|
تركية : يحكمها قبر ... ديمقراطيتها معسكرة ...هويتها ضائعة بقلم: مراد بالحاج
على العرب أن يشعروا بالخجل من التاريخ لأنهم كانوا يدفعون الأتاوة للكيخيا ويدفعون بظهورهم لسياط اليوزباشي ولمدة أربعمائة عام
ليست المرة الأولى التي أزور فيها إستنبول.. عاصمة ما يعرف اليوم بتركية, ولكن في كل زيـارة كنت أشعر وكأنها المرة الأولى وذلك لشدة التباين والتناقض والمتغيرات السريعة التي تطرأ على الشارع التركي. فقد كنت هناك نهاية شهر أغسطس الماضي لتتبع هواية مكلفة وهي سباق (الفورملا1) الذي أقيم في إستنبول ولمدة يومين على الحلبات التي أقيمت خصيصا لهذا الحدث الرياضي العالمي, والذي بدون شك يعتبر مكسب لحكومة أردوغان الحالية التي تسعى لتلميع الصورة والإسراع في الهرولة بإتجاه الغرب.
فلكي تعرف تركيا اليوم لابد أن تغامر وتقرر زيارتها...حيث يبدأ مسلسل التعرف والتعارف إبتداءا بسائق التاكسي الذي ينقلك إلى وسط إستنبول بطريقة لا يعرفها أحد إلا هو !! .. (مهما تكن عدد المرات التي زرت فيها البلاد) وهو بالطبع لاينوي من ذلك سوء راحتك وبالتالي إطالة الطريق أكثر مايمكن...لتنتهي الرحلة أمام الفندق ومن ثم يشير بيده للعداد (التاكسي ميتر) وعليك الدفع أو خيار المشاجرة ؟ ومن هنا تبدأ الصورة الحقيقية لتركيا اليوم...ويبدأ القناع في الإنقشاع وعليك أن تفهم أن المغامرة ليست سهلة وماعليك سوى الإستعداد.
ناهيك عن ما تشاهده في الشارع التركي من تركيبة بشرية غريبة , فعلى هذا الرصيف تجد من يلمع الأحذية وزبونه الجالس يضع في إصبعه خاتم ربما ساوى العشرة ألاف $ بينما لن يكلفه مسح الحذاء سوى بضع بنسات ليس لها القدرة على شراء أي شئ, المتسولون حدث ولا حرج, التبرج , المظهر الإسلامي المحتشم, الثراء الفاحش, الفقر المدقع, الباعة المتجولين وكأنك في العصور الوسطى, ولن يوقظك من تلك المتاهة سوى رجل ذو بنية قوية يجر عربة مليئة بالبضائع لا يجرؤ حتى الحصان على جرها...وما أن يدعسك الرجل بعربته في الإزدحام حتى تفيق وتنظر إليه في إنتظار الحصول على إعتذار شفهي يذهب عنك الغضب جراء الألم الذي أصابك... ولكن هيهات أنت في تركيا... إذا كنت لا تعلم !!
ولكي أعرف أكثر دخلت لمكتبة تبيع أنواع قديمة من الكتب, بلغات مختلفة, فألقيت السلام على الباعة وكانا رجلا كهلا وشابا يقوم على المحل... ودار حديث عن بعض الكتب الأمر الذي أدى لتجاذب أحاديث أخرى ... فقال لي الرجل الكهل :
وهل تظن إن من تراهم في الشارع الأن هم من الأتراك ؟ فأجبته: هذا ظني
فأبتسم وهز رأسه وهي إشارة مفهومة وقال: إن الأتراك الحقيقيين لا يعيشون هنا... وإنما هم في أمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا... ومن هؤلاء الناس إذا ؟
هؤلاء هم خليط من شعوب أروبا الوسطى والشرقية وشرق أسيا... فقد إمتزجت هذه الشعوب وأفرزت هذه الفسيفساء المتخلفة التي نشاهده الأن.
والغريب هنا... كيف إستكان العرب الذين قال فيهم القران الكريم (كنتم خير أمة أخرجت للناس) إلى باقي الأية الكريمة و بحضارة بلاد الرافدين واليمن القديم ومصر الكنانة .... وما إلى ذلك, كيف إستكانوا لهذا الإستعمار الغجري العثماني الذي لم يترك المنطقة إلا بعد أن عبث بها وسلمها لقمة سائغة لفرنسا وبريطانيا في نهايات القرن التاسع عشر... كما لم ينسى يهود (الظولما) أنذاك أن يلعبوا ويتلاعبوا بالأستانة في نهايتها والإتيان بالشاب ذو الأصول اليونانية المسمى (مصطفى كمال) ودوره في مساعدة اليهود في التمكن من أرض فلسطين في بدايات المخطط الصهيوني ... الأمر الذي أدى بهم لمكافئته وتنصيبه على رأس السلطة أنذاك وتأسيسه لما يعرف اليوم بتركيا سنة 1923م, وقد كرمه الناس أنذاك بتسميته (أتاتورك) والتي تعني في اللغة التركية (أب الأتراك). أتاتورك الذي مازا ل يحكم البلاد حتى الأن, ولكن هذه المرة من قبره في أنقرة العاصمة السياسية للبلاد... فلن يسمح للمحل وصاحبه بمزاولة أي نشاط تجاري مالم يضع صورة المؤسس (أتاتورك) في صدر المحل ... كما أن النقد وليس الإستهزاء أو الشتم للمؤسس يؤدي بصاحبه إلى سراديب الأستانة المظلمة. غريب هذا الإمتداد... وغريبة هذه القوة الناعمة لأتاتورك و التي مازالت تسير وتحكم البلاد متجسدة في حفنة من الجنرالات الذين يدينون بالولاء لقبر مات صاحبه منذ عشرات السنين.
على الشعوب العربية أن تحمد الله أن قادتها من الأحياء!!
نبدة عن تركيـــا اليوم
تقع تركيا في جنوب غرب أسيا, فهي تحتكم على موقع ليس بالهين على الخارطة الدولية , فالجانب الغربي يطل على البوسفور المدموج مع أوروبا بمحاداة البحر الأسود بين بلغاريا وجورجيا, كما تحد البحر الأسيوي والبحر المتوسط بين اليونان وسوريا.
إسمها الرسمي : الحمهورية التركية تبلغ مساحتها الكلية sq km 780,580 يبلغ تعدادها السكاني حوالي 72,000,000 نسمة حتى يونيو 2005 هوية المواطنة : تركي العملة : الليرة التركية التقسيم العرقي : 80% أتراك – 20% أكراد يدين بالإسلام حوالي 99% من السكان والباقي مابين مسيحيين ويهود 94.3% هم من الرجال في المجتمع 78.7% هم من النساء تاريخ الإستقلال : 29 / 10 / 1923 في 27 / 11 / 1982 وضع الدستور للمرة الأولى , وعدل في 17 / 10 / 2001 رئيس الجمهورية : منصب فخري ويتقلده الأن أحمد نجدت سيزار رئاسة الوزاء تدير شئون الدولة , على رأسها الأن رجب طيب أردوغان
إقتصاديا:
يقوم الإقتصاد على الأنشطة التالية :
11.7% زراعي 29.8% صناعي 58.5% خدمي
الدخل القومي يبلغ 66,79 $ مليار سنويا المصروفات السنوية 93,31 مليار معدل النمو 5.8 % الدين العام 147.3 $ مليار
و ما يروى عن الديمقراطية في تركيا اليوم والتعددية الحزبية وما إلى ذلك من أوجه الحداثة الغربية...ما هو إلا قناع مجمل لوجه قبيح يعاني التخلف والتمزق والفقر والفساد لدولة تعد من أغنى دول العالم من ناحية الثروات الطبيعية والأراضي الخصبة والسواحل البحرية والأنهاروالغابات ومخزون المياه والدخل السياحي....!
إن الذي يجري في تركيا منذ فترة يعرف في القاموس السياسي بإسم (ديمقراطية العسكر) و ما الذي تنتظره من العسكر؟ وبالذات في مجال الديمقراطية والحريات !! فالأحزاب السياسية في تركيا لا تختلف عن أحزاب السياسة في الدول العربية, فهي (كمبارس) لإضفاء الروح السياسية على اللعبة... وبالتالي من هو الحزب القادر على الوصول للسلطة في تركيا بدون مباركة العسكر ؟
بإختلاف الأدوات تدار اللعبة السياسية في تركيا بطريقة مشابهة لدول الجوار العربية, بإستثناء شئ واحد وهو أن الدول العربية مازالت تدور في فلك الحزب الواحد القادر على التزوير والقيام بكل ما يلزم لضمان التجديد للرئيس, بينما في تركيا نجد الحزب الحاكم الذي يدير الدولة بطريقة فعلية ( العسكر ) متخفيا وراء التشدق بالديمقراطية وفي كل مرة يأتي بحزب للسلطة ويسيره حسب رغباته ومشاريعه التي لا يخفى على أحد تواصلها وإلتزامها بالمصالح الأمريكية في المنطقة. فأخر هذه البيادق تمثل في (حزب العدالة والتنمية الإسلامي) كما يسمونه !! فرئيس الحزب يدعى: رجب طيب أردوغان. وهذا الطيب أردوغان كان واليا لمدينة إستنبول, ومن ثم قام بسرقة المال العام وإيداعه في حسابات مصرفية مختلفة وبأسماء مستعارةوأبرزها الصديق أو (المساعد) المقرب منه والذي زوجه أبنته فيما بعد كمكافأة وضمان للعملية, الأمر الذي أودى به إلى السجن ولمدة أربعة أشهر, أخلي سبيله على إثر ذلك بحجة عدم وجود أدلة كافية للإدانة!!
الحمد لله أنه طيب وحزبه إسلامي
فهاهي اليوم تركيا ماتزال تبحث عن الهوية بعد أن خلعت الثوب الإسلامي القديم رسميا (مع الإبقاء عليه كعباءة ترتديها لحضور جلسات مؤتمر القمة الإسلامي) متى حان الوقت... فهي تهرول منذ عقدين أو أكثر لدخول المنظومة الأوربية الغنية والتي لا ترى في عجلة تركيا سوى المزيد من الإمكانية للإبتزاز والمسخ لكيان شعب يدين حوالي 99% منه بالإسلام. ففي أخر الإجتماعات المعقودة بالخصوص في كوبنهاجن (الدانمارك) وفي مراسلة مرئية لمراسل إذاعة (ا لبي بي سي ا لبريطانية) ظهر المراسل على شاشة التلفاز بالقرب من مسجد وفي وقت الأذان..وقد كان صوت الأذان مسموعا بصورة مدوية...فإشار المراسل إلى ذلك معقبا أن ربما مثل هكذا مظهر من شأنه أن يزيد من مخاوف الأوربيين في الإستعجال بالموافقة لإنظمام تركيا.( وهذا كاف لقياس نبض الإتحاد الأوربي وكيفية تناوله للموضوع ). كما أنها تفاخر بعضويتها في منظمة المؤتمر الإسلامي إعلاميا فقط, ورأيناها قد هرولت مسرعة في التطبيع الكامل مع إسرائيل وإتخادها الحليف العسكري الأول في المنطقة.
فالهوية ضاعت بين الإسلام الموروث م والمسيحية المرغوبة واليهودية المفروضة
وتركيا تعي جيدا أن مطلبها لن تفرش له الورود من قبل دول الإتحاد ولذلك لجئت وتلجأ لتفعيل الدور الأمريكي في الضغط على الإتحاد الأوربي من أجل الإسراع بالمفوضات النهائية للإنضمام...وذلك بتقديم كافة الخدمات إبتداءا بقاعدة (إنجيرليك) للأمريكيين وإنتهاءا بإحتضان اللقاء الذي جمع مسئولين باكستانيين ونظراءهم من الإسرائليين...ناهيك عن الهرولة منذ فترة بإتجاه تل أبيب والتعاون العسكري معها وما يشكله من هلال لتطويق ما يمكن تطويقه من الجوار العربي.
ومستقبلا لن تكون سوى تركيــا البوابة الرئيسية والكبرى لمشروع شيمون بيريز (الشرق الأوسط الكبير) فهو الذي إمتدحها بالقول: "أن تركيا تمثل النموذج المتحضر لدول العالم الإسلامي". هذا المشروع الذي وافق عليه الأمريكيون لإدماج إسرائيل داخل المنظومة الرسمية لدول المنطقة تحت غطاء التعاون الإقتصادي, والذي من أجله سوف تستمر أمريكا في محاربة وإفشال تجمع برشلونة الإقتصادي. فالولايات المتحدة الأمريكية تهدف دائما في تحركاتها في الشرق الأوسط إلى هدفين رئيسيين:
1- ضمان الأمن والإستقرار لإسرائيل في المنطقة 2- تحييد الأوربيين بقدر الإمكان عن الإستفادة من المنطقة
ولن يجد الأمريكيون أفضل من تركيا لخدمة هذا الدور المتواطىء مستغلين بذلك لهث إستنبول وراء الأوربيين ومناشدتهم التكرم بالمساعدة على إخراجها من مأزق العالم العالم الإسلامي:
تحياتي...
مراد بلحاج - لندن
الكيخيا : في اللغة التركية تعني جابي الضرائب أو الأتاوات اليوزباشي : في اللغة التركية تعني رتبة عسكرية في الجيش من أيام العصمليين للضابط الذي يرئس مائة نفر من الجند
|
![]()