10/11/2006

      


 
لم يترك لنا مجال للسكوت

 

بقلم: د. محمد نصر

 
إن الأنظمة العربية كافة تجاوزت اليوم كل الحدود وتعدت على كل الحقوق , ولم تترك لأحد مجالا للسكوت عنها أو إعذارها .. فهي قد وصلت بالأمة الى درجة من الانتكاس والاذلال لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلا. ولقد باءت كل محاولات الاصلاح والارشاد والتغيير باالفشل حتى هذا اليوم. بل إن هذه الأنظمة تزداد عنادا واصرارا على الاستمرار في نهجها الظالم المخزي, رغم ما ترى من تململ الشعوب وحرقتها, وعلى الرغم مما ترى من تحولات في العالم حولها نحو الحرية, فقد انكسرت شوكة الشيوعية المستبدة واتجهت كثير من شعوب امريكا الجنوبية واسيا واروبا الشرقية نحو الديمقراطية والانعتاق من حكم الفرد.
 
وزيادة في الإمعان والاذلال, بدأت مايسمى بالأنظمة الثورية والجمهورية والجماهيرية نحو الاتجاه الى الأنظمة الملكية الوراثية غير مكترثة بغضب الجماهير واعتراضها. هذه الأنظمة التي قامت على محاربة الملكية والانقلاب عليها واعدة الجماهير بعصر الحريات والعدالة والمساواة .
 
فكيف يوجد عذرا للسكوت عنها وغض الطرف عن أفعالها واستبدادها وظلمها ؟ وهي قد رمت بشريعة السماء خلف ظهرها, وشرعت من دون الله ورسوله, فحرمت الحلال, وأحلت الحرام, ونكلت بالعلماء والدعاة الى الله, ووضعت يدها في يد اعداء الله من أجل متابعتهم وملاحقتهم والسج بهم في السجون والمعتقلات وتعليقهم على أعواد المشانق, وتسليم بعظهم الى الغرب كهدية يرتجى من وراءها كسب المودة. لقد يسرت سبل الرذيلة والفاحشة, وسهلت على المحتاجين والطامعين التعامل بالربا, فكانت مصدرا وعونا لكل حرام وأداة قمع لكل ساع للاصلاح .
 
وكيف يسكت عنها وهي قد صادرت الحريات وكممت الأفواه وعبثت بالسلطة وسخرتها لخدمة مصالحها ومصالح أعوانها وأسيادها .. فلا صحافة إلا صحافة الدولة, ولا اعلام إلا اعلام الدولة, ولا حزب الا حزب الدولة, ولا مرشح الا مرشح الدولة, هذا إن وجدت احزاب وبرلمانات وانتخابات ولو كانت صورية. من قال كلمة الحق فهو فاسق, ومن ارشد الى موضع الخلل فهو متحامل على سلطة الشعب, ومن وقف معارضا فهو خائن عميل .
 
كيف يوجد لها الأعذار؟, وهي قد عبثت بثروة الشعوب, واستنزفت مصادرها, وبعثرت أموالها يمنة ويسرة, تغدق على نفسها وعلى حاشيتها بملايين الدولارات, تبني القصور الفارهة, وتركب السيارات الراقية, وتلبس الثياب الناعمة, وتكسي نساءها الحلي والجواهر الثمينة, وتنفق على اسيادها لتكسب ودهم وتأمن شر غضبهم .. وشعوبهم تعيش الحاجة والحرمان, نسبة العطالين أكثر من العاملين, شبابها يتخرج من الجامعات والمعاهد العليا فلا يجد له وظيفة, الفقراء وهم غالبية الشعب لا معين لهم, المرضى لا يجدون لهم العلاج ومرضاهم في ارقى مشتشفيات الغرب.
اسعار النفط في كل يوم تزداد, والشعوب في كل يوم تزداد فقرا وحرمانا .
 
كيف يسكت عنها, ونحن نرى المهانة في كل يوم في فلسطين الجريحة وفي العراق الأبية .. الحرمات تنتهك أمام أعيننا, والنساء والأطفال والشيوخ يقتلون دونما ذنب اقترفوه .. الأيتام في الشوارع لا مأوى لهم, والثكالى لا مغيث لهم .. بيوت تهدم على رؤوس أصحابها وهم نيام, مزارع واشجار تحرق بنيران المغتصبين الحاقدين .. الرجال في السجون ديست كرامتهم ومرغ في التراب شرفهم وعرضهم .. وهذه الأنظمة في سبات عميق, لا تحرك ساكن, ولا تنكر منكر, بل تقف أمام شعوبهم للقيام بواجب النصرة الذي يحتمه عليها دينها ويأمرها به إسلامها .
 
اذا كانت المجاز في افغانستان لم تحركها , واذا كانت الابادة في العراق لم تحركها, واذا كان القتل والتدمير في لبنان لم يحركها, واذا كانت الدماء التي تسيل فيكل يوم في غزة لم توقضها, فمتى ستصحى ؟ ومتى سيرتجى خيرها ؟ لقد ماتت فيهم النخوة والرجولة, واصبحوا عبيدا لشهواتهم ولاسيادهم لا يرتجى بعد الذي حصل لنا من نكبات وويلات تحررهم .
 
فلم يعد هناك بعد اليوم من عذر للسكوت عنهم أو مهادنتهم, ولم يعد هناك ثمن يمكن أن ندفعه أغلى من الثمن الذي ندفعه اليوم , ولم يعد هناك من مجال للدفاع عنهم أو تبرير أفعالهم بعدما وصلنا ووصلت الأمة الى هذه الدرجة من الخزي والعار والذل والاذلال .
 
د. محمد نصر
mnasr1974@yahoo.com
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com