولا توحّد وتجرّ إلى الوراء ولا تدفع إلى المستقبل. وهل هناك عبارة أفضل من قول محمد صلى الله عليه وسلم: "بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا". وقوله لخصومه وجلاديه عندما انتصر عليهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
 
إن شتق صدام لن يحل مشكلة العراق ولا العراقيون. ويجب على دعاة الاصلاح في ليبيا أن يبشروا بالمستقبل وفرصه وليس بتصفية حسابات الماضي والانتقام لجرائمه. فتلك أولى خطوات الاصلاح.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com