موسم
صيد الغزلان *
"نداء
عاجل إلى الصحافيين والكتاب الليبيين في الداخل والخارج"
توقعت في البداية أن مقتل الصحافي والكاتب ضيف غزال بالرغم من بشاعته
الشديدة لم يتم بأمر من رأس النظام أو من قياداته الأمنية العليا, وبنيت
هذه الاستنتاجات على أن الشهيد كان قد ألقي عليه القبض في بيته, وأن النظام
ليس في حاجة إلى مشكلة حساسة ,وجريمة جديدة وهو يمر بعنق الزجاجة من أجل
تعويمه دوليا ,وأنه كان بإمكانه أن يصفي الغزال بحادث سير عادي كما فعل
بغيره من المحسوبين على النظام منذ عدة سنوات ,وكان سيكون لمثل هذه التصفية
وبهذه الطريقة وقع أشد ثقلا على صحافيي وكتاب الداخل , لأنه سيتم بشكل
مجاني ,ودون عواقب تظل تطارد النظام وتقض مضجعه. إلا أن ما كشف عنه النقاب
لاحقا جعلني من خلال الشواهد والقرائن أرجح أن النظام برمته متورط في هذه
الجريمة البشعة, وليس مجرد حفنة فالتة من المرعوبين الذين رأوا في الغزال
خطرا مباشرا على مصالحهم وامتيازاتهم.
ألقي القبض على الغزال في الشارع العام من قبل أشخاص ادعوا أنهم ينتمون إلى
أحد الأجهزة الأمنية في ساعة متأخرة من الليل, وهذا يعني أنه كان تحت
المراقبة ,كما أن الغزال ومن خلال كتاباته كان يتوقع ذلك.
التعذيب الشديد الذي تعرض له الشهيد,والتمثيل بجثته,وكذلك بتر أصابع يده
اليمنى التي كتبت مقالاته, وعدم إخفاء الجثة وإنما تركت على الشاطئ ليسهل
العثور عليها,وكل هذه الوقائع تثبت أن النظام من خلال هذه الجريمة كان يوجه
رسالة مضرجة بالدم على طريقة عصابات المافيا لكل من يعنيه الأمر.
الارتباك الذي خيم على أجهزة الدولة في الأيام الأولى التي أعقبت الكشف عن
الجثة,ويبدو أن هذا الارتباك كان سببه وجود رأس النظام خارج
البلاد,وبالتالي عدم وجود من يفتي في هذه المسألة,وبعد عودة رأس النظام
تلاحقت البيانات من وزارة العدل وانتهاء بنقابة الصحافيين.وقراءة أولية
لهذه البيانات تتعمق القرائن على تورط النظام بكامله في هذه الجريمة.وزير
العدل أقحم دون مبرر أن ضيف غزال من أصول مصرية,وهذه الجملة على غرابتها من
حيث أن الشعب الليبي يعرف أن قبيلة الشهيبات قبيلة ليبية كابر عن كابر,ولكن
ظهورها المفاجئ في بيان من يسهر من أجل العدل في البلاد تثبت أنها ليست من
بنات أفكاره,وإنما أمر بترديدها مثل أي ببغاء,وأنها جاءت من ألقذافي
شخصيا,الذي يريد من خلالها تعميق الرسالة الجريمة على المستوى النفسي,فقد
كان صرح بعيد اختطاف السيد منصور الكيخيا بأنه تركي ,وهكذا ستعمل جملة أمين
العدل على تداعي الجريمتين في الوجدان الليبي ,وتصل الرسالة بدون أقرار
مرتكب الجريمتين بمسؤوليته عنهما.هل مثلا كان وزير العدل قادرا أن يقول أن
أحمد إبراهيم منصور من أصول تشادية وأن خيري خالد خال الابن البكر للقذافي
من أصول تركية؟,وهل يجرؤ علي فهمي خشيم أن يقول أن اسم هانيبال ليس اسما
عربيا؟.
ولكن لماذا يلجأ النظام إلى هذه الطريقة وهو يمر من عنق الزجاجة؟
من الواضح من خلال اعتقال المناضلين الجهمي والمنصوري,أن الاعتقال أصبح
عبئا على النظام ,ففي كل شهر تصدر نداءات من جميع أنحاء العالم تدعو إلى
إطلاق سراحهما ,بالإضافة إلى ضغوط منظمات مدنية دولية وحكومية,وإذا كان
الجهمي شخصا مغمورا,وكان عبد الرزاق المنصوري لا يعرف بالكاد خارج طبرق,فقد
أصبحا بعد اعتقالهما رمزين للنضال من اجل التغيير وحرية التعبير في
البلاد.كما أن جريمة اغتيال شخصية إقليمية ودولية بحجم رفيق الحريري مرت
دون عواقب تذكر,ولم يصدر عن المجتمع الدولي إلا التنديد والإدانة فان
اغتيال ضيف غزال سيكون أقل شانا من الأول .
بالإضافة إلى ذلك انتمى الشهيد إلى اللجان الثورية,وعمل في صحيفة الزحف
الأخضر أربعة أعوام , وبالتالي فهو اقترب بشكل خطر من مستنقع الفساد,وشاهد
وسمع أكثر مما يجب .إن يقظة الضمير قد تشجع غيره من الذين انتموا إلى
اللجان الثورية وهكذا ينهار النظام من داخله,لذلك كان لابد لنظام يصارع من
أجل البقاء أن يرسل بمثل هذه الرسالة الدامية إلى أكثر من عنوان.
أما بيان نقابة الصحافيين الليبيين فقد لقن تلقينا ,هل من المعقول أن يركز
البيان على ردود الصحافة العربية والدولية وهو صادر من نفس "ألكار"وأبناء
المهنة الواحدة,أكثر من التنديد بجريمة بشعة ارتكبت في حق أحد أعضاء
الرابطة ,وأكثر من مطالبة النظام بالكشف عن أبعاد الجريمة,وإنما لجأ البيان
إلى طمأنتننا بأن التحقيقات جادة,وأن نقابتنا عضو في اتحاد الصحافيين العرب
الذي يلخص بامتياز أزمة الأنظمة العربية أكثر من كونه بديلا لها.
إن مقتل ضيف غزال يجبرنا أن نقف الموقف الصحيح مع ضمائرنا أولا ككتاب
وصحافيين ,وتجاه شعبنا ووطننا ,لنقول إن نقابة الصحافيين الليبيين ولدت منذ
البداية طفلا خديجا ,لازال لا يستطيع التنفس خارج الحاضنة الزجاجية,
وبالرغم من حسن النوايا التي عادة ما تقود إلى الجحيم آن الأوان أن يخرج
الصحافيون الليبيون من هذه النقابة الصورية,التي لا تمتلك مقرا حتى
الآن,وهي مجرد ختم وأوراق رسمية في حقيبة الأمين العام .
في مطلع عام 1991 اجتمع عدد من الصحافيين والكتاب وقرروا إصدار صحيفة عن
النقابة أسوة ببقية النقابات,وكان ذلك بعد إنشاء هذه النقابة,وتساءلوا
لماذا يصدر المهنيون والحرفيون وحتى الشرطة صحفا ,ولا يصدر الصحافيون
صحيفة,وفقا لهذا التساؤل المنطقي والمشروع صدر العدد الأول والأخير من
صحيفة الصحافة,التي أمر ألقذافي شخصيا بؤادها,ومنذ ذلك الوقت علمنا الحدود
التي يجب أن يتوقف عندها الصحفي.
لا معنى للبقاء في مثل هذه النقابات الصورية إذا كان الأمين المساعد
للنقابة يترأس إدارة رقابة المطبوعات ,ويقرر بحكم صلاحيته ماذا يقرأ ويسمع
ويشاهد الليبيون.إن هذا المنصب بحكم اختصاصه يتعارض بشكل صارخ مع رسالة
النقابة والتي يأتي على رأسها الدفاع عن حق التعبير,وحقوق الصحافيين
المهنية والتي عادة ما تصطدم مع قوانين الرقابة.
كنت قد كتبت هذا المقال قبل "تصعيد"الأمانة العامة الذي جرى مؤخرا في
سرت,والذي استبعد من خلاله الصحافي جلال عثمان بحجة أنه غير ثوري,وتم
"تعيين"أمينا عاما جديدا ليس له من خبرة صحافية إلا رئاسة تحرير صحيفة
الكدوة,ولأدري كم ليبي سمع بهذه الكدوة,ولكن من الواضح أن النظام يريد
تفريغ النقابة الكسيحة من أي محتوى في مرحلة يدرك الجميع أن الإعلام
والصحافة ستكون ميدان المعركة,وأسلحتها الأكثر فاعلية,ولهذا لن يجدوا أفضل
من كدوة ليردموا بها الصحافة والصحافيين.
إن مقتل ضيف غزال يضعنا أمام ضمائرنا ومسؤولياتنا ,وبالتالي يجب أن لا تمر
هذه الجريمة بصمت مخجل,ويجب أن نعرقل وصول الرسالة الدامية, التي تستهدف من
خلال عنوانها زرع الرعب في نفوس الكتاب والصحافيين,وإجبارهم على الدخول في
سراديب الصمت,ومثلما خرج الكتاب الشرفاء من رابطة الأدباء والكتاب بمجرد
وصول شخصية انتهازية ووصولية إلى أمانتها العامة ,ومنذ أن أصبح ألقذافي
الرئيس الشرفي للرابطة,ومنذ أن شكل علي خشيم لجنة من الكتاب لمراقبة
المطبوعات الليبية,كنا نعلم أن الرابطة لم تعد بيتا للكتاب,وإنما ماخور
ترتكب فيه الجرائم باسم الكتاب,ولا يخجل أمينها العام من العمل مع جهاز
الأمن الداخلي كمستشار في الأسماء العربية والأمازيغية,هاهي الرابطة قد
انتهت بالكامل مع مجئ امبيرش إلى الثقافة,ونجاحه حتى الآن في إقفال مجلة
المشهد الثقافي,ومجلة الثقافة العربية,ومجلس تنمية الإبداع الثقافي,والدار
الجماهيرية للنشر,وكان قبلها بسنوات قد نجح في إقفال مجلة لا.
لهذا أوجه هذا النداء إلى جميع الكتاب والصحافيين الليبيين في الداخل
والخارج من أجل الوصول إلى عمل يساهم في الدفاع عن حرية التعبير,ويدعم
ويساند الشرفاء والشجعان من أهل القلم الجرئ ,وأخيرا من أجل بناء ليبيا
جديدة خالية من أمراضها المزمنة الراهنة,تستند على سيادة القانون ,وحرية
التعبير ,وحقوق الإنسان,والتداول السلمي على السلطة من خلال انتخابات عامة.
أدعو إلى تأسيس اتحاد الصحافيين الليبيين يكون منفتحا على الداخل,ويحق لكل
من له علاقة بالكتابة الصحافية في دوريات مطبوعة ,أو مواقع الكترونية أن
ينضم إلى هذا الاتحاد شريطة الموافقة على المبادئ العامة المذكورة أعلاه.
يتولى هذا الاتحاد دعم ومساندة وتمثيل أعضاءه في الخارج والداخل,والكشف عن
التجاوزات ضد حرية التعبير والكتابة,والسعي للانضمام إلى المنظمات الصحافية
الإقليمية والدولية الغير حكومية.
أن يتولى هذا الاتحاد إصدار مطبوعة الكترونية تعبر عنه وعن هذه الشريحة
المتنامية في الداخل والخارج.
هذا في رأي أفضل ما نستطيع القيام به من أجل شهيد الصحافة الليبية ضيف
غزال,ومن أجل صحافيي وكتاب الداخل الشرفاء الذين سيمرون بظروف صعبة,ونحن
جميعا نمر بمعركة كسر عظم مع النظام,وبالتأكيد فأن العمل أفضل من مجرد
التنديد فالتنديد وحده لا يكفي, وإذا نجح رفيق الحريري وهو ميت في طرد
القوات السورية من لبنان,فسينجح الغزال وهو ميت في ما لم ينجح فيه وهو على
قيد الحياة, وبالتأكيد سيعيش أطول من عمر قاتليه,مثلما عاش شيخ الشهداء
أطول من عمر شانقيه,وستكون قضية ضيف الغزال قضية كبيرة لا تقل أهمية عن
مقتل 1200 سجين سياسي في سجن بوسليم,وحقن الأطفال في مستشفى بنغازي بفيروس
الايدز, لأنها من الناحية الرمزية ليست قتل شخص واحد وإنما قتل حرية
التعبير,وحرية الاختيار الحر,وقد ارتكب النظام مرة أخرى أحد أخطاءه البشعة
التي ستعجل في نهايته خلافا لحساباته الساذجة التي قام بها قبل هذه
الجريمة, ومنذ أن راهن النظام على العودة إلى بيت الطاعة الدولي أصبحت كل
جريمة يقترفها خطوة واسعة نحو قبره.
عمر الكدي
*
سبق أن نشر هذا المقال في مجلة الحقيقة